شبكة أسماء

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة : محمد فتحي *

قال لي والدها من بين أسنانه:

"الخطوبة شهر.. تلبسها فيها دبلة ولو صفيح ، و بعدها شبكة وكتب كتاب مع بعض" .

أومأت برأسي إيجاباً بغير اقتناع وهممت بالتحدث لولا أن أكملت أمها: "خلال الشهر لا خروج ولا مسك إيد ، ولا شغل المرقعة بتاع التليفونات، واللف ع الشبكة بالبت مريم اختها الكبيرة" . حاولت الاستظراف قائلاً: " طب ما اختها الصغيرة أسهل"، لولا أن عاجلني أبوها عاضاً على شفته السفلى" عشان تديها ربع جنيه وتقولها هاتي مصاصة من اللي بتزمر يا شاطرة وتعيش حياتك انت مع البت..لا يا كابتن..الكلام ده عندها "

- عند مين سعادتك

- اسألها وهي تقول لك

- هي مين حضرتك؟

- صلي ع النبي ف قلبك واخشع وبلاش لت

صليت على الرسول الكريم وخشعت

ندهت الأم:" بت يا مريم.. تعالي يا بت هاتيلي قزازة حاجة ساقعة قلبي وجعني".

لم أعرف تأثير المياه الغازية على نبضات قلب الإنسان إلا بعد أن سمعت الأم تنادي من جديد قبل مرور أقل من عشر ثواني” الحاجة الساقعة يا بنت ديك الكلب حموت” . ظللت محافظاً على رباطة جأشي بعد أن سمعت السبة الأخيرة التي تثبت عبقرية المصريين الذين اكتشفوا قواعداً جديدة لعلم الوراثة يقترن خلالها الديك بالكلب، لكنني لم أستطع أن أمنع نفسي من التحديق في مريم بمجرد أن جاءت مرتدية قميص نوم شفاف تصلح من خلاله للوقوف كمانيكان في فاترينات محلات اللانجيري في وسط البلد.

قالت مريم وهي تمضغ اللبانة برقاعة: مساء الخير.

انتظرت سبة بذيئة من الرجل يقول بعدها لابنته “استري نفسك وغوري يا بت من هنا” لكنه لم يفعل .

تجشأت أمها فجأة ثم أشهرت إسلامها من جديد ناطقة الشهادتين قبل أن تردف “الواحد كان هيموت ..التكريع بيريح برضه”

-“يا فندم ألف سلامة على حضرتك”.

دلف علينا فجأة طفل صغير دخل يجري عاري النصف الأسفل وبصق علي قبل أن يخرج بسرعة.قالت الأم في حرج مصطنع : معلهش .. عيل صغير.

كدت أرد عليها وأنا أمسح لعاب شيطانها الصغير لولا أن عاد الولد وغافلني وبصق عليَّ من جديد قبل أن يخرج مسرعاً فشتمه أبوه وهو يرميه بفازة بلاستيكية رخيصة لم تصبه للأسف، ولم تنكسر في نفس الوقت للأسف أيضاً.قال الأب : العيال الصغيرة دول نعمة..أنا جبته في الوقت الضايع..جه غلطة يعني.

قالت الأم في جرأة: الحاجات دي ما بتجيش غلطة يا ابو أسماء..شوف يا اخويا الراجل.. لحقت تنسى؟!!

كنت أتابع حوارهما حول ملابسات ليلتهما الحمراء الأولى بعد توقف اضطراري بسبب ظروف السجن، وهممت بالتحدث حينما عاد العيل ابن الكلب الصغير(حمايا) ليتبول عليَّ وهو يضحك وأنا أحاول الهروب منه ومن تصويبه للبول عليَ وسط ضحكات الأب والأم ، ووجدتني فجأة أصرخ: يالا يا ابن ال…، وقبل أن أكمل كان الأب يلكزني: يا عم قلتلك عيل صغير انته تشتمه والا ايه..دي العيال أحباب الله.قالت الأم : استنى اجيبلك شرموطة مبلولة تمسح البنطلون، واللا اقول لك ..ما تقلعه اغسلهولك والبس بنطلون بيجامة من بتوع ابو أسماء.

لم تسمح لي بالرد بل خرجت بسرعة تجري وراء مشروع إبليس المصغر المعروف بابنها الصغير وهي تتكلم عن الشطة التي ستضعها في فمه، والشمعة ال(يح) التي ستلسعه بها، والقرصة التي ستورم مؤخرته.

ربت عليّ الأب وهو يقول لي :اقعد اقعد..عندي كلمتين حابب ارغيهم معاك.

جلست وعلى ملامحي علامات التوتر: خير يا عمي.

– انت طبعاً عارف اني كنت في السجن، وان عيلتنا قتالين قتلا، وان البت أسماء اللي انت جاي تطلبها هي الحيلة اللي كملنالها تعليمها عشان تطلع محترمة. احنا طبعاً محترمين بس البت دي محترمة بزيادة وصارفين عليها دم قلبنا عشان تطلع حاجة..اشمعنى تناسبنا احنا بالذات رغم كل ده وانت يعني راجل محترم، ولما سألنا عليك قالولنا انك ابن ناس ومتربي وبتحضر دكتوراة والحركات بتاعة الناس النضاف دي..م الآخر يعني..واحد نضيف يناسب ليه عالم وسخة زينا؟

كان هذا هو الحوار الذي أنتظره وهكذا انطلقت مخبراً إياه عن كل شئ.أخبرته عن لقائي بابنته في الجامعة وأنا أسأل عن الدراسات العليا.أخبرته كيف تحدثت معي في المرة الأولى سائلة إياي عن المكتبة وكيف أننا ذهبنا معاً لنساعد بعضنا البعض ونتعرف ذلك التعارف السريع الذي توطد بعدها لدرجة عدم قدرتي على الابتعاد عنها.أخبرته كيف أنها حكت لي عن كل شئ يتعلق بها قبل أن أتقدم لها حين أدركت هي أن “غرضي شريف”، وكيف أنني أخبرتها عن انني سأتزوجها هي وليس عائلتها، وأن عائلتها مهما فعلت فيكفي أنها ربتها جيداً وصنعت منها ما هي عليه الآن من فتاة مجتهدة في كلية الاقتصاد المنزلي وفي يوم من الأيام قد تكون أشهر من أبلة نظيرة.رحت أخبره وأخبره وأخبره وهو يستمع في استحسان حتى قاطع استرسالي : ياااااه..ده انت طلعت محترم بجد.

– ربنا يخليك يا عمي

– بس احنا مش وحشين للدرجة يعني ومع ذلك انت شاري البت واحنا كمان شاريينك.بالك.انا ما كنتش هدخلها النهاردة .أنا كلمتي على بنتي تمشي وقلتلها ما تخرجيش يبقى ما تخرجيش..حبيت اعرف بس آخرك إيه ، وبما إنك طلعت راجل مش هنتقل عليك في الطلبات

– وانا تحت أمرك

– انت عارف ان الأجهزة الكهربائية وأوضة النوم على العريس

-عارف

-وعارف ان الأنتريه والسفرة والنيش على مين؟

– على العروسة طبعاً

– لأ..كده انت ما تعرفش..الدنيا اتغيرت أصلاً..الحاجات دي بتبقى برضه ع العريس

-………..

– بالنسبة للمطبخ بيبقى على مين

قلت في استنكار : ع العريس برضه؟

ضحك بشدة وهو يقول : طبعاً لأ..ع العروسة

ابتسمت : الحمد لله

استطرد: انما خشب المطبخ ع العريس؟

– نعم؟

– اسأل كده أي حد..الخشب في سلو بلدنا على العريس انما الصيني والكوبايات والاطباق والطقم الأكروبوش والميلامين وشنطة المعالق السانسونايت كل ده على العروسة..احنا بنتعب احنا كمان وربنا ما يرضاش بالظلم.

ارتدى فجأة قناع الحكمة والعدل وهو يكمل : احنا مش هنظلمك يا ابني. كفاية انك شاري البت واننا هنكون عيلة واحدة وخصوصاً انك مقطوع من شجرة.

كنت أريد أن أشتمه وأركله وأبصق عليه مرتين ثم أتبول على صلعته وأخطف ابنه الصغير في ظروف غامضة وأجري لاعناً أمه على أم أسماء على أم اليوم المنيل الذي ألقى بها في طريقي لولا أنني أحببتها بحق، وأدركت أنها ستكون سبباً لكي تستقر حياتي أخيراً مهما كان التعب والأسباب. ابتسمت أخيراً: موافق وتحت أمرك يا عمي..كله عشان خاطر أسماء.

استكمل مسلسل نذالته وهو يلعب دور الوغد الكبير وهو يكمل: بالنسبة للشبكة دي هدية العريس للعروسة..احنا ما بنتكلمش فيها..هات لها زي ما تجيب

هممت بزفرة ارتياح قاطعها هو بسماجته المعتادة: انما بنات الأصول ما بيتشبكوش بشبكة أقل من 15 ألف..شوف انا صرفت عليها قد إيه أساساً..البت كلفتني وكمان متعلمة يعني متعوب عليها.

اللهم طولك يا روح .. قلتها في سري طبعاً ، قبل أن أخبره على أرض الواقع أنني “من إيده دي لإيده دي”..، وأن “كله عشان خاطر أسماء”، وأنني “شاري” وانه سيكون “بابا وماما وأنر وجدي”.

– خلاص يبقى توكلنا على الله..تحب تجيب الشبكة إمتى؟

– التلات الجاي مناسب لحضرتك

– إيه يا ابني المواعيد دي..ما الخميس كويس؟

– التلات أهدى ومافيهوش زحمة ونعرف نتفرج براحتنا وتاخد اللي هي عاوزاه..بس عندي طلب واحد..في الحقيقة اعتبره رجاء

– رجاء..رجاء الجداوي .

راح يضحك بهدها (ههههههههه) مع العديد من ال(خخخخخخخخ) التي يسحبها بضمير بين الضحكة و الأخرى قبل أن يقول: أؤمر يا ابو نسب

– أنا اعرف صايغ هيكرمني وعنده تشكيلة كبيرة ..فبدل اللف والتعب نجيب من عنده على طول

– تلاقيك مربط معاه على طقم وعايز تجبر البت عليه

– – لا والله يا عمي..الطقم اللي هتختاره عنيا ليها..، وبعدين حضرتك هتبقى موجود معانا

– وانا لازمتي إيه

– انت الخير والبركة يا عمي..، وانا بعتبرك زي والدي فتبقى موجود معانا وتفيدنا برأيك

– بس اوعى يكون الدهب صيني

ضحكت أنا هذه المرة : يا عمي صيني إيه بس..هاتوا صايغ تعرفوه معاكم ..انت هتخوني من دلوقت؟

ابتسم لأول مرة في حرج وهو يقول: مش القصد ..بس تمام .. يوم التلات.

صرخ : يا ام أسمااااااااء..هاتي العروصة وارقعيلنا زغروطتين الاتفاق خلص خلاص

نزلت وأنا أغمز لأسماء التي أطلت من (ورب الباب) وأرسلت لها قبلة لم يلحظها أحد.

قبل مجيئي رتبت كل شئ مع أسماء وأخبرتها أنني لن أفعل ما يفسد ارتباطنا.على الأقل ليس اليوم.ضحكت بشدة عند الجملة الأخيرة وجعلتها تشاهد محل الصائغ الذي سأشتري لها منه ما تريد.بل أكثر من ذلك جعلتها تختار وتستقر على طقم ثمنه 18 ألف جنيهاً فقط لا غير.جعلتها تصوره بكاميرا الموبايل حتى تجعل أمها توافق عليه هي الأخرى دون علم الأب، وسار كل شئ- والحمد لله – على ما يرام.

يوم الثلاثاء كان كل شئ جميلاً عدا الأمطار التي أغرقت الشوارع فجأة.حدثتني أسماء برغبة أبوها في التأجيل بسبب هذا الجو البارد لأن “الزيطة” ستكون قليلة وهو يريد أن يفرح بابنته.أخبرتها أنني اتفقت فعلاً مع فرقة مزمار بلدي ستنتظر حتى نشتري الشبكة وتزفنا.أصبح كل شئ على ما يرام خاصة بعد توقف الأمطار ومع ذلك ارتديت الكوفية والقفاز احتياطي، وطلبت منها أن تفعل ذلك كي “تتدفى”.انتظرتهم عند الصائغ وما إن وصلوا حتى فوجئت بالعدد.أكثر من ثلاثين شخصاً “ولاد وبنات ورجالة بشنبات ونسوان” كل ذلك في محل “يا دوبك 4في 4” كما قال ألبير الصائغ.كانت الفرقة موجودة فطلب ألبير أن ينتظر الجميع في الخارج مع الفرقة التي راحت تعزف والباقي يرقصون والأب مبتسماً كاشفاً عن أسنانه الصفاء التي تساقطت أجزاء منها بفعل الزمن أو الخناقات.عادت الأمطار للهطول من جديد فأغلق ماجد صبي ألبير جزءاً من واجهة المحل وراحت الناس رغم ذلك تتجمع مع الطبل والزمر.راحت أسماء ومريم تنتقيان الأطقم، والولد الصغير ابن الجزمة والأب والأم يساعدوهم بينما ألبير متأفف من العيل الذي يبصق له بين الحين والآخر على الأطقم التي أخرجها من الفاترينة.قال ألبير: عيب يا بابا كدة لكن بابا الذي هو الشيطان الصغير كان يبتسم ويعيد الكرة مرة واتنين والناس في الخارج مندمجة

“ياللي ع الترعة حود ع الماااااالح”

كان ألبير في قمة غضبه وقد تناثر اللعاب على كل قطعة ذهبية أخرجها، وشد ماجد الولد من فانلته الداخلية بغل داعياً إياه للخروج للعب مع العيال فانزعج الأب:” انت بتشده كدة ليه يالا انت.

“ولا يا ولا يا عرباااااوي”

اشتبك الأب مع ماجد وسعى ألبير لتخليصهم بينما راحت الأم تشتم وتسب وهي تردد أنه “واد صغير” وأسماء تصرخ “معلهش يا ماما خلاص” بينما مريم تسخن الموضوع ” طلع دينه يا ابا..بيضرب الواد ليه”

“ضهري بيوجعني..من إيه..ضهري بيوجعني من نوم امبااااااارح”

أمسك الأب بماجد ودخل ألبير في المنتصف وتصنعت الفض بينهما قبل أن أصدم رأس كل منهما بالآخر في عنف وأخرج المفتاح الانجليزي من جيب جاكيت المطر الذي أرتديه وأضرب به ظهر ماجد في عنف ليسقط كالحجر ، وبينما راح ألبير في إغماءة بفعل ضربة رأسه نظر لي الأب بذهول وهو يترنح، لكنني أخرجت البخاخة بسرعة وأنا أضع منديلاً على أنفي وأرشها في وجهه ووجه الجميع.

سقط الرجل وسقطت مريم ووقعت أسماء على صدري وعلى وجهها علامات الدهشة فقبلتها في عنف قبل أن أنهي البخاخة بالكامل على أنف ابن الجزمة الصغير.

“وسطي بيوجعني ..من إيه..وسطي بيوجعني من وسط امبااااارح”

رحت أجمع كل الذهب الذي وقعت عيني عليه وأضعه في حقيبتي بسرعة غير عابئ بأي بصمات بسبب القفاز الذي أرتديه، وخرجت من الفتحة الصغيرة في الباب وأنا أحمل الحقيبة وأحرص على ألا يرى أي شخص في الخارج الأجسام التي تكومت أرضاً وما إن رآني الجميع حتى تصاعدت الزغاريط مرة أخرى فرحت أبتسم وملت على أذن أمين الشرطة وأنا أهمس له: عم ألبير بقولك ما تخليش حد يخش لحسان حاجة تتنظر كدة والا كدة..، وانا هروح افك وارجع لك

قال أمين الشرطة : عايز فكة كام يا باشا؟

غمزته بورقة بخمسين وأنا أقول له : يا باشا هفك في دورة المية اللي جنبينا دي.

تركته وهو في أسعد حالاته ، واتجهت ناحية المراحيض.دخلت الحمام غيرت ملابسي في سرعة.نزعت الباروكة فكشفت عن صلعتي البهية.ارتديت جلباباً مهلهلاً ونظارة (قعر كوباية) و قلبت الجاكيت على الوجه الآخر الذي أظهر جلداً متآكلاً .وضعت الذهب في جيب سري في الجلباب.خرجت متصنعاً العرج وتركت الحقيبة خلفي، ورحت أمشي وكأنني أعرج بالفعل، ومن بعيد لمحت الزحام.أبو أسماء يصرخ ويسب ويلعن وألبير متعلق في ياقته، وأمين الشرطة يطوح بعصاه ليبعد الناس ويتحدث في جهازه اللاسلكي في عصبية، وأنا…

كنت أمشي بعرجي الواضح مربتاً على الذهب في جيبي وأنا أشاهد ما يحدث وأسأل المارة: هو فيه إيه يا كباتن؟ فيرد أحدهم متطوعاً: مسكوا واحد وهو بيسرق محل الصاغة.

رحت أسمع تعليقات متناثرة وأنا أمر بين الناس وأصرخ : لاحول ولا قوة إلا بالله.

من يقلب في موبايل أسماء سيجد صورة لأحد الأطقم وسيشهد عليها ألبير، وسيلفت نظرهم القفاز التي ارتدته ولن يصدقوا أبداً أنه “عشان تتدفا”، بينما الأب معروف لكل أقسام الشرطة هو وعائلته..

“ياااااااه..”كنتي فين من زماااااان يا أسماء”.

مشيت مبتعداً وسيارة الدورية الراكبة تمر بجانبي وأنا أصرخ: لاحول ولا قوة إلا بالله..الدنيا ما بقاش فيها أمان

نهرني أحدهم حتى يمر بسيارته فابتعدت وأنا أردد: عالم وسخة، قبل أن يخبئني الليل في عباءته السوداء، وأتلاشى.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

*روائي مصري

 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق