سيجارة الحمام

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 

 

 

فصل من رواية: محمد محمد مستجاب

أحب رائحة التبغ في الصباح

تشبة رائحة النصر: شيء غامض، مجهول تبحث عنه..كأنك تمسك الزمن.. توقفه لحظات.. قبل أن يتسرب من بين يديك..

عندما أشعل السيجارة ويخترق الدخان الخياشيم وكهوف صدري..

يخرج من الأنف وبين الشفتين في هدوء.. وكأنه أنثي تتمطي بعد ليلة ساخنة..

 

تتلذذ بطعمه.. تحاول أن تبقي هذا الطعم للأبد.. تحتفظ به داخلك..

حينئذ- يصبح الصباح سعيدا..كأنك حققت نصرا في الفراش..

نصر لا يتوج إلا بميلاد طفل..

أما السعال الذي يصاحب أول نفس: إنه سعال مميز وإن يبدو – دائما – حادا.. لكنه يجب أن يحدث..

سعال يجعلك ترتج، تهتز بشدة..كي يوقظ أعضاء جسدك الخاملة..

يلي ذلك إعداد كوب شاي – أنا لا احب القهوة في الصباح-

كوب الشاي .. عندما تضع البراد على النار..تقف ممسكا سيجارتك.. تنتقل ما بين طرف شفتيك أو اصابعك..

وتتجول عينيك في كل مكان بالمطبخ..وتعبث اناملك في اي مكان: تغسل كوب أو تصلح ضلفة المطبخ أو تقوم بعّد بعض حبوب اللوبيا أو تهرش في صدرك أو مؤخرتك..

هذه مجرد لحظات تضيع كدخان السيجارة حتي تنتهي بأن يطلق البراد صفيره الذي يشبه صفير قطار ينادي علي آخر راكب قبل الانطلاق.

لا يصح ان تترك الصباح كهذا..

يجب ان تقف في الشرفة، تراقب درجات الصباح، الشمس وهي تخترق السحب وتصعد في بهائها..الالوان وهي تتفكك وتتحول من الاسود للبنفسجي للبرتقالي للابيض..

نسمات باردة تدغدغ وجهك.. يلفحك بعض الهواء الهارب.. زقزقة عصافير..صرير اطارات سيارة مسرعة.. قطتتان لا يكفان عن ممارسة الجنس في الحديقة..

كل ذلك لا يتم الا وسط بهجة دخان سيجارتك ودلال ابخرة كوب الشاي..

لكن..بعد كل ذلك..يجب الجلوس فترة في الحمام..حتي ينتهي أول كوب شاي..وتصبح السيجارة رقم ثلاثة هي رفيقتك في تلك المتعة.

تظل سيجارة الحمام: منعشة، تناغش الأنف كقبلات بئر السلم..مسروقة وسريعة ولكنها لا تنسي..

اقتراب الشفاه المرتعشة من الشفاه المرتجفة..

الشغف الذي يعلو العينين..

الرغبة، قلق العيون وهي تتلفت، الأذن وهي تنصت لوقع أقدام قادمة..

ويصبح انت وهي شيء واحد..العيون والايدي والشفاة….او سيجارتك وشفتيك واناملك..

عندما يحدث هذا..ويمتليء حمامك بدخان السيجارة..طعمه الذي لا يتكرر الا في الحمام ولا تضاهيه اي رائحة اخري في الكون..

يصبح كل شيء وأي شيء: حاد، شفاف، قاسي، منعش، متوهج…

لذا تحبه..تبحث عنه..ولا تستطيعى ان تبدأ يومك الا بعد ان تخرج من ذلك الطقس..

تخرج..بعد ان تلقي سيجارة الصباح في التواليت وانت تودعها شبه حزين لفارقها..

تأخذ حمامك..

تخرج كأنك ولدت من جديد..

حينئذ.. تعرف كيف تتعامل مع هذا الكون..

 

29/8/2013

أكتوبر

 

 

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق