سويدة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة : أحمد صبحي

كنا نتناقل أخبارها كحكايات الجنية والعفاريت،نحكيها بعيون جاحظة،وكلمات ممدودة من الخوف

٠٠سويدة جاءت٠٠سويدة ذهبت٠٠سويدة كانت هنا أو هناك٠٠

أوأن سويدة عادت إلى غرفتها قبل المساء

فنقف فى الشارع،على الحائط المقابل لبيت سويدة،

رقابنا ممدوة لأعلى البيت،نراقبها وراء ضلفة الشباك الزجاجية وهى تلمع قزازة اللمبة نمرة خمسة بورقة جورنال إستعداداً للظلام الهابط

وكانت قلوبنا تسقط فى أرجلنا عندما نتابع ظلها خلف زجاج الشباك المكسوريصغر ثم يتضخم وهى تحرك فتيل اللمبة قبل وضعها على السحارة الخشبية الكبيرة

٠٠٠٠٠٠٠٠٠

فى النهار كنا أكثر شجاعة فى مواجهتها

ننتظرخروجها من بيت ميسو التمرجى،وماأن نرى هيكلها يتقدم بخطوات ثابتة مسرعة ناحية سوق سيدى عمر،كنا ننطلق بهتافنا وأغنيتنا

ياسويدة ياوش القملة مين قالك تعملى دى العملة!٠

ياسويدة ياإيد الهون مين قالك تعملى تليفون!٠

فكانت تسرع أكثر فى خطواتها،لتتوارى عنا،دون أن نجرؤ على متابعتها

كنا نخاف من زعيقها الحاد،وصوتها القاسى،ولانفهم الكثير من كلماتها القصيرة المتوعدة،

ولكننا كنا نلتقط بآذاننا الصغيرة،بعض ماتقوله،ونظل نحكى ساعات طويلة

ونقلدها بنظرتها القاسية والفاظها الصلبة،ونردد بأصواتنا الطفولية الرفيعة

هَملونى ياكلاب هَملونى

٠٠٠٠٠٠٠٠٠

عندما كنت أحكى لأمى بخوف عنها،

كانت تطلب منى أن ننهد أنا وأصحابى ولانضايق المرأة الغلبانة

ولم تكن أمى،هى ونساء الحارة،يعرفون أكثر مما نعرف،

فبرغم أن سويدةكانت تساعدهم بخبز العيش البيتى،

وكانت هى التى تجلس أمام الفرن البلدى طوال فترة الخبيز،مقابل ربع جنيه،ومشنة كبيرة من العيش الطرى والناشف،

إلا أن نساء الحارة،كرجالها،كأطفالها لم يكونوا فى الحقيقة يدرون من أمرها شيئا،

وكانت سويدة العجوزة السوداء،الطويلة القامة العجفاء،القاسية الملامح والنظرات لغزاً كبيراً لحارتنا

٠٠٠٠٠٠٠٠٠

حتى هذا اليوم،

الذى رأينا فيه عم فرج،بائع الفول السودانى يدخل الحارة،

ويعلن،وهو يخاطب الست أنيسة التى

تنفض الكليم على حافة شباكها

٠٠تعرفى،الولية سويدة طلعت قتالة قتلا وشربت من دم الراجل!٠

وكانت صوته عالياً ومتهدجاً من الإنفعال والكل يلتف من حوله

وكنا نحن الأطفال نستمع بكل جوارحنا،

ففهمنا،

أن المرأة الصعيدية التى تقطن حارتنا منذ شهور،

قضت سنواتها الأخيرة،مابين الإسكندرية،وطنطا،ودمنهور،تبحث عن قاتل إبنها فى ثأر بائت،

وأنها أقسمت على أن ثأر هذا الإبن لن يأخذه أحداً غيرها،

ولم تكن تسير إلاوسكينها الحاد مطوى فى قطعة قماش مخفى فى جيب فستانها الأسود

كانت تعيش من خبز العيش لأهل الحارة بعض الوقت،لكنها كانت تمضى بقية يومها فى تعقب خطوات قاتل إبنها،

حتى هذا اليوم الذى رأته فى زحام سوق السوسى ينزل بجسمه ليحاور أحد الباعة،

فأنطلقت ناحيته وبركت عليه بجسمها الناشف النحيل،ولكن كانت بغلها وحقد السنين التى إجترته،كقدر لامفر منه للرجل الساقط على الأرض،وهى تطعنه فى قلبه بسكينتها الحادة المسنونة

وأضاف عم فرج

٠٠والله شربت من دم الراجل السايح،وسحبوها على الكراكون وهى بتشر دم

٠٠٠٠٠٠٠

منذ ذلك اليوم،دخلت سويدة فى سجل الأساطير والحكايات التى نحكيها تحت عمود النوربالليل فى حارتنا،

نحكى ونعيد تفاصيل الشهور التى قضتها فى حارتنا،

ونعيد ونزيد فى تفاصيل حكاية عم فرج،

صحيح أنه كنا نزال نخاف من إسمها وذكراها،

إلا أننا كنا نتكلم عنها من ذلك اليوم بإجلال وإحترام

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق