سعد القرش: هناك كتّاب فقدوا لياقتهم الأدبية ومع ذلك لا زالوا يواصلون الكتابة

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 32
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حاورته: حياة سرتاح

   يعتبر الروائي المصري، سعد القرش، أحد أهم الأصوات الروائية الشابة اليوم ليس في مصر فقط، وإنما في الوطن العربي، وهو ما مكّنه من أن يحوز على أحد أهم جوائز الرواية العربية التي تحمل اسم الروائي الكبير الراحل الطيب صالح، التي نالها مؤخراً في خضم الثورة الشبابية المصرية، عن روايته الموسومة بـ”أول النهار.

   “الفجر” التقته على هامش مشاركته في المهرجان المهرجان الدولي للأدب وكتاب الشباب (يونيو 2011)، وعادت بهذا الحوار الذي سلط فيه الضوء على تجربته الخاصة وعن المشهد الأدبي المصري والعربي عموما من منظوره الخاص كأحد الفاعلين فيه..

   تعد هذه الزيارة الثانية التي تقودك إلى الجزائر، للمشاركة في فعاليات المهرجان الدولي للأدب وكِتاب الشباب، في دورته الرابعة، حدثنا عن هذه الزيارة؟

سبق لي وأن زرت الجزائر للمشاركة في أحد الملتقيات الدولية التي احتضنتها المكتبة الوطنية، وكان الملتقى فرصة لالتقاء العديد من الأصوات الناشطة في الوسط الثقافي من مصر والعراق ومختلف دول العالم التي ما كان لهؤلاء أن يلتقوا إلا في الجزائر التي احتضنتهم في ذلك الملتقى، وهي اليوم تعود وتجمع عدد آخر من المبدعين العرب.

   حتى أن أحد الكتّاب قال بأنه ما كان لنا أن نلتقي لولا الجزائر..إذًا الجزائر بالنسبة لي دائما هي محطة هامة في مسار المبدعين العرب، ففيها نلتقي ونتحاور ونخرج بنصوص أيضا، وأنا شخصيا كتبت عنها في كتابي الموسم بـ”سبع سماوات..رحلات في مصر والجزائر والعراق والمغرب وهولندا والهند”، وهي جائزة يمنحها المركز العربي للأدب الجغرافي “ارتياد الآفاق” ومقره أبو ظبي ولندن، سلّطت فيه الضوء على زيارتي إلى الأولى إلى الجزائر.. مما يدل على أنّ الجزائر دائما في وجداني.

   حزت مؤخراً على جائزة الطيب صالح للرواية العربية، وعقب فوزك بها قلت في إحدى تصريحاتك الصحفية أنّ سعيدة بهذه الجائزة لسبب واحد هو أنها تحمل اسم الطيب صالح، لا القذافي، هذا يجعلني أسألك، لو كنا في ظروف غير هذه الظروف التي تعيشها الأوطان العربية، أكنت لترفض جائزة تحمل اسم حاكم عربي؟

   طبعا من الشجاعة الآن، أن أقول أو يقول غيري.. إطلاقا ولا..يعني يجب أن يختبر الكاتب حتى نستطيع الحكم عليه إن كان سيقبل بها أو لا، فأنا لم أمر بالتجربة للقول لا يمكنني أن أحمل جائزة الحاكم كذا وكذا..

   لكن ما أود أن أشير إليه للرد على هذا السؤال أنه كان هناك كتابا وروائيين وشعراء من هم أكبر سنا ومقاما مني ورغم هذا سقطوا في تجربة كهذه حينما تعرّضوا لها، أمثال جابر عصفور، وقبله يوسف إدريس حين قبل جائزة صدام حسين التي نالها مناصفة ورفض الحصول عليها إلا إن كانت كاملة فأعطوه الجائزة كاملة فقبلها بحجة أنه يوسف إدريس وأن الجائزة ستذكر باسمه أكثر مما ستذكر باسم صدام حسين. ولكن ذهب يوسف إدريس ولا أحد يلومه لأنه كان كاتبا كبيرا وجامحا ولم يلمه أحد على ذلك.

   أما جائزة القذافي فهي شيء لا أتصور أنّي سأرغب في حمله أو أن يقترن اسمي باسمه ثم يكفي أن كاتبا غير عربي هو الإسباني خوان غويتسولو، رفض هذه الجائزة من تلقاء نفسه من منطلق عقيدته وما يؤمن به من أفكار، وهو ما يجعلني أقول بأن هذه الجائزة حتى لو منحت لكاتب عربي، فإنه لن يرضى بها، بدليل أن الكاتب صنع الله إبراهيم رفض جائزة ملتقى الرواية التي تمنح من القاهرة، ولم يكتف بذلك فقط بل رفضها في القاهرة وأمام أكثر من مئتي كاتب عربي وأجنبي في دار الأوبرا المصرية وأطلق بيانا يندّد فيه بالسياسة المصرية عام 2003 لأنه لو لم يفعل ذلك فإن قبوله لمثل هذه الجائزة ستلتصق بتاريخه وتظل مرتبطة بمساره، فرفضه لمثل هذا التكريم منه أو من أي روائي آخر سيكون نابعا مما يؤمن به من أفكار ومبادئ.

   أما أن يحمل كاتب عربي لجائزة تحمل اسم كاتب كبير فهذا شرف لمن يحصل عليها لأن اسمه سيقترن بهذا الكاتب، وأنا شخصيا لطالما تمنيت ذلك، ولطالما كنت أود أن أعيش زمنه أو يتجاور اسمي معه وقد تجاورا في هذه المناسبة السعيدة.

   على ذكر المناسبات السعيدة، أعتقد أنه كانت لك فرصة لقاء الراحل الطيب صالح في أكثر من مناسبة.. كيف كنت تراه؟

   أنا لم أتعامل معه بشكل شخصي جدا وربما لا يعرف اسمي حتى، كنت قد التقيته مرتين، لهذا سأتحدث عن الطيب صالح في فضيلة مهمة جدا أتمنى أن يقتدي بها الذين انتهت لياقتهم الإبداعية، إذ كان الطيب صالح ثاني كاتب بعد يحيى حقي، الذي يجرؤ على فكرة الاعتزال أي أن يعتزل العمل الإبداعي والكتابة الأدبية حينما لم يجد ما يضيفه واكتشف أنه كتب كل ما عنده، ورأى أنه من الممكن انه إذا أضاف شيئا جديدا فهي أعمال لن تكون في مستوى ما يطمح إليه أو في مستوى ما كتبه بالفعل.
فالطيب صالح ضرب هذا المثل الجيد ولكن للأسف لم يعد يقتدي به الأدباء العرب على الإطلاق، فكلهم سيظلون في حالة كتابة حتى لو كانت كتاباتهم متواضعة أو أقل بكثير من أعمالهم السابقة، فالأهم عند الكاتب العربي اليوم هو أن يكون حاضرا في المشهد.

   وهو نسي أن عملية الإبداع جزء من روح الكاتب وإذا فقد هذا الجزء وقدرته على الإبداع ستأتي الكتابة ذهنية وباردة أو لا تضيف شيئا لا لتاريخه ولا لتاريخ كتابته فهذا النموذج المهم الذي ضربه الطيب صالح يجب أن يكون درسا للكاتب العربي الذي يجب أن يؤمن بأن عملا واحدا أو عملين مهمين أفضل من مئة عمل متواضع، وخير دليل على ذلك هو أن ابن المقفع لا نتذكر له إلا نص “الأدب الكبير”، ونص “كليلة ودمنة”، وهذا يكفيه ويكفينا.

   نحن كقرّاء لا نطالب الكاتب بأن يكتب مئة كتاب حتى يكون كاتبا عظيما، هناك كتّاب لديهم عشرات الكتب ولكن بين هذه الأعمال الغزيرة جدا من الممكن أن لا تتوقف أمام أي كتاب منهم، فإذا كان الكاتب يريد أن يكتب كتابا واحدا فقط فسوف نضرب له التحية يوم يموت ويوم يبعث حيا.

   ألا تعتقد أن غياب الناقد الحقيقي هو الذي جعل الوسط الأدبي العربي سواء في الجزائر أو مصر أو سوريا أو لبنان يقبع تحت هذه العباءة، وساعد على بروز ظاهرة الكم لا النوعية في الأعمال التي تطرح منذ فترة في الوسط الثقافي العربي؟

   أحيانا..

   فالناقد بمعنى أنه قادر ولديه القدرة على الفصل بين الإبداع والثرثرة، هذا الناقد موجود ولكنه غير مفعل، وبالتالي فتح الباب أمام الكثيرين عام 2003 قدمت شهادة إلى ملتقى الرواية في القاهرة قلت إن انسداد الأفق والأمل أمام الكثير من شباب من مصر هو المسؤول عن هذا الكم والإغراق من الكتابات الرديئة لأنه لو وجد هؤلاء عملا في مجال آخر لتوقفوا عن الكتابة لأنهم لو حققوا في هذه المجالات ما يطمحون إليه لشعروا أنهم يؤدون شيئا في الحياة، ولكن بعد الثورة أعتقد أن الوضع في مصر سيتغير كثيراً ونحو الأحسن.

   أعتقد ستكون هناك عدالة اجتماعية وتكافؤ في الفرص وتحقق في المجال الاجتماعي أو السياسي أو العملي أو أي شيء سوف يكف فريق كبير جدا من الذين يطلقون على أنفسهم “كتّابا”، سوف يتوقفون عن الكتابة وسيتفوقون في مجالات عملية أخرى كثيرة، أقول هذا الكلام لأن كلمة روائي ولفظ كاتب أصبح شديد الغواية والإغراء بالنسبة للكثيرين، فكثيرين كان يمكن أن يظلوا شعراء أو صحافيين أو كتّاب قصة أو نقاد أو مترجمين، وغير ذلك ولكن بين ليلة وضحاها أصبح كل هؤلاء روائيين..

   لماذا، برأيك، برزت هذه الظاهرة في الفترة الأخيرة؟

   في الستينيات كما كنا نسمع وربما لحقت بآخر هذه الفئة وهذه الروح وهذه السياسة، أنّ مسألة النشر كانت جدّ صعبة، فكان حينما ينشر لكاتب قصتين أو أكثر كان يعمد ويكتبون تحت اسمه “كاتبا واعدا”، فكان رؤساء التحرير يقرأون بدقة وقد وجدت هذا وانتشر بكثرة في تلك الفترة في مجلة “أدب ونقد”، ومجلة “إبداع”، حيث كان هؤلاء يقرأون بدقة ولا يسمحون بنشر عمل إلا إذا كان جيدا ومضمون بنسبة 90 بالمئة من أنها إبداع حقيقي، أما الآن فلا أتحدث عن قصة أو رواية أو قصيدة تنشر في مجلة أو صحيفة فقط بل أتحدث عن مجموعات قصصية وشعرية وروائية تصدر في عدّة طبعات وهي مليئة بالأخطاء..

   من يتحمّل مسؤولية ذلك؟

   دور النشر.. هناك دون نشر ليست لديها محررين أو لجنة قراءة كي تنتقي العمل الجيد من العمل الرديء الذي سيطبعونه وهمهم الأول والأخير هو أن تحصل هذه الدور على الأموال من الكاتب أو الذي يسمي نفسه كاتبا ثم تطبع له ديوان شعر أو مجموعة قصصية أو رواية، فأحيانا إذا سدت الطرق أمام هذه الثرثرة يقوم صاحبها بطباعتها على نفقته الخاصة ثم يوزعها على الصحافيين وعلى النقاد ثم يبدأ في مرحلة ثالثة في الإلحاح على الصحافيين والنقاد من أجل الكتابة عنه وتخصيص جزء له ولعمله في الصحيفة التي يشتغل فيها هذا الصحافي أو على النقاد أيضا، ومن هنا تبدأ وتنطلق فكرة صناعة كاتب من لا شيء.

   لكن أعود إلى سؤالك في الأول حول غياب النقاد لأقول إنه لو وجد نقّاد حقيقيون لأعفونا من 50 بالمئة أو أكثر مما ينشر اليوم من أعمال.

   على الرغم من هذه الإشكاليات الكثيرة التي يطرحها واقع الأدب، لا زال الكاتب العربي سواء كان جيد أو رديء يعاني من مشكلة توزيع كتابه، فنحن مثلا في المغرب العربي نحمّل المشرق مسؤولية هذا الانقطاع والمشرق يحمّلنا هذه المسؤولية وهكذا دواليك؟

   أنا أتمنى دائما أن يصل نتاج الكاتب إلى القارئ، وأن يكون العمل الأدبي سواء كان في الشعر أو القصة أو الرواية أو الدراسات النقدية، متاحا لي وللقرّاء ولكن نظرا لأسباب لا زلنا نجهل تفاصيلها الحقيقية لا زلنا نشهد أن الكتاب الجزائري يوزع في الجزائر، والكتاب المغربي يوزع في المغرب والكتاب المصري يوزع في مصر وقليلا في لبنان وسوريا بحكم الطبع في عدد من دور النشر اللبنانية والسورية، ولكن يبقى الكتاب اللبناني يلقى رواجا كبيرا في الوطن العربي، حيث إن الكتاب اللبناني لا تجد صعوبة في البحث عنه في المكتبات المصرية وأعتقد أيضا أنه متوفر عندكم وفي عدد من الدول العربية الأخرى، في حين أن الكتاب الليبي لا يصل إلينا ولا تصلهم كتبنا أيضا، أما في السودان فالناس هناك يشعرون بغربة مزدوجة لأننا في مصر الجنوب يعاني والسودان يشعرون أنهم جنوب الجنوب، ومن حقهم ألا يصبح السودان هو الطيب صالح فقط، فهناك أسماء أخرى مهمة من الممكن أن يكونوا قد أضافوا كثيرا إلى تجربة الطيب صالح، فتجربة هذا الأخير بدأت في 1962 وانتهت كإبداع زمني بعد 10 سنوات من المؤكد أن هناك أجيالا كثيرة في السودان. ولكن أن يظل السودان هو الطيب صالح ويظل الطيب صالح هو “موسم الهجرة إلى الشمال”، فهذا يعني نوع من الإيجاز والتلخيص المخل. فالخريطة في اعتقادي أعمق بكثير من أن يظل محمد شكري هو رمز السيرة الذاتية في المغرب ويظل مالك حداد في الجزائر وأن يظل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش في فلسطين لأنني أعتقد أن كل تجربة إبداعية حقيقية من حقها أن تحتل مكانا في الخريطة، لأن الإبداع من الممكن أن يتجاوز وأن يصبح في الوطن العربي ألف شاعر وألف روائي وألف كاتب قصة.

   على أي نص تشتغل الآن؟

   صدرت لي منذ فترة رواية جديدة وأحضر لكتاب جديد لا علاقة له بالرواية أو القصة، هو كتاب حول الثورة وسيكون موسوما بـ”الثورة الآن”، سأعود إلى مصر لأنهيه ثم سأرى أين ومتى أطبعه، لكني على يقين بأنه لن يبقي لي على صديق.

…………………

(“الفجر” ـ الجزائر، 27 يونيو 2011)

 

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم