سعاد إسماعيل يوسف

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

مريم حسين عبد العليم*

 (سمسم العزيزة ..أرجو أن تكونى كما عهدتك وأن يظل عبده كما كان فى نفسك 12/ 1954)

كثيرا ما أجهدت ذاكرتى فى محاولات فاشلة لتذكر الجمل الأخرى.

بمجرد اقترابى من الدولاب داهمتنى رائحة خشب عتيق قوية، فككت الحبل الذى يربط بين ضلفتى الدولاب، كل شىء على الرف العريض كما هو مغمور بالتراب، علب بودرة فارغة راديو على هيئة أرنب رمادى، بعض أصابع أحمر الشفاه مفقودة الغطاء، بروش بيرسولين لرأس ملكه صوره لأبى وهو طفل، علبة الشيكولاته الصاج – التى تمنيت امتلاكها دائما- مرسوم على غطائها فتاه نصف عارية، حولها عناقيد عنب مدلاّه ويصطف فيها أزرار مختلفة الحجم واللون وعيّنات عطور وعشرات الأكياس البلاستيكية المطوية بعناية.

نحيت كل شيء على حدة، أبحث عن مجموعة صور كانت مفضلة لدى جدتى سعاد، كنت على يقين تام بأن وجود تلك الصور معى سيجعل روحها تستريح فى سلام.

تفاعل التراب مع عرق أصابعى مكوناً طيناً فى أظافرى، مسحت يداى فى جانبى البنطال وأسندت رأسى على باب الغرفة الخشبى العريض  ذو المربعات الزجاجية الذى يفصل بين الغرفة التى أتواجد فيها والصالة- (الأوضة الوسطانيه) – فلأول مرة منذ رحيلها الصاعق أتواجد بمفردى فى بيتها الغالى.

تنهدت ثم جلست على كرسى سفره موضوع بجانب الباب قاعدته من الجلد المثبت بدبابيس نحاس وظهره على هيئة قلب (إلى سعاد العزيزة مع تمنياتى بأن تكون حياتك معى هى اسمك مع إضافة (ة) أى سعادة)

سرحت تجاه الصالة شبه المظلمة إلا من ضوء نهارى خافت، أتذكر حلما قديما حلمت به وأنا فى الثامنة، حلمت أننى أجلس فى الصالة على كرسى الأنتريه الأسيوطى المقابل لباب الشقة الطويل جدا ذي الشراعة الحديد بنفس طوله، أجلس فى الصالة المضاءة فقط باللمبة السهاره الصفراء أتناول البطاطس المحمرة فى الطبق البلاستيك الأزرق الصغير بينما يقف خلف الشراعة المفتوحة نفس الثعلب الموجود فى قصة ذات الرداء الأحمر يمد يده من خلف الشراعة يريد أخذ طبق البطاطس وأنا متمسكة بالطبق ومتسمرة فى مكانى من الخوف..

أفقت عندما لمحت ظلا يقترب من باب الشقة ثم توقف لبرهة، ووقفت أنا فى قلق أبحث عن أى شيء أمسكه فى يدى كدفاع وانتبهت لصوت مفاتيح .. فتح الباب ودخلت جدتى سعاد ومعها لفة بلاستيكية، فقط انقضت على الكرسى الموجود بمحاذاة الباب تعدل من شعرها الذى أفسده العرق.

كانت ترتدي التايير الأسود ذو الورود البيج المفضل لدى كلتانا، ذلك التايير الذى واظبت على الذهاب للسيدة التى أحاكته لها مرتين فى الأسبوع لمده ثلاثة أشهر فى دأب مخيف أورثة لى، دأب يقتل أصحابه قتلا.

أمرتني بنفاذ صبر: هاتيلى ميه ياروما

أنصعت للأوامر فورا وأحضرت كوب الماء من الصنبور لعدم اعترافها طوال عمرها بمعنى ارتواء الظمأ من الثلاجة ، أعطيتها الكوب وأنا انظر لها فى استغراب وحذر ، بادرتنى بشغف: جبتلك كبده يا سوخ. (تدليل مهذب لكلمة وسخ) .

أعدت الكوب الفارغ للمطبخ وأنا اضحك وأصنع بذراعىّ وملامح وجهى علامات استفهام .

طلبت منى إعداد كوبين من الشاى لحين فتح لفافة السندوتشات وسمعت أثناء إعداده ظهور صوت أم كلثوم تشكو حيرة قلبها ، كان اندهاشى لعلمى بعدم وجود مسجل فى الشقة فى موقف كهذا لامعنى له .

وضعت صينية الشاى على يد الأنتريه العريضة بينما مدت جدتى يدها لى بسندوتش الكبده وتناولت هى شندوتش المخ بمشاركة قرن فلفل نعتته بالنصرانى لشدة حرقانه . ، مسحت أطراف أصابعها فى ورق الجرائد المغلف به الشاندوتشات ومدت يدها فى صدرها أخرجت لفافه وأعطتها لى وابتسمت .

ايه ده ياننون

مش دى الصور اللى قلبتى عليها الدولاب

شهقت فى سرور وخجل  -أيوه صح

فتحت اللفافة .. كانت عدة صور لجدى ملفوفة فى مفرشين لايتعدى طول الواحد نصف شبر لونها مائل للاصفرار بفعل القدم مشغولين بإطار متناثر عليه أشكال كؤوس زرقاء وخضراء.  فى المجمل شكل المفارش جميل مع أن الغرز غير دقيقه حيث شغلتها جدتى وهى فى الصف السادس الابتدائى . تناولت هى كوب الشاى شديد السخونة – فلا يمكن أن تشرب الشاى الا وهو شديد السخونه لدرجة أن الكوب يفرغ ويظل ساخنا فترة طويلة – ارتشفت بهدوء بينما قلبت أنا فى الصور أدقق لقراءة المكتوب خلفها ن قرأت خلف صوره لجدى – شديد الشبه بكمال الشناوى – وأبى الذى لم يتجاوز عام( كنا نود أن تكونى معنا ليطلق على هذه الصورة اسم الأسرة السعيدة لكن ثمن هذه الصورة 25قرش وإذا كنا ثلاثة ثمنها 50 قرش وهذه الصورة أخذت يوم 22فى الشهر وطبعا هذا معناه واضح) وصوره للجد سارحا ويسند وجهه على أصابع يده ( انه عبده وهو يفكر كعادته فيمن يا ترى يفكر .. فى سعاد زوجته العزيزة طبعا) نظرت لها فوجدتها تضحك وضحكت أنا أيضا وتراجعت عن التعليق على وسامته حين لمحت الطول الغريب لظفر إصبعه الصغير.

تنهدت جدتى بحزن حين رأت الصورة التى أمسكها ، كانت صوره لجدى وهو أشيب (عزيزتى سعاد مضى عشرون عاما على زواجنا ومع انه عمر طويل الا أننى ارجو أن أهديك صوره أخرى بعد خمسون عام) صمتنا تماما الا من صوت أم كلثوم وتذكرت أن الجد مات بسرطان الدم ، قطعت الصمت بالسؤال عن الورقة المطوية بين الصور فتحتها وضحكت بشدة.. كانت قصه الكلب صديق الإنسان أول قصه كتبتها فى حياتى .. خجلت من قراءتها وطويتها سريعا .

يلا بأه خدى الكبايات صبنّيها وسيبيها تتصفى

نهضت وأخذت الصينيه وسمعت بوضوح أثناء غسل الأكواب صوت باب الشقه يغلق مسحت يداى فى ملابسى وخرجت جريا للصالة ، لم أجد نينه سعاد جبت الغرف كلها ولكنها كانت خاوية .. وقفت فى منتصف الصالة وأنا أنظر بيأس للصور المتناثرة والبخار المتصاعد من كوب الشاي وعيناى تدور فى شقوق الحوائط وغطاء اللمبة ذو الوردة الزرقاء.

………………….

*قاصة مصرية

   

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق