سرداب طويل يجبرك سقفه على الانحناء

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

فصل من رواية : محمد صلاح العزب*

المطر.. المطر.. المطر.. المطر.. المطر.. المطر.. المطر.. المطر.. المطر.. المطر.. المطر.. المطر.. المطر.. المطر.. المطر.. المطر............. عشرات.. مئات.. ألوف.. ملايين القطرات، عرق.. بول.. دماء.. قيء.. مني ……… تتقزز.

القطرات الثقيلة تتهاوى على قفاك، تصفعك بحنكة مخبر شرطة عتيد.

كل الدنيا تصفعك :

جيوبك الخاوية.

صبي المقهى القابع في ظلام الركن منتظرا لحظة انفصال مؤخرتك عن قاعدة الكرسي المكسورة.

نصف كوب الشاي البارد الذي تبقيه كذريعة مُرَّة سوداء لبقائك.

الشوارع المظلمة الموحلة.

سيارات الدورية المتناثرة بالخارج كحجارة الطريق.

غرفتك الكئيبة.

أبوك الذي تعلم أن ينتظرك خلف الباب بمجرد أن تطرق :

«أهلا بالخيبة.. ضائع ومتشرد.. ثلاثين سنة ومفضوح ابن مفضوحة.. عاطل وسكري.. وأبوك يصرف عليك.. كل هذا وليس في وجه البعيد نقطة دم.. لما ترجع وتدب في بيوت الناس المحترمين كل ليلة وقت الفجر».

لم يبق في المقهى سواك، يوليك عامل المقهى ظهره ليطفئ التليفزيون، بقامته القصيرة ومشيته المتأرجحة يهرول إليك، يعترضك صامتا، رافعا عينيه نحوك، ضوء المصباح الخافت الأصفر يبرق باهتا فوق صلعته الواسعة، تمرر أصابعك على شعرك، تخزك الأسلاك الشائكة في كفك المتثلجة، تنزل يدك، تهز له كتفيك:

«قيد على الحساب».

يصيح، يهتز، يؤرجح يده مع تقلص ملامحه وانبعاجها، يأتي جلباب صاحب المقهى من خلف المكتب العتيق يكنس الأرض، يشتركان في صخب لا تسمعه، وأنت محبوس داخل قفص زجاجي يؤديان حركاتهما أمامه، تشعر أنهما قد انتهيا، تدس يديك في جيبي سروالك.. وتخرج.

عرض يومي لا يهددك كثيرا. بصعوبة تنقل حذاءك المثقوب في أكثر من موضع بين البحيرات السوداء الكثيرة التي خلَّفها المطر، تدور من شوارع جانبية ضيقة ملتوية، تاركا الشارع العمومي الذي ينتظرك فيه، يبدو أصغر منك سنا، وسيما، نظيفا، كأنه النموذج الأساسي الذي كان مفروضا أن يكون عليه البشر. في المرة الأخيرة ظل يصفعك على جانب رقبتك باستخفاف:

«ضروري أن يمر الباشا علينا كل ليلة ليلقي تحية الفجر ؟».

 

بصعوبة تنزع بطاقتك المهترئة، تقبض عليها بيدك محاولا رفعها، لا يلتفت إلى حركتك المكشوفة :

«أنت يا ابن القحبة شايف العسكري الواقف خلفي مزاجه مع الرجال.. وحياة أمك لو شفت سحنتك المسلوقة مرة ثانية لتركته عليك».

ودفعك من قفاك بقوة عشر صفعات، تاركا لك مجالا من الخيال لكي تقسمها بنفسك، يمتلئ حذاؤك بالماء القذر.

تفكر في أن تنتظر الصباح حتى ينزل أبوك. الدنيا ساكتة ومغسولة، وصوت الحذاء لدى انفصاله والتصاقه بالطين درامي إلى حد كبير.

يصرفك صوت أمعائك عن الانتباه إلى أي شيء آخر.

يلوح بيتكم من بعيد، خمسة طوابق، في كل طابق أربع شقق، خلف الشيش الأخضر المغلق في الثالث حجرتك، حجرة أبيك خلف الشرفة، تنتبه للمرة الأولى إلى تساقط معظم طلائها الذي يصعب على من لم يره وهو أخضر زاهٍ أن يخمن الآن لونه الأساسي.

الحجرة الثالثة التي تنام فيها أختك الآن لا نافذة لها على الشارع، إنما نافذة صغيرة ذات قضبان حديدية مفتوحة على المنور.

تقترب، تلمح بوابة البيت، قصيرة، ضيقة، متهدمة، مظلمة، ذات باب صدئ، تَلِج، تداهمك الرائحة المقبضة، الظلام، وصوت خرير ماء متقطع يقتحمك، ينفذ فيك، يبللك، ترتعش، تبصق وأنت تتلمس مواطئ قدمك مستندا بقوة على السور الواطئ محاذرا من التعثر والارتطام، تتجاوز الأرضي والسلم، تضع رجلك على بسطة الثاني، تنقل قدميك في حذر، فجأة تشعر بقدمك تغوص في كومة طرية، يصرخ القط الذي لا تراه، يتسلق ساقك ناشبا أظفاره في نسيج السروال، تنفذ إلى لحمك، تفزع، تقذف به برجلك في غل وقوة، فتسمع صوت ارتطامه بالباب المواجه مدويا وسط كل هذا السكون.

تفتح الست ناهد بابها، تلمح ذعرها، تهم بأن تستحضر صوتك لتقول لها شيئا، لا تترك لك حتى فرصة الإشارة بيدك:

«سي يحيي ؟ لماذا تخبط الباب هكذا ؟ في هذا الوقت؟ ماذا تظنني؟ أم لأني أعيش بمفردي ؟».

بتتابع يفزعك يضاء مصباح.. ومصباح.. ومصباح، أمامك.. خلفك.. جنبك، تسمع تكتكات فتح المزاليج بتتابع أسرع، تحيط بك الرءوس من فوق.. من تحت.. من حولك، متراصة فوق بعضها من خلال فرجات الأبواب، متدرجة بتدرج السلالم التي يقفون عليها، أعين واسعة، محدقة، تتجاوزك لتتحسس اللحم الأبيض، ثم ترتد إليك محاولة تخيل مدي ملاءمة ملامحك الباهتة الشهباء بشعرك ورموشك وحاجبيك وشاربك الناصعة، وحدقتيك الحمراوين كعيني أرنب، ملابسك القديمة المتسخة الرثة المبتلة، فكرتهم القديمة عنك لهذا البياض المترجرج في القميص الأسود، يستكثرون عليك كل هذا، يتخيل كل واحد منهم نفسه مكانك في تلك الصورة، فيبدءون :

«لا يا يحيي أفندي.. عيب».

«بيتنا بيت محترم.. كله إلا هذه الأشياء».

«أبوك رجل مستقيم وفي حاله».

«ولم نر منه العيبة».

« ……………….»

« ……………… ».

« ………………».

تلمح رأس أبيك تطل من أعلى، تفرك آثار نعاس لم يتمكن بعد.

«يرضيك ما يفعله ابنك يا عم أبو يحيي».

من أعلى يسقط صوت أبيك معدني، حاد، مسنون، يهوي فيبتر كل نظراتهم، تخيلاتهم، عباراتهم المقززة:

«أنت يا ابن الوسخة أنا تعبت معك.. رجلك النجسة لا تضعها في هذا البيت مرة ثانية.. وسحنتك المقرفة لا أريد أن أراها حتى أموت».

صمت طويل يعيدك إلى داخل صندوقك الزجاجي، تشعر بهم يبتعدون، يكبرون، يتضخمون، وأنت تتضاءل، وصوت صفير حاد يرتفع في أذنيك، تتضاءل، تتلاشي، ولا يبقى أمامك إلا الوجوه المحدقة تدور، تتداخل مع قضبان شراعات الأبواب، وطلاء حائط السلم المسود، وأشعة المصابيح العديدة كشموس محرقة، وملابس النوم، كل هذا يدور، يتداخل، وأنت مختف، غير موجود، بينما القط الرمادي ملتف حول نفسه، مغمض العينين في نعاس مفتعل.

● ● ●

 

بمجرد أن يلامس نعل حذائك طين الشارع ينقطع النور، تبصق، تعجز عن تبين أي شيء في ذلك الظلام، فيما تلح على ذهنك صورة أولئك النائمين على الدكك الخشبية في مواقف الأتوبيسات ليلا، بعضهم يبدو محترما جدا، مما دفعك إلى التساؤل لمدة طويلة : لماذا ينام رجل ببدلة كاملة وربطة عنق هكذا وحذاؤه تحت رأسه ؟!

يتشرب حذاؤك الماء بسرعة عجيبة، تتجمد أصابع قدميك، تحاول تحسس مواضع الوحل والطين الزلق، يعثِّرك الظلام الأسود المحيط، فيتلطخ سروالك بالطين والبلل.

تفكر في أي شخص، أي واحد تستطيع أن تقصده عندما يطلع الصباح، بقدميك الموحلتين تطأ ذاكرتك.. ببطء.. ببطء؛ حتى لا تتجاوز أحدا، أو تبلله، لن تتمكن من الضحك على نفسك طويلا.. لا أحد، تعرف هذا من البداية، موقن من أنك وحيد كبصقة.

كل هؤلاء الناس المستريحين، الطاعمين، النائمين خلف الجدران في الدفء وفي أحضان النساء أنت لا تعرف أي واحد منهم بحيث يمكنك أن تقول له أفسح لي قليلا، فأنا متعب، وطريد، وجائع، وميت من البرد.

صوت شخيرهم المفترض ممتزجا بالصقيع يخترقك كمخالب مدببة، من قدميك حتى رقبتك، تختنق، فيما يؤلمك صوت خطواتك الرتيب.

فجأة يسطع الأزرق ملونا المباني، آتيا من منتصف المسافة غير الطويلة التي تفصلك عن نهاية الشارع، يبرق بسرعة شديدة، دائرية، مجنونة (كيف لم تنتبه إليه وهو في أول الطريق؟)، قبل أن تستوعب تتداخل الأصوات في سقف رأسك:

مكابح السيارة بصرير يفزعك، وهي تزحف نحوك بحركة دائرية أنت مركزها.

صوت الضابط النموذج: «هاتوا لي ابن القحبة هذا».

صوت انفتاح البابين الخلفيين للسيارة البيضاء، فتتبين من أحدهما ذلك العسكري الشاذ، تنطلق في الجري، (لم تفعل شيئا، ما لهم بك أولاد الكلب هؤلاء ؟!) تختفي المباني من حولك، يتلاشى نصفك العلوي، كل أعضائك تتحور إلى عَدْو، دقات قلبك في قدميك، رأسك المرتجة في قدميك، والرياح تصفر حولك. يرتفع صوت صرير الإطارات مرة أخري والسيارة تنطلق مسرعة خلفك فتعرج أنت إلى شارع جانبي ضيق، تصرخ المكابح، وصوت ارتطام الأحذية الميرية بالأرض مطارق تهوي على قلبك برتابة الموسيقى التصويرية لأفلام الرعب القديمة، تتنفس بصعوبة، المرة الوحيدة في حياتك التي تجري فيها، حتى وأنت صغير لم تجر. لكن كيف جريت هكذا ؟ لماذا جريت؟ لو وقفت؟ أنت الآن مشرد، لو أمسكوا بك لآواك القسم، جدران الحجز أضيق من هذه الزنزانة الواسعة، لابد أنهم يقدمون طعاما، ويمكنك أن تنام مستدفئا بحرارة الأنفاس.

تقف، تبحث عن زيِّهما الأسود وسط هذه الحلكة، ليس سوى الكلاب الكثيرة التي لم تأنس لوجودك فظلت تنبح عن بعد مسافة الاستكشاف.

متعب، جائع، تنقل قدميك المتجمدتين في وهن، تخرج إلى الشارع الكبير الموازي لذلك الذي احتلته سيارة الضوء الأزرق. لا ترتاح لانفرادك هكذا وسط الشارع الواسع الخالي المضاء بالأعمدة الصفراء، تسير إلى جوار الحائط قليلا، ثم تخرج إلى أول فتحة جانبية تقابلك.

«الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر…».

عشرات «الله أكبر» عالية من مكبرات الصوت لجوامع كثيرة، تتعانق في إجلال يؤلمك أنه لا يَمَسُّك برغم كربك.

تلمحه كشبح آت من بعيد، يقترب باقترابك منه كما لو كان نقطة ثابتة، مع أنك تراه يمشي باتجاهك. لا يهتم بالأذانات العالية المتكررة، يرفع صوته إلى أقصى قوته محاولا ألا يعيقه الصوت الآخر :

«الدنيا ليل والنجوم طالعة تنورها».

كالحجر تهبط الفكرة على رأسك، تتلفت حولك، ترفع رأسك إلى النوافذ والشرفات المتقابلة في شبه التصاق. يغريك ترنحه الشديد، ضآلته، شعره الأبيض، ضعفه البادي، فتستل قلمك الجاف من جيب البطاقة الخلفي، تفتح أزرار قميصك العلوية محاولا إقناع نفسك بأن هيئتك الآن تصلح لأن تكون باعثا على الخوف، أو حتى الارتباك.

تفاجأ به أمامك، لا يفصلك عنه سوي رائحة الخمر القوية المنبعثة من فمه وثيابه، تضطرب ويجتاحك خوف شديد. تحاول أن تحرك يدك تشير له بها معتذرا، أن تستجمع صوتك لتقول له شيئا، تسأله عن الساعة مثلا وتمضي.

يرعبك الرعب في وجهه، ويسمِّرك في مكانك تحوله إلى تمثال له عين مذعورة، نصف واعية ونصف تستجدي الوعي. تشعر بأن اللحظة لن تمر، وأن الوقت مات، وأنت أمامه كورقة، لو صرخ فيك لارتعدت.

أكثر من ضعفك يؤلمك ضعفه، كل ما تريد منه الآن أن يكون قويا بما فيه الكفاية ؛ حتى ينهي هذا الموقف العصيب.

كمن استرد كامل وعيه مرة واحدة، يدس يده في جيب سترته الداخلي (هل سيخرج ما يقتلك به؟) تتشبث بهذه الفكرة، في البداية تخاف، ما تلبث أن ترتاح لها، تكاد ترجوه أن ينهي ذلك ولو بهذه الطريقة. قبضة يدك المدلاة إلى جانبك تضغط على القلم بقوة محاولة تفريغ توترك، يخرج يده، تسمع صوت تكتكة تكسر بلاستيك القلم، نقود، يمدها إليك، لا تستطيع رفع يدك، ينزل هو بيده، يدسها في كفك متوسلا بها، محاولا طمأنة نفسه أن الأمر انتهي هكذا ببساطة، وأنك لن تؤذيه.

لم يخطر ببالك أن الأمر سهل إلى هذا الحد، طمعت في جنيهات لتأكل أما كل هذه الأوراق الكبيرة!

ببطء مترقب مطلي بالخوف يتجاوزك، يرجع خطوتين بظهره ووجهه لك، بسرعة يستدير ولمحة فرح ممتنة لك في عينيه. قبل أن تفيق تجده قد صار بعيدا بمسافة كافية لـ «طالعة تنورها» بصوت عال مترنح يخفت تدريجيا حتى يصمت.

واقف في مكانك لا تزال، يدك تقبض على الأموال بقوة، للحظة تراودك فكرة أن تسرع وراءه، تشعر بحذائك يدوس بقايا القلم المتكسر على الأرض، وعشرات: «الصلاة خير من النوم» تتداخل متعانقة فوق سماء المدينة الغارقة في موت عميق.

● ● ●

 

يطمئن إلى الملمس الناعم المتماسك للنقود الجديدة في جيبه، يسير في بطء محاولا التجرد من جسده المتعب الجائع المبتل.

يبحث عن أي مكان يمكنه أن يأكل فيه، كل أبواب الدكاكين الحمراء، والزرقاء، والصدئة، والملونة موصدة في وجهه: «الراحة الجمعة»، «مغلق للصلاة»، «مواعيد العمل…….».

● ● ●

صفعات العيال على قفاك تؤلمك، تؤلمك أكثر ابتسامتك البلهاء لهم في مداهنة تدفعهم إلى المزيد من الصفعات، والركلات، والحركات الأخرى البذيئة.

تحاول أن تنضم إلى إحدى عصاباتهم، تتقدم صامتا وتندس في وسطهم، بمجرد أن تفعل ذلك (لا تدري لماذا) يكتشفون لعبة جديدة لا يمكنك مشاركتهم فيها إلا بالانزواء بجوار حجرة عم عبده الفراش في ركن الفناء، وتظل تبكي.

عصي المدرسين أيضا تألفك، أول يوم تذهب فيه إلى المدرسة، تبكي لأمك كثيرا عند البوابة، تستحلفها برحمة النبي، وبالمصحف الشريف، وبالكعبة، والجلباب الغامق الواسع المتسخ يأتي من خلفك، يجرجرك إلى الداخل :

«توكلي على الله يا ست.. امشي من هنا حتى لا يمسك فيك».

تتخلى أمك عنك لذراعي عم عبده، تجد نفسك وحيدا في مكان غريب صاخب بالحركة، كل ملابسه بيج فاتح، ثم بني محروق بأسفل، يرص الجرس كل هذا الهرج في صفوف، ويضعك في آخر واحد منها.

تدخل الفصل، بمجرد أن تستقر في الدكة الأخيرة تبول على نفسك، يتركونك بمفردك في دكة واسعة، وهم يتزاحمون كل أربعة أو خمسة في واحدة، يتجمعون من حولك، كلهم، في دائرة ضيقة مزدحمة، يتنادون، يمد كل واحد عينيه ليرى دائرة الماء الأصفر، ثم يفسح المكان لآخر.

دامع، بائس، مبتل، مرعوب، محشور في دكة واسعة، وخمسون أو ستون فما لا تعرفه يرددون في نفس واحد :

«أبو شخه أهو أهو».

الماء الحارق ممتد بطول فخذيك وساقيك، يؤلمك، يتجمع في النهاية في الحذاء البلاستيكي الجديد، الذي ما زال يجرحك عند الكعبين برغم أن أمك قد أزالت البروز الزائد بالموسي.

ينفض من حولك جمعهم، ليحل بدلا منه الوجه ذو الشارب، والعصا، والدفتر المكسو بجلد أسود.

«واحد».

«اثنين».

وأنت تفتح كفيك بآلية.

«ثلاثة».

منذ دخلت الفصل وأنت تبكي، لكنك تستأنف بكاء جديدا.

«خمسة».

يحاصرك الألم من كل قطعة فيك، والضجيج من حولك لا يتوقف، طنين ذباب يسكته صوته:

«من يريد أن يذهب إلى الحمام يرفع يده ويستأذن.. أي واحد سيبول على نفسه سيضرب على قدميه.. وسأجعله يلحس القرف الذي عمله».

في الدكة الواسعة بمفردك، تشعر أنك عار تماما، وأنهم رأوك على عريك، تتمنى لو يختفون من أمامك، لو يموتون.

ظل يتكلم طويلا، فيما تمتزج سيول دموعك بالبحيرة الصفراء بين قدميك، تراه يشير إليك بالعصا الطويلة:

«اقعد يا أبو شخه».

يضجون بالضحك، وتصير كنيتك حتى نهاية الابتدائية.

في المرة التي فكرت فيها أن تشكو إلى الناظر، نزلت بالفعل، تسمرت عند مدخل الحجرة الكبيرة، في النهاية ضربك ؛ لأنك وقفت هكذا، ولأنك أخرس، ولأنك بللت له طرف السجادة القطيفة الحمراء الكبيرة، التي لا يوجد مثلها في المدرسة كلها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* روائي مصري

 

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق