زينب مش بتكتب شعر

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

مصطفى السيد سمير

في اللحظة دي مافيش قدام زينب غير اختيار من اتنين: إما إنها تلحق الأتوبيس عشان تروح الشغل، وإما إنها تجري ورا البطريق اللي اتسحب جنبها من غير ما تحس، وخطف الأجندة من إيدها وجري في الاتجاه المعاكس. بصت زينب يمين وشمال محتارة. النهارده أول يوم شغل وما ينفعش تتأخر، ثم إن الأجندة مش مكتوب فيها حاجة مهمة، هي صحيح كانت عاملاها عشان تكتب فيها شعر، بس هي في الحقيقة لسه ما كتبتش فيها حاجة، كل اللي فيها مواعيد وشوية أرقام تليفونات مالهاش لازمة وصورة بحر ملزوقة على الغلاف. ابتسمت زينب بعد ما حسمت أمرها، وطلعت تجري ورا البطريق.

عند الإشارة لقيت زينب موتوسيكل فوقه بالونة حوار من اللي بتبقى جنب الأبطال في الكوميكس.. وكان فيها كلام.. قعدت زينب على الموتوسيكل وبدأت تقرا.. كان الكلام المكتوب شعر. الموتوسيكل نور كشافاته وجري بيها.. سألها: عاوزة تروحي فين؟ قالت له: عايزة أجري ورا البطريق اللي خطف أجندة الشعر بتاعتي، هو كان بيجري من هنا. سكتت زينب فجأة لما لقت حاجة بتجري بعيد لكن الموتوسيكل قال لها: إوعي تبطلي قراية عشان لو بطلتي قراية حنقف. استغربت زينب جدا من كلامه وبصت حواليها، كانت كل العربيات والأتوبيسات فوقها بالونات حوار مليانين كلام. كان فيه عربيات مكتوب فوقها شعر حلو قوي كانت بتمشي بسرعة، وكان فيه عربية عطلانة على جنب وموقفة الطريق، والبالونة فوقها مافيش فيها ولا كلمة. الموتوسيكل سألها: إنتي صحيح بتكتبي شعر؟ قالت له: لأ، بس عاوزة أكتب. قال لها: ليه؟ قالت له: عشان سمعت إن الورق اللي مكتوب فيه شعر هو الوحيد اللي ينفع يتعمل مركب، وأنا نفسي أعمل مراكب ورق كتير. سألها: طب البطريق خطف الأجندة منك ليه؟ هزت كتفها وقالت: مش عارفة. بس خايفة يعملها مراكب قبل ما أوصل له. سألها: تفتكري يكون راح فين؟ قالت له: برضه مش عارفة. قال لها: لو حيعملها مراكب، يبقى حيحتاج مكان فيه بحر.

عند الإشارة وقف الموتوسيكل على جنب. سألته: وقفت ليه؟ قال لها: القصيدة خلصت. قالت له: بس البحر لسه بعيد، بص، أنا ممكن أحكيلك حدوتة لحد هناك. بدأت زينب تحكي راحت كشافات الموتوسيكل نورت من جديد وجري بيها على طول لحد موقف الأتوبيس، وهناك لقيت أتوبيس مدرسة، نزلت زينب وطلعت على الأتوبيس.

ما كانش فيه سواق في الأتوبيس، ما كانش فيه غير البنات اللي بصوا لزينب باستغراب، قالت لهم: ما تخافوش، أنا اسمي زينب، ممكن توصلوني للبحر. البنت اللي في أول كرسي قالت لها: شكرا. زينب استغربت قوي وقالت لها: شكرا على إيه؟ راحت ضحكت وقالت لها: لأ، أنا اسمي شكرا، كلنا في المدرسة اسمنا شكرا، وأنا شكرا الدهشة – اللي صوتي عالي. زينب سألتها: أمال السواق فين؟ قالت لها: السواق نزل يفطر، وقال لو اتأخرت ابقوا اندهوا عليا. سألت زينب: وما ندهتوش عليه ليه؟ ردت عليها شكرا المجاملة – اللي بتموت بعد ما تتكلم بثانية واحدة: عشان ما نعرفش اسمه!

وقفت زينب في وسطهم، كانوا كلهم محتارين، سألتهم زينب: انتوا بتتعلموا إيه في المدرسة؟ ردت عليها شكرا المحبة – المكسوفة دايما: إحنا بنتعلم تدبير منزلي، عشان لما نخرج نعرف نحافظ على الكلام. إحنا اللي بنربي الكلمات كلها. ابتسمت زينب، وقالت: أنا بقى باشتغل في الراديو، باصقف بعد ما الأغنية تخلص عشان الأغاني تنبسط، وساعات باصقف في وسط الأغنية عشان ما تنامش. سألتها شكرا الشبع – اللي بتيجي بعد الحضن: يعني إنتي حافظة أغاني كتير. قالت: أيوة. قالت لها: طب ممكن تغني لينا لحد ما ييجي السواق.

وقفت زينب في وسط الأتوبيس، ما كانش في دماغها غير أغنية واحدة، قعدت تصقف وهما يغنوا معاها.

إن جيتنا يا جميل / على عيننا جيتك / وإن غبت يا جميل / خليك على غيتك

زينب اكتشفت إن صوتها جميل مع البنات، راحت غنت أغنية تانية، وتالتة، وبدأت تخمن اسم كل بنت من ابتسامتها وطريقة لبسها وتصقيفها، كانوا كلهم فرحانين، واتمنت إن اللحظة تطول. لكن فجأة اتفتح الباب، وطلع راجل بينهج قال لهم: إنتوا كنتوا فين.. أنا كنت بادور عليكم وفجأة الأتوبيس نزل قدامي من السما. قالوا له  في صوت واحد: إحنا كنا تايهين. سألته زينب إذا كان ممكن يوصلها للبحر، قال لها : إحنا متأخرين على ميعاد الطابور، أنا ممكن أوصلك لحد المدرسة وبعدين تتمشي.

نزلت زينب قدام المدرسة، كان البحر لسة بعيد وما كانش فيه حد تسأله. سمعت صوت بيناديها: إنتي تايهة؟ بصت حواليها لقيت صراف آلي واقف جنب الحيط وبيشاور لها. قالت له: أنا عاوزة أروح البحر. وأجيب الأجندة بتاعتي. قال لها: وأنا كمان نفسي أروح البحر، بس للأسف ماقدرش، وحتى لو رحت مش حاعرف أعوم. زينب سألته: ليه؟ قال لها: أولا عشان وزني، وثانيا لأن كل الناس اللي أعرفها بتحبني عشان الفلوس، عمر ما حد حبني لدرجة إنه يعلمني العوم ويوديني البحر. مع إني باعرف أتكلم وممكن أقول نكت كمان، بس محدش بيسألني غير الأسئلة اللي مكتوبة على الزراير بتاعتي، وبعدين يقولوا عني إني ما باتكلمش. ضحكت زينب وباسته في خده بحب.. سمعت صوت غريب، بصوا الاتنين على آخر الشارع، لقيوا الميا جاية من ناحية البحرومغرقة الشارع كله. اتفتحت البيبان والشبابيك حواليهم وهجمت الميا، الميا كانت بتطلع من كل مكان، والسحاب اتجمع بس مانزلش مطر زي ما كانوا متوقعين.. كانت بتمطر مراكب ورق.. مراكب كتير كانت بتعوم في كل حتة وكان فيه منها مراكب ملونة كمان. مسكت زينب في الصراف الآلي جامد من غير ما تعرف ليه.. هل كانت خايفة تغرق أو بجد هي حبته وعايزة تعلمه العوم..

إنت مبسوط ؟

الصراف الآلي اتخض من سؤال زينب كإنه كان فاكر إن كل دة حلم.

إنتي أحلى حاجة حصلت لي

زينب باسته في خده تاني، اتحررت رجليه من الحيطة، فرد دراعه ضحك وزعق بأعلى صوته: أنا كدة حاتحول لأمير مسحور.

وبعدين غمض عينيه، لكنه فتحها بعد ما دقايق وما كانش فيه أي حاجة اتغيرت غير إن زينب كانت بتحاول تعلمه العوم. بص الصراف الآلي في الأرض بحزن وقال: على فكرة أنا كان نفسي أساعدك تجيبي الأجندة بتاعتك.

ضحكت زينب جدا، ولاحظت في اللحظة دي إن ضحكتها بتزود منسوب الميا وبتخلي المراكب تقرب منها.

على فكرة زينب ما نسيتش أمنيتها القديمة في انها تعمل مراكب ورق كتير.. بس في المرحلة الحالية هي مبسوطة قوي بإنها تكون البحر.

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق