رواية “قريبًا من البهجة” .. الاختفاء القسري للأمل!

كتب،-قريبا-من-البهجة
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام
حنان سليمان
غلاف ملون يفترض أن يكون مبهجًا لكنه ليس كذلك. اقترب من البهجة.. حاول.. جمع المكونات.. لكن الخلطة فسدت ولم يصل.. كما شخصيات الرواية.
أي نص ذلك الذي يبدأ بإهداء “إلى الله”؟ إهداء يجبرك على الاعتدال في جلستك استعدادا لتلقي ما سيلي من شهادة. إهداء تضطرب له النفس من جرأته. يباغتك وأنت تبدأ صفحات ما تظن أنه خيال أدبي فتطرحك أرضا واقعيته. واقعية تكاد تقسم معها أن الكاتب ينقل بالحرف من ذاكرة حية لا مجال للخيال فيها. بدل أسماء وغير، لكن الأبطال كلهم في محيطه، بين دوائره، وسط الشخصيات العامة، قد تجد فيهم نفسك وقد تسقطهم على شخصيات حولك فما أكثرهم، ضباط ومن دعوا الله أن يولي من يقتل، إخوان ومن مد الخط منهم، من وجد نفسه لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ومن أراد أن يكون تافها لكن البلد لم تسعفه.
ما حاجتنا إلى التخييل حين يفي الواقع بالغرض ويفيض؟ أسوأ الكوابيس وأشنع الممارسات ليست خيالا فـ”لعل ما ترجوه ليس بكائن ولعل ما تخشاه سوف يكون”.
“قريبا من البهجة” رواية نوستالجيا الثورة نشرت في وقت صعب.. وقت الاختفاء القسري للأمل.. وقت تغلغل فيه الطغيان وتجذر. بانوراما واسعة للتناقضات البشرية، للتوحش والإنسانية، تستدعي كل التفاصيل الصغيرة التي ما إن تذكرها حتى تبتسم أو تتنهد أو تلمع عيناك وربما تنتحب. إن عشت أيامها بكل روحك فستقرأ وتغرق في البكاء لما يثيره المكتوب من ذكرى.
“السكوت علامة القمع” لكن وائل تكلم. وائل صحفي. اقترب من القطبين عبر الشخوص. هو نفسه لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ربما مال إلى بعضهم قبل أن يدرك أن في كل قطب من يريد الدنيا، “ولا أحد في قصر الرئاسة يريد الآخرة”.
شخصيات الرواية المتنوعة التي تفوق الثلاثين وعلى أساسها جاءت الفصول سرد بعضها يبدأ من الإعدادي والثانوي وحتى جامعة القاهرة. الشخصيات وذكرياتها قريبة من جيل الثمانينات الذي ينتمي إليه الكاتب. نرى مكتبات بين السرايات، مظاهرات الانتفاضة وقنابل الغاز، جمعية جيل المستقبل، ثم أخيرا صندوق تحيا مصر ومظاهرات تيران وصنافير. بينهما حكي كثير عن التحرير والاتحادية ورابعة.. يناير ويونيو ويوليو وأغسطس بأسماء الرؤوس جميعا دون ترميز؛ أبو إسماعيل وأبو الفتوح وحمدين وشفيق ومرسي والإخوان والسيسي.
التناص مع القرآن حاضر وبقوة. بعض الآيات (والأحاديث) وظفها الكاتب لتناسب شخصيات روايته منها مثلا: وآخرين لا تعلمونهم الضابط يعلمهم – ألم تعلم بأن الأمن يرى؟ – ليميز الله الضابط من الطيب – الضباط نيام فإذا خرج الناس للشوارع انتبهوا – لا تدري لعل الضابط يحدث بعد ذلك أمرا – من يتق الأمن يجعل له مخرجا – قل إن كنتم تحبون الدولة فاتبعون تحببكم الدولة – كل شخص يؤخذ من كلامه ويرد إلا الأجهزة الأمنية – قل إن الضابط الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم – الشباب يذهبون جفاء أما الضباط فيمكثون في الأرض.
تلك الجبهة التي إذا خاصمت قتلت.
قد توجعك بعض هذه المعاني أو ترى فيها تجاوزا ما، لكن التوظيف جاء نابعًا من تصور هذا الطرف عن نفسه وعن سلطته المطلقة. الطرف الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد.
الجبهة المضادة كان لها نصيبها أيضا من التناص مثل: إذا قبض على ابن آدم انقطع دخله إلا من أموال التنظيم – من تركوا اليقين لظن الجماعة – لا طاعة للخالق في معصية الإخوة – الله خلقنا أحرارا لكن البعض انضم للتنظيم.
وبين هؤلاء وهؤلاء نجد من يردد عن قناعة: بكرة المية يصيروا مليون والمليون هيدوسوا فرعون – كل الأيام سواء لأن كل الأيام أيامهم أما يوم جمعة الغضب فوحده المختلف لأن 28 يناير يومنا – ثم يأتي بعد ذلك عام فيه يعتقل الناس وفيه يقتلون.
نجد دعوات بسيطة مثل “متسيبناش لهم يا رب.. متسيبناش المرة دي والنبي يا رب” في وقت انتشر فيه الجنون “حتى أمسى القابض على عقله كالقابض على الجمر” لأن “عالمكم ممكن يحصل في الحقيقة ما دام لسه موجود في خيالكم.. ينتهي احتمال وجوده بأننا ننهيكم”.. لأن “الناس نوعان: بشر صالحون وضباط”.
هؤلاء الذين “تفاءلوا بالخير لكنهم لم يجدوه”.
وكيف للعصافير أن تقتلع ديناصورات؟!
العصافير التي “من أصيب منها بشظية شفي ومن أصيب بخيبة الأمل لم يُشف”.
أما من خرج من مصر للسبب الذي نعرف فربما ينعم بالأمان، لكن هل تغيب عن باله أبدا؟ “مفيش عيشة حلوة عندكم، لكن عمري كله كان عندكم”. “من ينتظر لا يحيا”.
تأخرت كثيرا في قراءة هذه الرواية. خمسة أعوام كاملة. خدعني الغلاف والنبذة فلم أربطهما بحكاية العمر.
يقول الغلاف الخلفي في بعض نصه:
“الكل حاول، فانظر ما حدث لهم، لذلك فالبهجة لا تغيب في الرواية، تقترب جدا من ملامستها، لكن الخبر الأهم أن الاقتراب وحده لا يكفي، فالاقتراب -ببساطة- يعني أنك لم تصل”.
فرحة الوصول متعة لا شك، حين ينتهي العرض بالشكل الذي خططت وتُسدل الستائر على المشهد الأخير كما رسمت، حين يبلغ المتسابق نهاية المضمار ويقطع شريط الفوز فتنطلق الصافرات وتُرفع الرايات وسط صياح وتبريكات. غمسة في الوصول تُنسي بؤس السعي وشدته.
الاقتراب ليس وصولا نعم لكنه يعني أنك بدأت. أنك بذلت. كم أقسمنا ألا نبرح حتى نبلغ فقُصمنا على الصراط؟!
لكن.. أليس للإنسان ما سعى؟ أليس سعيه سوف يرى؟ نكرر حتى نرضى.. ونقوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتبة وروائية مصرية 

مقالات من نفس القسم