رواية “بـاب رزق”.. دخول مُتقن في فضاء الواقعية الاجتماعية

باب رزق
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

فرج مجاهد عبد الوهاب

علي الرغم من وفرة الأعمال الإبداعية والدرامية، التي غاصت في قاع المدينة القاهرية، المسكون بالبؤس والفقر وتجولت في عشوائيات الحارات، وصورت مجتمع ناسها ورصدت واقعها الاجتماعي والمجتمعي، إلا أن تجربة الروائي الدكتور “عمار علي حسن” في روايته الواقعية النقدية التي غاصت في مجتمع حي من تلك الأحياء الشعبية “باب رزق” الصادرة عن دار نهضة مصر للنشر، القاهرة 2015م تحمل نكهة سردية تصويرية مختلفة، حيث تتداخل مستويات سردها بين مسارات الحياة الاجتماعية البائسة، والعلاقات الإنسانية المتنافرة بين سكان “تل العقارب” وهو حي من أحياء السيدة زينب، فتعايش مع أهله وطبيعة حياتهم ونمطية الأعمال التي يقومون فيها وجلها أعمال قائمة علي النصب والفهلوة والشحاذة والبلطجة ومقاسمة قوت الضعفاء والفقراء، فيدفع بطله “رفعت عبد الحليم” الطالب القادم من الريف ليكمل دراساته العليا في الماجستير والدكتوراه في الفلسفة التي أحبها رغم رفض كثيرين لها من أصدقائه ومعارفه ولتهكمهم علي دراسة الفلسفة “بعضهم كان يراني إنسانا مختلفاً، يصر علي أن يقول كلاما لا يُرجي منه نفع” ص40 .

وهذا ما جعله يُعاني من آفة تحقير العلوم الإنسانية التي أصابت المجتمع، ومن التقسيم الساذج للتعليم الجامعي إلي كليات قمة وكليات قاع، وحين درست الفلسفة شعرت بأنني استعدت القمة التي أزاحني المرض عنها، وصرت فوقهم جميعا. ص41

هذا الشاب المتحمس للفلسفة والطامح إلي الحصول علي الماجستير والدكتوراه يأخذه قدره إلي ذلك الحي المتواضع ليسكن في غرفة علي سطح عمارة يملكها عبد الشكور “غرفة تراقصها الريح علي سطح بيت متهالك من طابقين يقطنه هو وأولاده وزوجته وولدها، وكلهم لا يعينهم ما يشرد فيه طالب يدرس الفلسفة ويحلم بتغيير العالم، لكنه عاجز عن تغيير حتى بنطاله الجينز الذي بدأ يتفتح وينسل ولا يعرف من أين له أن يشتري غيره. ص6.

 وعبد الشكور الذي مازال يعيش علي ذكريات حب قديم أراد أن يبقي متواصلا من خلال تسمية ابنته الوحيدة باسمها سميرة، العيال ينادونه “عم خليل” ورواد المقهى، يقولون عنه “لا أهل له، وكما ترسوا الرمم العائمة في النهر، رسا هنا ذات يوم بالقرب من مسجد المواردي وضريحه ويجلس مع الطالب ويروي له بعض مشاهد من زمن فات ويحكي عن الشظايا التي سكنت جسده في حرب أكتوبر وحولته إلي مقعد ومن وقتها تعلم أن حلاوة الصوت تفرح الروح وروي كيف كان يبيت علي أرصفة المحطات ويسرد مغامراته العاطفية وكيف تزوج زوجة أخيه الذي قضي في حرب 67 ليربي ابنها وخلف منها عدة أولاد رماهم في الشوارع ليكسبوا رزقهم بأخس الوسائل والطرق.

سميرة تبيع الفل للعشاق علي كورنيش النيل.

أبو العوف محتال يتسول من لصوص كبار.

حسونة يبيع المناديل في شارع القصر العيني.

عزازي ركين سيارات بالقرب من جامع عمر مكرم.

عاطف ابن أخيه واحد من أولئك الذين يعملون في الملاهي والحدائق يرتدي (فرو دب أو أسد، أو جلدا سميكا لهيئة فيل أو زرافة) يداعب الأطفال ويلاطفهم فهو يحلم أن يكون ممثلاً مشهوراً يدفع عبد الشكور أولاده إلي بوابات الحياة كل واحد يسعي لرزقه حسب ما أوُهل له، ويعودون في المساء يرمون ما جلبوه في حضن والدهم عبد الشكور ويعطي لكل منهم حصته التي يستحق.

تنمو قصة حب غير مكتملة بين بائعة الفل سميرة والطالب الجامعي الذي لا يعرف كيف تعلق قلبه بها حتى أمست وجعه وبهجته، متاهته وملاذه في المدينة التي لا تريد أن تأخذه بين ذراعيها يسعي وراءها ليراها كيف تلاحق العشاق علي كورنيش النيل وما تتعرض له من مضايقات يجلسان وتفتح قلبها وتخرج أوجاعها وتضعها علي كفه. ص28

 ليبقي وجه سميرة مرسوما علي كل جدار وتمر الأيام وبدأت نقوده تنفذ مما جعله يشعر بأنه مضطر للحصول علي عمل حتى يبقي في القاهرة ولا يضطر للعودة إلي قريته التي يستعيد ذكرياته فيها، ويأخذه دخان النرجيلة إلي مدار الحلم ليجد نفسه جالسا علي مكتب يوازي جدارا يحمل لوحة زيتية تحوي رأسا مفصولا عن جسد وقطرات دم تنداح وتسيل حتى تكاد تلطخ البرواز الخشبي الأملس. ص50

نعم هي أحلام تأتيه في يقظة النهار وغفلة النوم ليلا تتحول إلي كوابيس تجثم علي صدره فيقصد دار الهلال بحثا له عن عمل فيها فيفشل ويقصد روز اليوسف فلا يسعفه الحظ.

يسأله عبد الشكور عن صوته وإن كان يُحسن الغناء فيدفعه لأن يلبس جبة وقفطاناً وطربوشاً أحمر وشالاً أبيض ويدفعه إلي حافلات النقل العام ينشد الأناشيد النبوية ويبيع بعض الأوراق المكتوب بها آية الكرسي ويتحول من طالب دراسات عليا إلي متسول ومما شجعه علي ذلك ما سمعه من أحد الأساتذة المحاضرين حول فلسفة التحايل “تحايلوا تعيشوا .. انه المبدأ الذي يعشش في رؤوس كثيرين من أهلنا لاسيما البسطاء منهم، الذين لا يعرفون كيف يستمرون علي قيد الحياة بهذه الدخول الشحيحة؟. ص82.

ويتآلف مع عمله الجديد الذي بدأ يؤديه بخفة ونشاط ويكتشف أن له غريما قوياً في حب سميرة “سعد البلطجي”،  شاب طويل القامة، مفتول العضلات يتطاير شعره مع النسيم وينسدل علي جبهته. ص85، ومما زاد قلقه أنه وجده مرة برفقة سميرة “كان يجلس إلي جانبها علي الكورنيش وأعرف انه حاز لقب سلطة لقلبه الميت. ص95

فسعد المتسلط الذي استفحل سره، انجذب إليه فتية من عدة أحياء سكنية مجاورة ولذلك كان يقف بينه وبين سميرة مع أن سميرة كانت تميل إليه حتى كان ذلك اليوم الذي وجد فيه سميرة تنشر ملابس الغسيل فيسألها عن سعد الذي تعترف بأنه لا شيء بينها وبينه وتعزز موقفه عندما تخبره بأن أباها عبد الشكور يحبه ويعزه ويبوح لها بحبه “وددت في هذه اللحظة لو جريت نحوها واحتضنتها بقوة كي تشعر بالنار التي تستعر داخلي. ص102

ويلتقي بواحد من بلطجية سعد ضربة سكين تقوده إلي المستشفى ويزوره سعد ويقول له: سيأتي صول من قسم شرطة السيدة ليأخذ أقواله وينصحه بأن يقول له ما يريد سعد أن يقول. ص109

كما تزوره سميرة وتعلن بأن ما جري له كان بسببها:

– أنا فداؤك يا سميرتي؟

– سميرتك؟

– وجليستي وأنيستي الآن.

– أحيانا يصعب علي فهم كلامك.

– أنا مستعد أن أتخلي عن الفلسفة من أجل عينيك.

– لا .. لا .. أتمني لك أن تكون أحسن واحد في الدنيا. ص115

يخرج من المستشفى مفلسا يذهب إلي دار الهلال ليسأل عن طلبه فينصحونه بالعمل في الأرشيف ويدخل علي الرجل المسئول فيطلب منه أن يكتب طلبا وسيساعده في أخذ الموافقة علي تعينه ويلتقي مع سميرة وتدخل غرفته وتشكو له مراقبة سعد لها، حاول أن يطمئنها وأنه سيتصدي لسعد السلطة في يوم ما.

ويحتضنها ويضغط علي جسدها وترك شفتاه تلثمان جيدها “ولما سمعت شهقاتها وأناتها اللطيفة اعتصرت شفتيها في نهم شديد، وكانت يدي تمسد شعرها الناعم، فلما انزلقت إلي عمودها الفقري ووصلت إلي عجيزتها فرت مني” ص128.

ويسمع امرأة تقول بعد انهمار شديد للمطر: سيقع البيت فارتدى ثيابه وخرج حتى يصل إلي عمق بئر السلم فيصله صوت توجع أنثى وفحيح ذكر يضغط عليها، ويجبرها علي ما لا تطيق.

– من ورا لا يا معلم سعد؟

– من قدام تحبلي ويحسبونك عليّ واحدة يا بنت الزاوية وتأكد أنه سعد سلطة. ص133.

ويأتيه حسونة مندفعا وراح يمسك كتبه ويطلب منه أن يخفيها لأن الشرطة تفتش الشقق المفروشة التي يسكنها الغرباء ويعرف أن سعد وشا به حتى يتخلص منه “حين حضرت الشرطة فهمنا أن سعد قد دس لك فجرت سميرة إليه ونادته من علي المقهى وقالت له إنك قريبنا وأن أمك أرضعتها وقت أن كانت صغيرة وأنك لا تحل لها. ص144

 عندئذٍ ارتاحت نفس سعد وهمس في أذن الضابط وانصرف.

وعندما عاد إلي غرفته لم يجد النقود التي كان دسها تحت الوسادة ويعود إلي عبد الشكور يشكو له فقال له:

 – لا تقلق عدة الشغل موجودة وتنتظرك.

– لن أفعل هذا مرة أخرى.

– كيف ستبقي هنا إلي جانب دراستك.

– سأعمل.

– وهذا عمل.

– لا هذا تسول.

– كل واحد يلتقط رزقه بما يعرف.

– وأنا أعرف طرقا لأكسب قوتي، مالك عندي هو أن أدفع لك أول كل شهر إيجار الغرفة. ص150

في الجامعة تقترب منه طالبة كانت تراقبه اسمها أسماء من طبقة غنية. ويعمل عند مقاول يرفع الرمل إلي الدور الرابع ويدخل مسجد السيدة زينب لأول مرة ورأي المتسولين كيف يتزاحمون علي بابه “توقفت أمام حلقات موزعة في أرجاء المكان فيجلس وتناول الطعام معهم يعود إلي عمله في نقل الرمل ويضطر إلي تركه عندما شاهد مصادفة “شديد الدقش” واقفا في مواجهة المعلم فرج يتبادلان النكات ويضحكان من دون أن نعرف شيئا عن هذه الشخصية؟ في مبني الجامعة يقرأ نبأ وفاة الأستاذ الذي كان قد حدثهم عن فلسفة التحايل علي الرزق والعزاء في مسجد الحامدية الشاذلية بحي المهندسين. ص162

 يذهب إلي المسجد مؤديا واجب العزاء وعندما خرج شاهد الشحاذ النظيف يستجدي الخارجين من مجلس العزاء فيراقبه حتى خرج آخر المعزين فاقترب منه وأوهمه أنه من رجال الشرطة الذين يكافحون الشحاذة وهدده بعد أن أخذ منه بعض المال علي سبيل الرشوة وأن عليه ألا يعود إلي هذا المكان وفي اليوم التالي وبعد أن تأكد من عدم وجود ذلك الشحاذ وقف مكانه وراح يستجدي المعزين ويخبره عبد الشكور بأنه منع سميرة من بيع الورد ،كبرت والعيون لا ترفع عنها، ويسأله:

– هل ستزوجها للمجرم الذي طلبها.

– لن يلمس ذيل ثوبها.

 -زوجني سميرة.

– ربنا يسهل. ص190.

يعود من أمام مسجد الحامدية الشاذلية منتشياً بدفء جيوبه ويتناول عشاء دسما، وتزداد أسماء قربا منه رغم التفاوت الطبقي بينهما هو المتعلم الجامعي يحب سميرة بنت عبد الشكور البلطجي غير المتعلم وأسماء الغنية الارستقراطية تحبه وهو الشحاذ الذي بالكاد يملك قوت يومه.

ويستوقفه يوما أبو عوف وهو عائد من المسجد ويخبره بأن سعد سلطة يحبه ومبسوط منه، أمسك كتفه وسأله:

– أتعطي وزنا لواحد كان صبيا عند أبيك؟

– أنت رجل طيب الحكومة تأخذ من سعد ثمن سكوتها عما يفعله.

– رجال شرطة يبلطجون، وبلطجية يحكمون … ويفاجئه بأن سعد أرسله وسيطا ليخطب منه سميرة باعتباره أخا لها في الرضاعة. ص206.

وتدعوه أسماء لتناول فنجان شاي وعرف منها أنها تسكن في المهندسين وشعر بعمق المسافة الطويلة بينهما فهي مشغولة بالذهب، ويعود إلي الحي ليجد غلاما يخبره بأن سعد يطلبه وقد علم بأكذوبة الأخ لسميرة ويهدده بأن عليه أن يترك البيت والحي ويرى كيف بدأت الدولة تضع أكشاكا لبيع الكتب، ويطلب منه عبد الشكور أيضا أن يمشي من البيت ويعلم أنه فعل ذلك بضغط من سميرة التي قابلها في غرفته ويخبرها بقرار أبيها ووعدته بإقناع والدها بالتخلي عن طلبه وراحت تقبله، وتعده أسماء بأن تدبر له عملا في إحدي شركات أبيها وراح يبحث عن سكن في حي بين السرايات ويعود إلي مهنة الشحاذة ليكتشف أن المتوفى قريب علا صديقة أسماء، فراح يجري حتى كادت أنفاسه أن تقطع.

 ويقتل سعد يعود إلي غرفته ويسمع من إحدي النساء أن سعد فض بكارة سميرة حتى تأتي المفاجأة، فتح عينيه ليجد نفسه علي السرير في حضن سميرة، قام مفزوعا وسأل.

– ما الذي جري.

– فعلت ما حاولت أن أمنعك عنه لكنك كنت عازما عليه.

– وما هو؟

– أن يقع بيننا ما لا ينبغي إلا بين زوج وزوجته، وصرخت ماذا أقول لأهلي؟

 سرعان ما دخلوا عليه وبعد أربع ساعات عقدوا قرانه علي سميرة وما إن انتهي الأسبوع من زواجه حتى جاءه أبو العوف يطلبه لوالده الذي ما إن التقي به حتى “وجد يد عبد الشكور تمتد نحوه ضحك وقال: اسع علي رزقك.

لقد استطاع المبدع من هذه الحكاية أن ينسج خيوط رواية اجتماعية ناقدة، كاشفة ومحذرة من عالم غريب يتوارى في حي عشوائي ناسه يسعون في طلب أرزاقهم بالنصب والتحايل والشحاذة لتتوالد بين جينات تل العقارب قصة حب غير متكافئة، ويحتدم صراع دام ضد سارقي القوت والفاسدين في أجهزة الشرطة علي أن تلك الملامح السوداوية القاتمة والعوز والبطالة إلي عالم لا تبتعد عنه النعمة والراحة.

في الوقت الذي لا ينسي فيه الحديث عن تلك الأمكنة التاريخية كوصف القنطرة التي تصل البر الشرقي للخليج ونشأة المهراني وقد أنشأ هذه القنطرة الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 1240م

 كما يروي كيف أنشأ السلطان الناصر قلاوون الميدان الذي غرست فيه الأشجار وكان النيل يرسو عليه في هدوء وكان السلطان يمشي فيه كل سبت راكبا حصانه في موكب مهيب. ص194.

لتكتمل أطر رواية غاصت في قاع المدينة وكشفت عن سوءاتها ومساوئها وكيف كان سكانها يتحايلون علي الناس من أجل الحصول علي ما يسد رمقهم حتى وإن كان واحدا من طلاب الدراسات العليا لأنها الحياة التي لم يكن مجابهتها إلا بالتحايل الذي أصبح فناً يُدرس في الجامعة.

باب رزق رواية اجتماعية، ناقدة، كاشفة، محذرة، وداعية إلي الإصلاح الاجتماعي والمجتمعي جديرة بالقراءة والاستفادة من دروسها وتوجهها الفني الإبداعي والنقدي الاجتماعي والمجتمعي علي حد سواء.

 

 

مقالات من نفس القسم