روائح غير متوقعة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة: عبدا لله المتقي

-1-

هنا في محطة القطار ...

عربات ، وجوه ، وفي يد السيد باريس باقة ورد يبدو أنها لم تتعب من الانتظار ( المطار أنيق كما عيد الميلاد ، والسيد باريس ينتظر هيلينا على جسر الشوق)

أخيرا يفتح باب الخروج ذراعيه ، يتعانقان بلهفة (هيلينا بعطر كالجنة

يتسلل إلى أنفه، وأثينا ضمها إلى صدره كي تشم عرقها الأسطوري  ) ، هيلينا في معطف أزرق كالسماء، و باريس نحيفا  في جاكيتة سوداء ، وعلى رأسه قبعة يونانية  حالكة .

 

في مقهى المطار مندهشة كانت هيلينا ، تمسح اللقاء بعينين بحريتين ومدهشتين ،  تفتح حقيبتها ، تخرج آلة تصوير صغيرة ، تفرج باريس على صور ضباب أزرق ، التقطته من نافذة الطائرة ، و لا تستطيع أن تكتم ابتسامتها الطفولية ( كان أنف هيلينا باردا لأن أثينا   تحت الصفر ، وكان باريس يتوقع كل هذا الذي يحدث بتفاصيله  )

هبطا في السلم الكهربائي كي يركبا القطار ..( هيلينا تتشبث بباقة الورد كمن يقبض على شيء يخاف أن يضيع منه )

باريس: سعيد جدا أنا يا هيلينا

هيلينا : أحيانا نحتاج إلى مواعيد غير محسوبة

وضحكا كما مزعوطين في مسلسل تركي …

 

2-

 

لم تمطر اليوم ولن تمطر غدا …

لقد تغير الطقس في أثينا كما حدث في اليونان أجمع ، وهاهي هيلينا ترتب في حقيبتها البنية ، علب شوكولاه ، بيجامتها الوردية ، ملابسها الداخلية ، وتعلق معطفها الأزرق على مشجب أبيض كانت تحته مزهرية بيضاء ، كل شيء أبيض في شقة هيلينا ، المخدات ، السرير ، الموائد ، المسبحة ، السجادة والكراسي ( باريس بسببه تحسست هيلينا جسدها الذي كاد يموت واقفا ، بسببه تتحرك هيلينا الآن كما الفراشة كي تستنشقه وستنثره  هناك في اسبرطة  )

الحب هو ما تحتاجه هيلينا في اسبرطة ، الحب الذي لم تتخيله أنه سيتم بهذه السرعة ، فقط ترفع حاجبيها  ، ولا تدرك سبب هذا الارتباك ،  تنسحب إلى غرفة نومها البيضاء أو ربما إلى النافذة كي تتفقد الطقس ( الطقس في أوروبا رديء هذه الأيام وألغيت كثير  من الرحلات الجوية ).

في باب مطار أثينا، عازف كمان أعمى بلحية أنيقة كما أرسطو لم تفرح ألحانه هيلينا ،فقط نظرت إليه بعينين مدورتين ، مليئتين بالخيبة .

و.. في الطائرة كانت هيلينا منهمكة في التقاط صور لسحاب أثينا الأزرق ، ( الأزرق يحتل باريس حتى آخر مسام  في جسده )

 

-3-

 

في محطة القطار، ليس سوى هيلينا وباريس، وبرد بداية فبراير.. ( هيلينا دافئة في معطفها الأزرق، وباريس يرتعش بردا  ) ، ثم  توقف القطار السريع .

القطار يلتهم المسافات بجوع  ،  القطار مكتظ بالحقائب والمسافرين ،  ( باريس يتأمل ما وراء زجاج النافذة ، مثلا ،  الأشجار ، السماء ، مساكن مبعثرة في الخلاء ،  هيلينا منغمسة في ديوان قصائد بروكسيل لشاعر يوناني  ، وأحيانا تستلقي على كتف باريز وتخلل أصابعه الطويلة .

– أصابعك ، كما أصابع لوليتا

– أعرف أنك حمقى على روايات واسيني

( ابتسمت هيلينا بصفاء مدهش ، أغمض باريس عينيه المتعبتين وكان القطار يشق الغروب في خط مستقيم )

لم تسحب هيلينا يدها من يد باريس ، وكأن أصابعها عادت لأصابعه كما في أسطورة الخنثى ، تأكد فقط من أن ليديها  لغة من مجاز ، لا يفك شفرتها غيره .

( باريس يعشق الأصابع والمرايا ، كاد يقول لها وهي تعيد مرآتها إلى حقيبتها ، مرآتك مصقولة كما جسدك يا هيلينا ، وأصابعك ناعمة وحافلة بالأحلام كما أصابع عازفة بيانو وليس بالضرورة لوليتا ، ويبتسمان  )

باريس يتأمل الغروب، هيلينا تلاعب بعينيها طفلا وسيما يقف في الممر، و..توقف القطار السريع، هبط باريس، وتأخرت هيلينا، عادت كي تداعب الطفل وتقبله بسرعة، وعاد القطار لسرعته المستقيمة.

 

-4-

 

قبل موعد القطار ، احتضنت هيلينا باريس  بشدة  ، رسمت شفتيها بالبني  على جبينه وهمست بغنج: ” كم أنت متعب ومدهش  يا باريس “

ضحك باريس و تأملها ، كانت كما الجبن، كل شيء أبيض، ساحر،  طري ولذيذ: شفتاها، أصابعها، عيناها، لسانها، عنقها، قدماها، كل شيء مشتعل وحارق فيها هذه الأنثى الأسطورية .

في المحطة الأولى يوجد باريس وهيلينا في مقصورة دافئة ولا يشاركهما أحد ، سوى رجل متقاعد يستمع لأغاني كلاسيكية ( يسكت صوت مذياعه الصغير فجأة ، فيقطب حاجبيه ، ويتحدث لهيلينا وباريس  عن موسيقى زمان)

في المحطة الثانية اكتظاظ، حقائب مكدسة، عرق، مساء، طفل يتأمل هيلينا وتتأمله، ثم برد وليل دامس في المحطة الثالثة.

هلينا تحمل حقيبتها ، تتأبط ذراع باريس ، و.. يتحركان نحو فيلا صغيرة كما بورجوازيين صغيرين .

(ذات ليلة باردة ودامسة ، كان هناك بهذه الفيلا الصغيرة  رجل وامرأة ، الرجل اسمه باريس وبشارب كث ، المرأة اسمها هيلينا  بشعر أسود ناعم طويل ، معا استمعا ل”عصفور طل من الشباك ” ، معا مشيا في وعورة عوالمهما ، معا سهرا الليل ، معا قشرا أحلامهما ،  معا تسلقا سلم الروح ، معا دفنا رأسهما، ومعا امتلكا شعلة النار من عنقها )

 

 

– 5-

 

مطعم سانتوريني دافئ …

النادل أنيق وبقفازتين …

موائد وكراسي بلون العلم اليوناني …

برد شرس في الخارج …

شوكة هيلينا في فم باريس …

ملعقة باريس في فم هيلينا ..

 

( هيلينا تحس بباريس ، باريس يشعر بهيلينا ، وكم من العمر أمضيا في الياهو والفايسبوك ، كي تعود إلى نصفها الأيمن ، وكي يعود إلى نصفه الأيسر ضدا على الآلهة )

 

 

-6-

 

يبعث الليل والجسد والحبر من جديد في أحلام هيلينا وباريس …

و… طلع الفجر …

على مائدة الفطور ، هيلينا ترتدي منامتها الزرقاء ، وتحكي لباريس حلمها( رأت نفسها من نافذة الحلم في مكتبة شهرزاد تقرأ كتابا عن تاريخ الغجر )

 

-7-

 

في نفس المطار عربات ، وجوه ، وفي يد السيد باريس حقيبة تتدحرج  ( المطار كئيب وشرطي يتثاءب)

هيلينا يبتلعها باب الدخول ( كان معطفها رمادي ، وكان باريس يعاند دمعتين )

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق