رقصة تانجو

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

أحمد عبد المنعم رمضان 

-1-

  فى بلد ما , غير الأرجنتين , تقابل رجل و إمرأة , تبادلا نظرات تحمل بعض المعانى للحظات . قبلها قبلة خاطفة , لم تكد تتلامس فيها الشفتان . كان المكان خاويا إلا من بعض الأعمدة و الأسوار و الصور أو اللوحات المعلقة على الجدران ناصعة البياض , شديدة النظافة . لم يوجد بالمكان أى أثاث أو كراسى أو أدوات كهربائية ( إلا هذا التكييف المعلق بأعلى الحائط )  . لم يوجد بالمكان سوى كرسى واحد بأحد أركان الغرفة , لونه أبيض ككل شئ بهذا المكان , يجلس فوقه جهاز كاسيت يبدو شديد التقدم و التعقيد.

  تركها و جرى سريعا نحو الكرسى , عبث بأزرار الكاسيت قليلا حتى خرجت منه موسيقى راقصة برائحة لاتينية طازجة . تقدم نحوها ببطء مثير و ابتسامته تزين وجهه , فردت له الابتسامة بأخرى أكثر نضارة . مد يده إليها , فبادلت تقدمه تقدما بخطوات حثيثة متناسبة مع الرتم الموسيقى الهادئ . التقت أيديهما , يده بخشونتها المعهودة و يدها بنعومتها البكر , جذبها نحوه بقوة ذكورية مفتعلة فارتمت داخل صدره. ابتعدت عنه أقل من خطوة و بدآ فى التراقص معا على انغام الموسيقى المنبعثة من بيونس أيريس نفسها . تناجت عيونهم أثناء رقصهما الصامت الهادئ , و ماهى إلا ثوان و تبدلت الموسيقى و أصبحت صاخبة كمشاعرهما المشتعلة... و استمر رقصهما و لكن برتم أسرع و حركات متتالية متداخلة , تبادلت أرجلهما مواقعهم كثيرا و احتضنت السيقان بعضها البعض .

وقف الراقص و أمسك يدها عاليا و تحسس ذراعها الأملس و أدارها فى لفة كاملة و جسده النحيف يحاوطها. و غالبا ما تكون نهاية الرقصة هكذا , أن تلقى جسمها على يده الممتدة بجواره فيتلقفها و يحتضن خصرها اللين إلا أنها أندمجت مع الموسيقى , أغمضت عينيها و ألقت بجسدها على يده كى يتلقفها , و لكنه لم يتلقفها . سقطت على الأرض . ماتت .

انتهت الرقصة.

-2-

المحكمة مكتظة بالبشر بأشكالهم و ألوانهم المتباينة , جميعهم لا يسمعون التانجو , جميعهم ليسوا بلاتينيين . لا يوجد بينهم أرجنتينيون و لا حتى المحتلون الأسبان, لا يوجد بينهم من يرتدى أو يرفع علما ملونا بالأبيض و السماوى , لا يوجد بينهم إستور بياتزولا أو بورجوس أو مارادونا .

كان الرجل يقف خلف أسوار المحكمة الحديدية يتصبب عرقا , فالجو كان خانقا و رائحة العرق تعبئ المكان . البعض هنا لم يستحم منذ شهور , تستطيع أن تحدد آخر مرة تحمم فيها المرء من رائحته . دخل القاضى إلى القاعة  , فقام الجلوس و سكت المتكلمون . لم يكن بأفضل حال منهم, رائحته نتنة هو الآخر , رأسه خالية من الشعر , تلمع من أثر غطائها العرقى , قامته معوجة و كرشه منتفخ كالبالون , يراودك شعور أنه قد ينفجر بمجرد شكة إبرة. كان واضحا من ملامحه و من تكوينه أنه لم يرقص التانجو أبدا , و كان يبدو من نظراته و تعبيرات وجهه أنه يمل تلك القضية التى اهتمت بها الصحافة و الإعلام و انتشرت بالبلاد كالنار بالهشيم . فراقص التانجو الذى تخلص من محبوبته أثناء رقصتهما الليلية الحميمة, كان هو محور الأحاديث بالمقاهى و الكافتيريات … الألسنة تبحث دائما عما يشغل فراغها.

  الحياة لا تخلو أبدا من القتلة  , و القتل ذاته أصبح فعلا عاديا فى العصور الحديثة , لا يفاجئ إلا الساذجين . أصبح اللافت فى أى جريمة قتل هو طريقة تنفيذها و مدى إبداعها و إتقانها … فالإبداع يعطى الجريمة طعما آخر .

-لماذا قتلتها ؟؟؟ هكذا نطق القاضى بعدما نشف عرقه المتصبب .

-أنا لم أقتلها يا سيدى , لقد سقطت فماتت .

-بل لقد ألقت بنفسها بين ذراعيك و لم تتلقفها .

-و هل تلك جريمتى ؟؟ هل هو خطأى ؟؟ أنا لم أطلب منها ذلك و لم أعدها أن اتلقفها , و حتى لو فعلت فهل هنالك من قانون يعاقب على القتل عن طريق عدم التلقف ؟؟ لو ألقيت باتجاه سيادتك الآن زجاجة و لم تتلقفها فسقطت و تكسرت , هل تصبح أنت كاسرها أم أنا ؟؟؟

-و لكن لابد من سبب لعدم تلقفك إياها !!

-لم تكن تجيد التانجو.

-أتعنى أنها لم تلق جسدها بالشكل الصحيح فسقطت رغما عنك ؟؟

-ليس بالضبط .

-وضح , و لا تطيل على المحكمة.

-التانجو ليس مجرد رقصة , فهو درب من دروب الحياة , مثل أى علاقة تجمع بين اثنين بتلك الحياة , أو مثل الحياة نفسها… هناك طرفان , لا يتلقف أحدهما الآخر إلا إذا أراد , و لا يلقى أحدهما بنفسه بين أحضان الآخر إلا إذا تأكد و أطمأن من أنه متلقفه , و أنا شعرت بتلك اللحظة أننى لا أريد أن أتلقفها . لم أردها أن تموت و لكنى لم أردها بين ذراعى أيضا , لم أردها جزءا من ملكوتى فسقطت , و ماتت .

-أنا لا أفهم شيئا مما تقول .

-لأنك لا تجيد التانجو .

-3-

 نفس الحجرة الأولى , بنفس بياضها و نظافتها , لم تلوثها الدماء . نفس اللوحات و الصور تغطى الجدران , و نفس الكرسى و الكاسيت , الشئ الوحيد المتغير بالمشهد هو الفتاة … لقد ماتت الفتاة الأولى , أما الآن فهناك فتاة أخرى , شقراء, بالطبع ليست لاتينيه , عيونها الزرقاء و شعرها الذهبى ينطقون بذلك.

-إنها رقصتى الأولى , قالت له.

استمتعى بها , أجابها باقتضاب .

-هل ستعلمنى التانجو كما يجب أن يكون ؟؟

-إنه أمر يتعلق بقدرتك أن تعيشى الرقصة و تحييها .

-و لكنى لن ألقى بنفسى على ذراعك.

-لماذا ؟؟

-أخشى ألا تتلقفنى كما فعلت سابقا … لقد علمت عن فعلتك التى أفلت منها … هل صحيح أنك قتلتها ؟؟؟

-كلا , لم أفعل .

-هل كنت تكرهها ؟؟؟

-بالعكس تماما .

-لن ألقى بنفسى على أية حال .

-و لكن الرقصة لا تكتمل إلا بإلقائك جسدك على ذراعى , و لا تستقيم دون تلك النهاية .

-و كيف لى أن أعلم أنك لن تتركنى , لن أخاطر بعمرى.

-يجب أن تفعلى , المخاطرة جزء من الرقصة.

-هل تعدنى أن تتلقفنى ؟؟ لو وعدتنى , سأصدقك .

-لا أستطيع أن أعدك , فأنا شخصيا لا أعرف , هذا شعور لحظى , يتولد أثناء امتزاجنا فى الرقصة , إما أن أشعر أننى أريدك على ذراعى أو لا . تلك هى قواعد اللعبة , أو الرقصة , المخاطرة , الثقة بالآخر , الإحساس بالموسيقى , و الموت أحيانا … كلها أشياء يجب أن تحسيها أثناء رقصتك , مستعدة للرقص ؟؟؟

  ترددت الفتاة و نظرت إلى عينيه لعلهما تبوحان لها بشئ ما , بشئ مما يضمر داخله , و لكنها لم تعطها أى إجابة على أسئلتها المتناثرة . إلأا أن إغواء ما دفعها أن تذهب سريعا و تدير الكاسيت لتبدأ الموسيقى فى الانبعاث بين أرجاء الحياة و تبدأ الرقصة , دون أن تعرف لها نهاية محددة , دون أن تعرف أى شئ سوى أنها ستستمتع بتلك الرقصة , ستستمتع بها حتى أخرها , ستستمتع سواء سقطت أو لم تسقط. 

ـ 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق