رفيقان

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

رزان محمود

نوجد فجأة معًا، مهجورٌ ومهجورة، ونقرر أن نشبّك أيدينا معًا، ونمشي في الطريق. حولنا، يتكاثر آنيًا كائنات ترتدي الأسود، وتقف على أرجلها الخلفية، وتحترف المسكنة والضرب. في أيديهم فيولينات، وتشيلو، وأحدهم يقف في المقدمة بكونترباص كبير. جميعهم يبتسمون، بأوجههم التي لطخها الدخان والعرق والدموع ومحاليل الحموضة. ما كان هذا الذي قاله شادي لي في أول الزحف، عن محاليل الحموضة؟

نمشي. تعبر فوقنا وعن يميننا وشمالنا كائنات صغيرة سوداء، رمادية، نحاسية، تصدر هسيسًا لا يناسب اللوحة. يقف الزمن، يدور الكادر حولنا، وتبدو ذرّات الغبار فزعة وهي تتطاير مبتعدة عن طريق الكائنات صاحبة الهسيس، ونحن مبتسمين. ملابسنا ملوّنة، نرتدي أوشحة من الصوف غزلتها أنا، بنفسجية وحمراء ووردية وخضراء وصفراء، أغطية للرأس من الصوف المنفوش، تنورة قصيرة خضراء أسفلها سروال أزرق فاتح، وكوتشي أبيض بوردات دقيقة حمراء.

يعود الكادر لحركته الطبيعية، وتبدو السماء مليئة بألف نجم ونجمٍ، بينما تنحني يا صديقي نحوي لتهمس بجمال عينيّ، وتغنيّ.

نتجاوز وردات بلدية وأقحوانات وليليام وكرازنتم، قررن فجأة أن ينبتن بين مفاصل الأسفلت. تبدو ألوانهن محاطة بهالة من الثلج النقي، ينعقد فوقها لينهمر، إذا ما طالها سناج أو سخام.

نصل في سيرنا إلى “طبلية”، نتشارك عليها صنع الخبز مع أمهات ممتلئات يغطين شعورهن بأوشحة بيضاء، وتأليف كلامٍ مقفّى سيغنونه لاحقًا. نعبر مهاجرًا يحمل على ظهره حقيبة وحيدة، هافان جملي من الجلد الممتاز، ويفترش الطريق لينام بنصف عين، وعينه الأخرى تراقب تحوّلات الكائنات الصغيرة المسافرة في الجو، ليعرف أين ستسقط. نمد أيدينا نحو القمر المستلقي على وسادته، لنسحب الغطاء عليه، بينما تصرّح لي بحبك.

نشبك أيدينا ونرقص، هذه المرة. تنمحي الأصوات المتكررة العاوية، نتلقى كريّات معدنية صغيرة في بطنينا فننثني قليلاً، ثم نعود لنقف، نتمايل معًا في النسيم الهادئ، المحمّل بالدخان والشياط، ونلف، نتفادى مطبات، وآلهة إغريقية تطلب القربان، وتنانين نهرية تثور فوق الكوبري وتنهمر ماءً زلالاً حلالاً للشاربين، نقفز لتعبر أسفلنا كتلة من المعدن الشائه، نصل لصحراء قريبة، حيث القوافل تحيي مقدمنا بكؤوس ماء ولبن بزنجبيل، وثلة من الفقراء مرتديي المعاطف والقفازات تتلقف الخبز المنهمر من السماء، وتبتسم في وجوهنا.

لا يأتي الليل، لا نتعب، لا نغترب، لا نشعر بفراغ بعد امتلاء، لا نكف عن الابتسام، يصبح معرض الكتاب على يميننا، وعلى يسارنا مقهى صوفي، نعيد تشكيل العالم، ونحضن المهجورين، أصحاب الفجوات ملتهبة الحواف.

ـــــــــــــــــــــ

*الشكر موصول لمحمود درويش ومحمود عزّت، القصة مستوحاة من بعض قصائدهما.

 

 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق