رضيت من الغنيمة بالإياب

سماء
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

سماء زيدان 

كنت أبيت في بيت صديقتي..بيت على البحر، أرى الموج من النافذة، الريح تعبث بالستائر، سكون لا يقطعه الا هدير الموج يقترب كسرب خيول بيضاء، عفية فتية نابضة بالحياة، أكاد أطير معها، اقتربت كثيرا حتى كدت أبصر عددها ثم في لحظة تلاشى كل شئ، واختفي السرب الهادر ابتلعه الشاطئ وذاب في رغوة بيضاء، انتظر الموجة القادمة بنفس اللهفة والاحتراق،..تقول صديقتي إن الرمال مأمورة، تسير على الشاطئ وحدها كالموج، سابحة مثل النجوم، محظوظة ذرات الرمال تأتلف قلوبها، السحاب يسير في السماء فكيف يجتمع المسير ويتناغم الكون رغم اختلاف الوجهة؟!..

في بلاد بعيدة سافرت للسياحة جلست فوق حقيبتي انتظر القطار، الانتظار مدرج في زمن الرحلة، كان القطار يسير بنا وكنا نجلس متلاصقين متراصين متعرقين كل منا يحمل في دمه ألمه وذكرياته، هزائمه وانتصاراته،..تختلف القلوب ولا تختلف النوايا، كلنا ذاهب للمدينة. ركبت الطائرة يجلس إلى جواري كهل سبعيني نائم طوال الرحلة، همست له متعة اجتياز الرحلة أكبر من فرحة الوصول، لم يسمعني..!

تطير رمال الشاطئ من البحر، تغترب في سفرها، تحط رحالها قرب أقدامنا، تقول صديقتي فرقتها الرياح.. الآن كيف تعرف نفسها؟!

قفزت فوق طاولتنا قطة أنهت تساؤلاتنا، أغرتها قطعة سمك متبقية في الطبق فأنقضت عليها، هل تهتم السمكة بعدد الأفواه التي التهمتها، أو بمن يجوب البحار بحثا عن اللؤلؤ فيسحقها ويرمي بها على الشاطئ..

قالت صديقتي ونحن نلهو بالرمال: لنغير مسارها ربما يختلط عليها الأمر، فتصبح مثل سرب حمام وقع في الأسر..قلت إنها تسير ولو كانت أسيرة.. الرحلة خطة محكمة، بحر هادر ..قطار يمضي ..شمس تغيب..إن ركبت البحر صرت بحرا، وإن كنت في القطار أنت القطار، وان كنت فوق الشاطئ أنت الرمال، او في السماء كنت السحاب، أنت ما تريد الرحلة لك أن تكون..

تقول صديقتي لماذا يضيع الحب ولماذا تنكسر القلوب؟.لماذا تنكسر خواطرنا جميعا ولا أحد ينتصر..قلت هكذا هي الحياة.

يقتحمنا الغروب، تنطفئ الشمس في البحر فيهدأ، نمضي لبيت صديقتي صامتتين، انطفأت الشمس في دماءنا مثله، حتى الرمال استسلمت أنهكها طول المسير فتعلقت بأقدامنا، قلت لصديقتي نغتسل هنا لنتركها على الشاطئ لصباح جديد ..

يقول محمود درويش

” أُريد أن أبكي/

يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المحطَّةِ..

وابْكِ وحدك ما استطعتَ..

يقولُ السائقُ العصبيُّ: ها نحن

اقتربنا من محطتنا الأخيرة، فاستعدوا

للنزول…/

فيصرخون: نريدُ ما بَعْدَ المحطَّةِ،

فانطلق!

أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا. أنا

مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبتُ

من السِّفَرْ.”

الرجل جواري في الطائرة يستيقظ قبل الوصول، تأمل وجهي المتغضن بالذكريات، قدم لي التحية واعتذر، قلت لاعليك كلنا متعبون، قال: كتبت اسمي على الحائط ثم على كف يدي، أنا أنسى الأماكن وكل شئ، ولا أنسى الألم، الجرح يتحرك معي مسافر في دمي ينمو بداخلي، أكاد أقسم أنني أتيت هنا قبل ذلك والتقيتك قبل هذا اليوم، ربما هو ذات الجرح يجمعنا فقط، بل وسمعت هذا الصوت الآتي من بعيد يغني ..

“علمني كيف تموت الدمعة في الأحداق/

علمني كيف يموت الحب وتنتحر الأشواق”

قال من هذا الرجل، يقولون شاعر عظيم، كيف يكتب مثل هذا الكلام شاعر! وماذا يتبقى لي بعد أن تموت الدمعة قبل أن تسقط، ويختنق الشوق قبل أن ينبض به قلبي العجوز..ماذا يتبقى لي؟

قلت وبماذا تفيدني الذكريات؟ الغضب الهادر والآمال المفقودة والخوف الذى لا ينقطع!.قال: هي الحياة.. فرحة او فرحتين بينهما كثير خوف وهزيمة ثم أنشدني شعرا “وقد طوّفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب” قالها ثم عاود النوم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتبة وروائية مصرية 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق