رســائـل ..

موقع الكتابة الثقافي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

أميرة محمود

مرحبًا، منذ أن أصبحت صباحاتي خالية من صوتك، حاولت التفتيش عن حيلة يمكنني معها رَتَق ذلك الفراغ المهيب.

كانت وسيلتي الوحيدة هي التفكير بأغنية واحدة قبل أن أغفو، استمع إليها فور استيقاظي. هكذا أصبح كل يوم له أغنيته الخاصة؛ كانت أغنية اليوم أحدى أغاني فيروز كما هو الحال في أغلب الأيام، لكن كلام الأغنية بدلاً من أن يقوم برَتَق ذلك الفراغ فَتَقه!
"
تذكر شو كنت تقلي، مهما يصير، انتظريني وضلك صليّ"
حسنًا أنا أنتظرك، وأكتب لك، وأصليّ لك؛ أفعل كل هذه الأشياء. "مهما يصير"؟ ورغم أن ذلك الذي "يصير" هو الموت لكنني لازلت أنتظرك، لازلت أعتقد أنك ستأتي أو أنني سأذهب إليك. ليس بيقين كامل ولكن بأمل، كأمنياتي الكثيرة التي أعلم أنها لن تتحقق لكنني أُطعمها وأعتني بها وأجلب لها أخوات أخريات؛ لن تتحقق أعلم. لكنها ستكون أحدى تلك الأشياء التي سأضيفها إلى قائمة أسباب سُخطي على العالم.
"
من يومها شو عاد صار، على مدى كذا نهار، ما صار شي كتير، كل اللي صار وبعده بيصير"
ما صار ش
يء كثير، ولا حتى أقل القليل؛ تلك الرتابة التي بقدر ما تُريحني أحيانًا تقتلني.
الأيام التي تأتي خلف الأخرى في دورة أبدية، لا شيء سوى بعض كُتبيّ، وبعض نصوصي، والعديد من أكواب الشاي.
لكنني أحاول أن أبحث عن شيء يستحق أن أرويه لك، أجتهد في البحث لكنني لا أجد ما يستحق أن يُروى أو بالأحرى ما يجب أن يُروى ويجعلك سعيدًا لأجلي؛ سأخبئ تلك المآسي التي تخللت رتابتي المقدسة وأخبرك عن أشياء أخرى بدلاً منها.
سأدفن كل ذلك؛ الرتابة، المآسي، والألم. وسأختلق قصصًا تبدو أكثر سعادة، فأنا لست بارعة في شيء كما الحكيّ.
عن كل تلك الأشياء التي تمنيت أن أقوم بها وفعلت، عن حماستي تجاه تلك الحياة التي أود انتزاعها عن آخرها وعن كل ما تقدمه ليّ فيشعل حماستي أكثر، عن ذلك الذي أحب ويُشبهك كثيرًا وعن رغبتي القاتلة في أن أراكما تجلسان معًا جنبًا إلى جنب تتحدثان؛ تحاول أنت أن تقنعه بآراءك في الحياة ويستمر هو في تحريك رأسه ناظرًا إلى أسفل باقتناع، ثم يخبرني خلسة أنه كان فقط يريد أن ينجو.
أنت تعلم أنني أكذب، أليس كذلك؟ أنت تراني من علِ وتعلم أن شيئًا من ذلك لم ولن يحدث. تعلم أنني لم أفعل شيئًا ولن أفعل، ولا أنتظر شيئًا من تلك الحياة ولن أنتظر، وأن ذلك الذي لا تعرفه لا يُشبهك ولن يُكتب لذلك اللقاء المُتخيل أن يتحقق يومًا إلا بدعوة من الموت ذاته.
"
تذكر أد إيه قلتلي، ها العمر إنه قصير"
قصير للغاية، حد أنه لم يستطع الانتظار أمام ترددي؛ ترددي في تقبيل قدمك المريضة.
تُقبّل رأسي، أُقبّل يدك، ورغم أنني أعلم أنها ليست موضع الألم أتجاهل ذلك. أودّ أن أُقّبل قدمك، أن أقُبّل تلك البقعة المصابة كي أخُبرك أنها لا تقززني، لا تنقص من حبي لك، بل تجعلني أحبك أكثر.
"
وإنه أنا ما في مثلي، وحبي أخير"
وحبي لك أول وأخير وأبديّ، هل كان عليك أن تُحب الموت أكثر مني؟

....... .........

تقول فيروز في أحدي أغنياتها "أنا عصفورة الساحات، أهلى ندروني للشمس وللطرقات"

تنتعش الذاكرة وتقفز إلى رأسي حينها تلك الطفلة التي كانت تلهو مع الصبية بالشارع، بشورت قصير وشعر طويل منكوش يغطي أكثر من نصف جسدها الضئيل، لا تكل من الحركة، من الابتسامات، من السقوط المتكرر الذي رغم ما يخلفه من جروح صغيرة تتجاهله وتستمر في اللعب. الحق أنها لا تتجاهله فهي لم تكن تشعر به حينها من الأساس، كانت خفتها أقوى من أي شئ من الممكن أن يوقفها.

لكن هذه الصورة فورًا ما يُلازمها صورة تلك الخرقة البالية التي تمثل صورة الطفلة حين كبرت؛ الصورتان هما أنا. لكنني لا أعلم حقًا كيف يمكن لأحد أن يحتمل تلك الصورة الكبيرة/الجثة الحالية في الوقت الذي لا تستطيع هي احتمالها!

بعض الجمل صغيرة للغاية، موجزة للغاية لكنها تستوقفني كثيرًا، أشعر أنها تحمل في طياتها أكثر بكثير مما تُظهره لنا في القراءة الأولى العابرة. وبجانب جملة فيروز تلك كانت أحدى تلك الجمل التي حُفرت في رأسي هي جملة ميلينا ردًا على أحدي رسائل كافكا إليها "وإن كنت مجرد جثة في العالم فأنا أحبك" أحاول جاهدة امتصاص فلسفتها. دائمًا ما نعتقد أننا في الحب لا نرى إلا مزايا من نحب، لا نرى إلا تلك الأشياء التي تبرز جماله؛ أو في تلك الحالات الأكثر رومانتيكية نرى العيوب ذاتها كمزايا؛ الصخور التي تتحول بفعل مرايا الحب العمياء إلى لآلئ.

كنت أعتقد أن الرؤية الأكثر واقعية والأكثر حبًا كذلك هي تلك التي ترى المزايا مزايا والعيوب عيوب. لا زيادة، لا نقصان، لا رطوش يضيفها الحب بدوافع لا عقلانية لا واعية.

حين قرأت جملة ميلينا، وحين تبعتها بقراءة رسائل كافكا؛ رسائله المليئة بالبؤس والحزن والمعاناة، أدركت حينها أن الشئ الاستثنائي والمحبة الأكثر قوة على الأطلاق هي تلك التي تجعلنا رغم كل القبح الكامن فينا نستحق الحب في عيني أحدهم.

لا يأخذ على عاتقه تجاهل عيوبنا وتصليح العطب بداخلنا، بقدر ما يدركه كجزء منا كما لو كان أحد أعضاء جسدنا.

أن يصبح الحب مشاركة الألم لا صنع السعادة.

هل سبيل لمثل هذه الدرجة من الحب أن توجد أم أنها فقط في رسائل الأدباء؟

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 كاتبة مصرية






مقالات من نفس القسم