رحلة

عبد الهادي المهادي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 عبد الهادي المهادي

الاثنين 15 مارس 2021

بعد تناول وجبة فطور خفيفة، خرجنا صباحا في اتجاه جبل العَلَم، حيث ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش. سلكنا هذه المرة طريقا مُختصرا عبر قبيلة “بني مصور”، مرورا بـ”أحَد بغاغزة”. في الطريق اشترينا عشبة “العَشْلُوجْ” التي لم يأكلها سواي. أما زوجتي فقد قطعت كل الوقت وهي تعالج معدتها التي أبت إلا أن تُعكر عليها صفاء اللحظة وجمالية مناظر الطريق الغابوية في بداية موسم ربيع بعد فصل شتاء مدرار يبشّرُ ببهاءٍ افتقدناه لسنوات بسبب توالي سنوات الجفاف.

لا شيء لحد الآن يستحق التسجيل سوى تضييعي لنظارات طه ابني ذي التسع سنوات، وقد وجدناها ـ بعد بحث قصير ـ وسط الغابة، وقد سقطت منّي لمّا ذهبنا لغسل وجوهنا في جدول ماء صغير يسيل الماء فيه هادئا رقراقا.

وصلنا عند أذان الظهر، ونزلنا في منزل بدا لنا ومنذ الوهلة الأولى باردا جدا؛ ستكون هذه الليلة قاسية علينا وقارصة، وقد وعدَنا رضوان، صاحب البيت، أن يغيّره لنا بمجرد فراغِ آخر.

الآن، وبينما تُنظمُّ زوجتي بعض الحاجيات، أجلس لأسجّل هذه الفقرات، قبل أن نخرج لتناول وجبة غذاء اتفقنا أن تكون جبلية محضة؛ أي أن طاجين “البيصارة” سيكون هو الطبق الرئيسي.

وقبل ذلك توضأتُ، وصلّيت الظهر والعصر: جمعا قصرا.

ونحن نخرج، بدا لنا ـ تحت تهديد البرودة ـ أن نغير البيت؛ فلم نأت إلى هنا لنتعذّب. دلّنا صاحب المنزل على جار له، قال لنا بأننا سنجد عنده ضالتنا. وهذا ما كان بالفعل؛ منزل دافئ، مبنيّ بالحجر وليس بالآجر، وسقفه من قصب وخشب.

اطمأننا، وذهبنا مرتاحين للغذاء.

بعدها نزلنا في اتجاه قرية “الحصن” أسفل الجبل من جهة القبلة، حيث ولد مولاي عبد السلام، وجلسنا عند عين ماء تسمى “عين أبي الحسن الشاذلي”، وحول هذه العين تروى الكثير من الحكايات تهمّ لحظة التقاء أبي الحسن بشيخه مولاي عبد السلام.

ارتويت من مائها، ثم استلقيتُ على مصطبّة حجرية أطلب غفوة سرعان ما استجابت لي، بينما ذهب ابناي ضحى وطه يصعدان الدّرج التقليدي القديم المعلق في الجبل صاعدين نحو الضريح. وما لبثتُ أن استيقظت والتحقت بهما رفقة زوجتي، فلم آتي إلى هنا للنوم.

أجمل ما هناك، بالإضافة للمناظر الطبيعية الممتدة أمام ناظريك على مدّ البصر، ولا يحدها سوى جبال شاهقة من جهة الشرق حيث شفشاون، ومن جهة الجنوب حيث غابة بوهاشم، أجمل ما هناك على الإطلاق هو ذلك الصمت العميق الذي يخيّم على كلّ كيانك، ويسمح لك أن تنصت لنبضات قلبك، وتنسى كل همومك وانشغالاتك “المَدنيّة”.

ونحن نازلون من ذلك الدرج، التقينا رجلا دون الأربعين. كان يلبس “قَشّابة” صوفية بيضاء وقد اصفرّ لونها، وينتعل بلغة، ويَعْتَمِرُ طربوشا، ويحمل في يده سُبْحَة كبيرة وأنيقة. سلّم علينا، وتابع طريقه. وقد انتبهت إلى أنه كان يضع الكُحل في عينيه.

تجوّلنا في المنطقة، وحُمْنا حول خرائب قصر اليزيد، الأمير العلوي، الذي قدم إلى هنا يومئذ هربا من والده، السلطان محمد بن عبد الله، للاسْتِحْرام بضريح المولى عبد السلام، لكنه سرعان ما غادر ليتولى الملك بعد وفاة والده عام 1790م.

حاولنا الحصول على اللبن من بيت كانت بعض الأبقار ترعى في غرسة بجانبه، ولكن قيل لنا ـ بأسف ـ أن اللبن قليل هذه الأيام. ويبدو أن صاحبة البيت أحست بالإهانة لأننا “طلبنا فلم نجد” فعوّضت ذلك بمنحنا ـ حفظها الله ـ خبزة بحجم عجلة سيارة كبيرة.

عدنا أدراجنا في اتجاه الضريح، وصعدنا ونحن نحثُّ الخطى هربا من أناس لا يملون من طلب الصدقات. انحرفنا يمينا هبوطا في اتجاه المقابر القديمة حيث أشجار البلوط المعمّرة، التي ماتت منذ سنوات وأبت إلا أن تبقى شامخة مانحة المكان هيبة وجلالا. وهناك التقيتُ مرة أخرى بذلك الذي تركناه يرتقي ذلك الدرج. كان قد وصل توّا. بادرته بالسلام هذه المرة، تذكّرني، قال لي: أنت من التقيته في الأسفل؟ قبل أن يتابع: هل أنت عبد السلام؟

ابتسمتُ له في ودّ، وقلت: اسمي عبد الهادي.

فقال: عندما كنتُ صاعدا “رأيتُ” شخصا أمامي، كان اسمه عبد السلام، فظننتك أنت.

فَهمتُ عنه؛ كان يقصد بـ”رأيتُ” ليس بالعين المجردة، بل “مُشاهدة”. لم أشأ أن أمنحه فرصة يؤوّل بها ما زعم أنه ” رآه” بأن أقول له ـ مثلا ـ أن أستاذي التربوي اسمه عبد السلام، وإن كان التأويل مُعتبرا.

قلت لزوجتي، التي لم تحضر حوارنا: صعبٌ جدا أن تتعامل مع مثل هذا الرجل، لا أنت تستطيع تصديقه، ولا تكذيبه. ولكنه يبدو لي من هيئته ـ قلت لها ـ أن الصّدق بعيد عنه.

 

 

 

صباح الثلاثاء 16 مارس 2021

استيقظتُ حوالي الثالثة ليلا على صوت ابني طه ينادي على والدته يطلب الذهاب إلى المرحاض، وكنتُ قد عانيتُ أثاء نومي؛ تقلّبتُ كثيرا، ربما بسبب تغيّر المكان وبرودة الجو.

في الفجر استيقظت لأجد الجميع يشتكي من قلة النوم؛ كان نوم الليلة سيئا لنا جميعا.

صلّيتُ، ثم توجّهتُ رفقة ابنتي ضحى ذات الثلاثة عشر عاما إلى الضريح، والهدف هو حضور هيبة الشروق من أعلى جبل العَلَم. كنّا وحدنا، لا أحد، صمت تام، وبرد خفيف منعش، ورياح تعانق الأشجار من تحتنا فتغني حفيفا لذيذا.

تفاجأنا بعدها أن جانبا كبيرا من ساحة الضريح كان ملطخا بالدماء، وكذلك بعض الحيطان، وبقعٌ هنا وهناك. وقرب المذبح كان جلد ثور ذُبح ليلا في غفلة من الجميع. كنت البارحة قد غادرتُ الضريح حوالي العاشرة ليلا بعد أن صلّيت العشاء، وتركته نظيفا نقيا. كان أحدهم هناك نائما تحت الشجرة العتيقة. تعاطفت معه؛ فالبرد كان حينها قارصا جدا، رغم أنه التَفّ في بطّانية وما عاد يظهر منه شيء. أما ونحن في هذا الشروق فقد كان المكان غاية في القذارة.

ونحن نلتقط صورا لجلال الشروق وجماله، حضر أحد رواد الضريح، قال لي بدون سابق معرفة أو تقديم: هل نمتم الليلة جيدا؟ وعندما أجبته بأن نومي كان متقطعا وكذلك أفراد أسرتي. تابع قائلا بوثوقية عالية: كل زوار الضريح عانوا من نفس الأمر، وما وقع هذه الليلة هو السبب. فهمتُ عنه جيدا، فأنا ابن المنطقة، وأعرف عوائد الناس وسلوكهم. كانت الذبيحة تتعلق بأهداف غاية في السوء والخبث، ربما تعلق الأمر بالسحر، وهم يعتقدون أن أرواحا شريرة من جن وشياطين كانت تحوم في هذه الأجواء جعلت أرواح الناس تتقلب في مضاجعها. وهذا معروف هنا ومتداول، وما كان يحصل مرّات في صمت كُسّر هذه المرّة ببشاعة، فالذبيحة لم تحصل في المذبح مباشرة، لأن ساحته كانت مشغولة عند المكلّفين بتنظيم أمور الضريح بـ”ألواح الفلّين” بعضها فوق بعض، ومُثَقَّلة بحجارة كبيرة حتى يجعلوها مستوية ومستقيمة، وبها سيغيّرون بعض الأماكن من أرضية ساحة الضريح، فتصبح أنيقة، يجلس فوقها الزوار ويُصلّون ويستلقون. وقد بِتّ مرات عديدة هنا، ولكن زمن الصيف.

صعدنا إلى أعلى نقطة من الجبل حيث خزّان الماء، ومررنا قرب مكان يسمى “حجرة المْسْخُوطِينْ”، حيث تلتقي صخرتين عظيمتين بينهما شقّ ضيّق، يزعم أهل المنطقة منذ القديم، أنه لا يستطيع المرور منه سوى “مْرْضِي الوالدين”. لم نشأ أن نجرّب حظيْنا، فنزلنا عائديْن إلى البيت، بعد أن اشترينا بعض الرغايف والبيض البلدي.

زوالا:

صعدنا مرّة أخرى إلى الضريح، لأن ضُحى تريد أن “تنقش الحنّاء” بين يدي فتيات متخصصات يلبسن “المَناديل” النّاصعة البياض مخططة بالأحمر. وبينما هي مستمتعة بذلك جلستُ متكئا على جذع شجرة معمّرة أستمع لتلاوة جماعية لسورة ياسين، كان مجموعة من “الطُّلْبَه” يرفعون أصواتهم بها بطلب من أحد الزّوّار.

منحتُ بعض النقود لعجوز جلست قبالتنا مبتسمة، ونهضت أتجوّل في المكان تاركا باقي أفراد أسرتي يفترشون الأرض المفرّشة بالفلين.

قالت لي زوجتي بعد عودتي أن العجوز ـ حفظها الله ـ أكثرت من الدعاء لي بالخير والبركة والصحة والعافية، وأنها انتظرتني طويلا حتى توصيني بها خيرا. قالت لها: “دْخُلْتِ لي نْ قَلْبي”، ودعت كل الأسرة لقضاء الليلة معها.

عامّة الناس هنا “دْراوْشْ”، ويحملون في عمقهم أخلاقا وكرما، رغم القلّة التي دفعت الكثير منهم لامتهان “التّسوّل” باسم “النّسب الشريف”.

عندما نزلتُ لأدفع لصاحب البيت أجرته، فاتحته بأمر ما شاهدته صباحا، وجدته عالما بكل شيء، قال لي: إن فلانا من مدينة طنجة، وذكر لي اسمه وعمله: يمتلك كذا وكذا، هو من قدِم بثورين سمينين، وقدّمهما “بين يدي حاجته”. قال لي: إنها الشعوذة. قبل أن يضيف: إن ابني حضر معهم، وهو من نقل لي أخبار ذلك.

بعد العصر مباشرة، اشترينا بعض الحلويات التي تشتهر بها المنطقة، واستقينا الكثير من الماء من عين قريبة، ثم نزلنا عائدين إلى المدينة. وقريبا من قرية “تازية” استوقفنا قطيع من القرود يزعق أفراده ويقفزون ويلتقطون من الأرض ما يسقط من بعض الأشجار. وكما يختم تلميذ مجتهد إنشاءه في وصف رحلة رفقة أسرته، فإني أقول بأن رحلتنا بالفعل كانت ممتعة ومبهجة، نسينا خلالها ـ رغم قصر المدة ـ قلق المدينة وهيجانها.   

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق