رائحة الكافور

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

شيرين فتحي

لا أعرف بالضبط كيف مات؟ ولا كيف دفناه؟ لمَ تلقيت الخبر وحدي؟ لم كنتُ أنا المعنية بالأمر كله وحدي؟ لم غاب شقيقاي عن المشهد فأجبرتني قدماي على الذهاب إلى الجامع والصلاة عليه؟، ثم شدتني لنمضي في جنازته..

لا أعرف كيف مشيت في الجنازة؟ كيف وقد كنت منذ ساعات قليلة أحادثه من شرفة بيتي؟ كيف وحلواه التي أحضرها لنا قبيل غيابه بقليل لازالت كما هي لم نكن قد فتحناها بعد؟

كيف خطفته مني بتلك السرعة يا رب؟ كيف لم تتركه يمرض ولو قليلا حتى أستشعر الأمر؟ ولا حتى تركت لي فرصة للدعاء له بإزاحة المرض، هل تعلم يا رب أنني ظللت لوقت طويل أتألم وأنا أشعر أنكما خدعتماني، نعم لقد خدعني وجاء لزيارتي ومشاكستي ثم مات بعدها بقليل، لقد ذهب معك بمنتهى السهولة، لم تترك لروحه حتى بعض الوقت للمنازعة ولا ﻷن تتشبث قليلا بالحياة.

كيف تسرب هكذا من بين يدي وتركني وحيدة؟ أنا وحيدة جدا بدونه.

أعلم أن الموت قريب وسهل، منذ رحيله وأنا أشعر بالرغبة في لقائه أشعر أن الأمر ليس صعبا، كل ما فيه أن تترك عينيك مفتوحتين ورئتيك أيضا حتى ينفتح أمامك بعدها كل شيء، لكن رئتيَّ تتقلصان دوما في اللحظة الأخيرة وتطردان كل الهواء المحشور في الداخل كي تجددانه.

لا أعرف كيف شعرت بالأمر من قبلها ولم أفهم، أعلم أنك كنت معي يا الله حين أرسلت لي تلك الإشارات التي لم أفهمها.. لكنها كانت بعيدة وصعبة، لقد اعتقدتُ بدنو أجلي أنا وليس هو… ليومين متتاليين من قبلها وأنا اشعر بضيق في صدري وبقطعٍ من القطن تكتم أنفي وأذني وبغمامات تضغط على عيني وتسد عني الضوء وكل منافذ الحياة..

نعم كنتُ أشعر بأيديهم وهي تعبث في جسدي وتلفه بالأقمشة، كنتُ تعيسةً وخائفة، لم يكن الموت هو ما يخيفني ولكن تلك الكتمة وتلك الأقمشة البيضاء المحبكة على جسدي ووجهي، ورائحة الكافور التي ظلت تنبعث في أنفي، تلك الرائحة كانت مربكة، كانت تشدني بقوة إلى الغياب، ربما لهذا تبعتُ الجنازة كنتُ أتبع الكافور المنبعث منك ومني.

أنا لا أطيق زيارتك في ذاك المكان الضيق، تختنق أنفاسي من جديد ولا أتمكن من التقاط الهواء كلما رأيت تلك الطاقة الصغيرة التي غطوها بالطين والأسمنت ظنا منهم أنهم قد أخفوك في داخلها إلى الأبد.. أتمنى ألا تكون نائما هناك بالداخل، أتمنى لو كنتَ تنعمُ ببراحٍ أكثر، أتمنى لو كنت تتمكن من الكلام والحديث إلى من هم حولك، أتمنى لو كنت تتمكن من الخروج وممارسة الحياة والطب، ومنح الحياة للآخرين كما كنت تحمل الصغار بيديك من مجاهل الأرحام إلى مداخل الحياة.

هل شعرتُ بموتي قبيل موتك ﻷننا كنا واحدا؟؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللوحة للفنان: عمر جهان 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق