رأس في السحاب وأقدام موحولة

أبناء الجبلاوي ..عن الفوضى التي أفرزها عقم الخيال
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمود عبد الشكور

هذه رواية كثيفة شكلاً ومضموناً، تتطلب من قارئها جهداً وصبراً، وما كان لها ألا أن تكون كذلك، لأنها فى حقيقتها رحلة معرفية ووجودية شاقة، أو كما قال شيخ الطريقة فى إحدى صفحاتها:"الفضول طريق الألم، والألم سبيل المعرفة"، وقد اختار بطل روايتنا منذ البداية أن يقطع الطريق من البداية الى الوصول، ما بين ضريح الأب وقبر الأم، وحيداً فوق قارب تتقاذفة أمواج الدين والخرافة والفلسفة.

ضريح أبى” للروائى طارق إمام تجربة سردية مركّبة تصنع عالمها الغرائبى الكابوسي، تصف أبطالها دون أن تمنحهم أسماء،

وتلغى الحدود بين الحلم والواقع، وبين الخارق والمألوف، تلامس حدود السيريالية، وكأنها حكاية تنتظر فرشاة رسام، يختار ألوانه بين الأسود والأبيض والأزرق ودرجات الرمادى، “حلم يشبه الحياة، مثلما يمكن للحياة أن تشبه حلماً”، حتى لو لم تستطع أن تفك كل شفراتها، فإنك ستعيش حتماً تجربة بطلها وحيرته، وربما تطرح بعضاً من أسئلته المعلّقة.

فى قرية خرجت من قلب الصحراء أطلقوا عليها اسم “جبل الكحل”، تناثرت المنازل حول ضريح الولى صاحب المعجزات، واهب الأطفال للنساء العاقرات، دون أن يستطيع هو أن ينجب وريثاً إلا بعد وفاته بمئات السنين، تجوس فى طرقات القرية الكلاب المقدسة الممسوخة، يرث الابن نذور الناس للضريح، ورسائلهم إلي الأب/ الولى، ويرث من الأم عرائس من طين، وبعض الكتب، ولكنه يرث أيضاً ماضياً غامضاً يجمع بين الإنتساب الى أب ولىّ مقدس (فى بعض الروايات)، وأم مجذوبة ولدته من الزنا والحرام( فى روايات أخرى) وبينما تحمل الرواية اسم الأب، فإن معظم السرد على لسان الإبن بضمير المتكلم، وبينما يفترض أن يكتب الإبن تاريخ الأب ومعجزاته وموتاته فى مدن الآخرة ومناماته الكابوسية، فإنه سيكتب فى الحقيقة تاريخه هو، ومخاوفه ورغباته ومعاناته ورحلته المخيفة ما بين قبر الأم وضريح الأب، وفى حين تبدو الرواية إمتثالاً لقرار الأب وقدره الذى حدده لابنه، فإنها تبدو أيضاً كما لو كانت هروبا الى الأم الغائبة، وبينما يبدو الإبن فى مأزق، فإن الأب أيضاً يشاركه نفس المأزق: يعيش حياة خاوية مثل كتاب كل صفحاته بيضاء، يقبع وحيداً فى سريره، يتأمل العالم من شباك صغير، ولا يستطيع أن يحصل على الموت إلا فى أحلامه، وفى مدن أخرى غير مدينته التى تقدسه.

مفاتيح هذا البناء المكثف فى أسئلته، إذ ليست هناك أجوبة، تتساءل عندما تنتهى من الرحلة الشاقة: من صنع من ؟ الولى صنع القرية أم القرية الخرافية وشخصياتها العجيبة التى صنعت اسطورة الولى؟ أين يبدأ المقدس وأين يبدأ المدنس فى حياة الإنسان وتاريخه؟ هل تقنع بأن تكتب عن غيرك أم أن تجازف بأن تكتشف نفسك وعالمك وتكتب نفسك وتخوض تجربتك حتى النهاية؟ مأساة الإبن فى ميراثه الثقيل من الأب ومن الأم، وكأنه أوديب جديد وضعت حياته رغما عنه بين قوسين كبيرين، ولكنه يصرّ على استكمال الرحلة، مأساة الابن فى مدينته وفى حياة أوهامُها أكثر بكثير من حقائقها، محنته ( وهى أيضاً محنتنا) فى تلك الطبقات المتراكبة فى ميراثنا التى تخلط بين الأسطورى والدينى والفلسفى، جدائل متضافرة يصعب فصلها، تصنع شيئاً كالسراب، مثل بئر يروى الظمآن، ثم سرعان ما ينقلب عليه فيغرقه.

ضريح أبى” رواية تمتلئ بالغرائب والمسوخ والعجائب، ولكنها تقول لك فى النهاية أنه لايوجد أغرب من ذلك الكائن، الذى ترتفع رأسه الى السحاب، وتغوص أقدامه فى الوحل، ويطلقون عليه اسم الإنسان.

 

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم