ديوان”تدريبات يومية” لمحمد السيد إسماعيل.. لوحات فن تشكيلي بالحروف والكلمات

صورةديوان تدريبات يومية
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

سعيد نصر

“تدريبات يومية” .. ليس مجرد ديوان شعري، وإنما سيمفونية أدبية رائعة، تتضمن مرثيات لأشياء كانت حية وماتت، وأخرى كانت موجودة وضاعت، وثالثة كانت حاضرة وغابت، وهذا ما يجعل الديوان مرثية أدبية مختلفة عن مرثيات الشعراء في الماضي، فقصائد الديوان تكتنف بين سطور صفحاتها كل ألوان وفنون الأدب في صياغات شعرية جذابة تحمل تجارب شعورية وجدانية ساخنة وخلابة، وكلها تتسم بالوحدة الموضوعية من حيث الوجدانية والصور التعبيرية، وهو ما يضفي على القصائد طابع من الجاذبية يمكن وصفه بـ “الجاذبية الحرارية”، وأعني بها إحساس المتلقي بالتوحد مع الشاعر في الأحاسيس والمشاعر والتجارب، وذلك نتيجة للدفء الوجداني بالقصائد الذي يلامس همومه وقضايا كإنسان في المقام الأول والأخير، وهذه سمة كل ديوان شعري ينطوى على مضامين ورسائل تمثل المشترك الأعظم في الحياة الإنسانية لكل البشر. 

يبدأ الدكتور محمد إسماعيل ديوانه الشعري”تدريبات يومية” بقصيدة “دعوة” وهو عنوان موفق جداً، لأنه يعطي انطباعا للمتلقي بأن الشاعر يدعوه إلي أشياء وتجارب مثيرة سيراها في قصائد الديوان، ويعايشها شعرياً ووجدانياً، وهو أمر ينطوي على ذكاء أدبي،خاصةً أن القصيدة قصيرة ويغلب عليها الصورة الحركية السينمائية وكأن الشاعر فيها مخرج سينمائى أكثر من كونه شاعراً، حيث يصور الدكتور محمد السيد إسماعيل الحياة الدنيا، في هذه القصيدة الجميلة، بحفل صاخبٍ فيه يصل الطموح الذهني للإنسان إلى أبعد مدي، ويستمر لأطول فترة ممكنة، دون أن يدري الإنسان بأن الحفل قد انتهى. 

يشتمل الديوان على 88 قصيدة شعرية نثرية،72 منها تحمل عناوين قصيرة وجاذبة، من كلمة واحدة أو كلمتين، و8 منها تحمل ثلاث كلمات على الأغلب، وكلها عناوين موفقة ومأخوذة بإتقان شديد، من أحد الألفاظ المركزية في النصوص الشعرية، وتلعب هذه العناوين الدور الذي أراده لها كاتبها، والمتمثل في شد المتلقي وتحرضه على قراءة النص الشعري،كخطوة تمهيدية تأخذه للتأمل أكثر في النصوص لتبيان ما تكتنفه من غموض وعمق، إذ تكتنف معظم القصائد على إيحاءات لا نهائية، وتتسم كل القصائد بأنها مضغوطة من حيث البنية اللغوية والصورة الشعرية، ويتوافر فيها العناصر الأربعة التي تميز القصيدة النثرية، وهي الإيجاز والمجانية والوحدة العضوية والتوهج، وهو ما يجعلها تبدو مثل “القطع البلورية”  التي تحدثت عنها الناقدة الفرنسية سوزان برنار، عندما تحدثت عن الخصائص الأربعة المشار إليها، والتي يجب توافرها في قصيدة النثر الجميلة.

وعلى الرغم من المجانية وأهميتها كإحدى خصائص قصيدة النثر المتميزة، فإن بعض قصائد ديوان “تدريبات يومية” لاتخلو من “الغرضية”، ولكن بما لايخل بجمال القصيدة من حيث لموسيقى الداخلية والايقاع الداخلي المتولد عن أشياء عدة منها، اختيار الشاعر محمد السيد إسماعيل نوعية الحروف في الكلمة بمهارة ودراية، وتوافر موسيقى التنضيد بتقنياته الثلاثة (التماثل والتقابل والتضاد)، كجزء مما يعرف بـ “النسيقة” في القصيدة النثرية.

وإذا كان أنسي الحاج قد حدد ثلاث خصائص للقصيدة النثرية الجيدة، وهي الإيجاز والتوهج والمجانية، فإن هذه العناصر الثلاثة موجودة في معظم قصائد ديوان” تدريبات يومية”للشاعر محمد السيد إسماعيل، وربما يرجع ذلك لأمرين، الأول، أننا أمام شاعر متمكن من أدواته اللغوية والشعرية والتصويرية، والثاني، أن الشاعر يعي جيداً حدود وأبعاد الجنس الأدبي الذي يفضله عند الكتابة، ويدرك تماماً مدى صعوبته، فالقصيدة النثرية تُعد من أصعب ألوان الشعر،ويعلم النقاد أن كثير من الشعراء يصعب عليهم اتقانها، لدرجة أنه من بين كل مائة شاعر قصيدة نثر تجد شاعراً واحداً فقط هو الذي يتقن هذا اللون الشعري والأدبي.

تتميز قصائد ديوان “تدريبات يومية” للشاعر محمد السيد إسماعيل، بأن الإيقاع الداخلي فيها غالباً ما يكون ممزوجاً بدفء المعاني، والموسيقى الداخلية دائماً ما تكون مستقيمةً مع الإيقاع الداخلي، ومتناغمة معه إلى أبعد مدى، وإلى درجة تشعرك باستقامة العود مع الطبلة في موسيقى تلحين الأغاني، وهذا كله يؤثر بالإيجاب على سمع وذهن المتلقي، ويدفعه دفعاً إلى التفاعل مع الشاعر والتوحد معه لمعايشة التجربة الوجدانية، ويمكنني القول هنا ، إن تأثير تداخل الإيقاع الداخلي والموسيقى الداخلية في قصائد ديوان” تدريبات يومية” لايقل  أبداً عن التأثير الذي تحدثه موسيقى القوافي والتفعيلات الموجودة في أروع قصائد الشعر العمودي.

“التجربة والذكرى والرغبة” ثالوث حياة حتمي، لاتخلو منه قصائد الديوان، يستخدمه الشاعر ، أحياناً في التباكي على شيء جميل لم يعد موجوداً، كما يستخدمه أحياناً  لاستعادة روح الشباب في قلب أنهكه الشيب، ويستخدمه أيضاً في تقديم رؤى نقدية لأحداث تم تزييفها، وأنماط حياة مجلبة للخضوع والخنوع، ويظهر كل ذلك بوضوح في قصيدة “رغبة دفينة”، وقصيدة “مشاهد ثابتة” ، وقصيدة “رغبات كثيرة”، وقصيدة”اربعون عاماً” التي تقول:

( أربعون عاماً

أربعون عاماً وأنت فوق السطح

ترقبُ جموع العابرين

بلا طرفة عين

كأنك تخشى الحياة

الحياة التي رأيتها دائماً

مثل كائن خرافي

يطوح بعصاه

في منتصف الطريق.)

عندما تقرأ قصائد ديوان “تدريبات يومية” ستجد نفسك أمام شاعر يجيد الرسم بالكلمات، ويجيد إحالة كل شيء في الحياة، سواء كان مادياً أو معنوياً، إلى لوحات فنية، وهذه ميزة لاتتوافر إلا في شعراء قليلين لديهم القدرة على تحويل الحروف إلى ألوان، وتحويل الكلمات إلى فرشاة، وذلك لرسم لوحاتهم الفنية بالشعر النثري، وذلك على غرار ما يفعله الفنانون التشكيليون، ولكن بأدوات الشعر وبالأحاسيس والمشاعر،  وهذا يفسر لماذا يجد القاريء للقصائد  نفسه أمام   كتل مشعة مثقلة بإيحاءات لانهاية لها، عندما يقرأ قصائد هذا الديوان، سواء قرأه مرة واحدة، أو قرأه مرات عديدة، وقصيدة “فترات متباعدة” خير مثال على ذلك، إذ تقول القصيدة:

(يتذكر الجميع

أنه كان بلا أسنان

وأنه عندما ولد

ظل يضحك كثيراً

بحركات عصبية واضحة

حتى اتخذت يده اليمنى

شكل قبضة دائمة

وأنه ظل على مدى ثلاثين عاماً

يحتفل بظهور نابه الأول

ومع ذلك أحبه الجميع

وكثيراً ما ماكانوا يبتسمون

وهم يختلسون النظر إلى قبضته.)

الرمزية كتقنية فنية في بناء الصور التعبيرية لها مكانة كبيرة في قصائد ديوان”تجارب يومية”، وهي رمزية متنوعة في قصائده ما بين الطبيعي والصوفي والأسطوري، ويوظفها الشاعر في قصائده باتقان شديد يزيد من جمال الايقاع الداخلي في القصائد  وربما يرجع ذلك إلى إدراك الدكتور محمد السيد إسماعيل، وكما يبين من القصائد، بأن عمل  الرمزية في قصيدة النثر ، بما تكتنفه من غموض وإبهام، يشبه عمل الروح في الإنسان، لذلك كلما تقرأ قصيدة من قصائده كلما بانت في ذهنك كمتلقي قصيدة أخرى، ترسمها في مخيلتك تلك الرمزية الفريدة التي يستخدمها الشاعر سواء من خلال الإيماءات والإيحاءات أو من خلال استبدال الكلمات بكلمات أخرى كاستخدامه لكلمة الأسماك للرمز عن البشر في قصيدة “قدرات ماضية”، وكذلك الأبقار في قصيدة “ابن سودون” للرمز للناس تارةً ، والرمز لهموم الناس تارةً أخرى.

عندما تقرأ قصائد ديوان “تدريبات يومية” سيتبين لك أن الشاعر محمد السيد إسماعيل يمتلك قدرات إبداعية على استغلال تقنيات السرد القصصي في إضفاء طابع التشويق والإثارة على النص الشعري، وهذا شيء تحتمله القصيدة النثرية بحكم طبيعتها المختلفة عن ألوان الشعر الأخرى، ويضيف إليها مزيداً من الدفء والحرارة ، في البنيتين اللغوية والتصويرية التعبيرية، فمعظم القصائد تتسم بأنها حوارية مع المتلقي، وتتضمن بنية زمنية وأخرى مكانية، وأحياناً ما تضفي بنية دورة الزمن مع بنية دورة المكان، خاصة البنية الدائرية  للزمن على بعض القصائد  طابع الشاعرية الدافئة والإثارة الخاطفة للقلب والعقل، وهذا يعد أحد أهم مميزات شعر الدكتور محمد السيد إسماعيل.

مقالات من نفس القسم