“دفتر النائم” لشريف صالح: مستويات الحُلم

دفتر
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام
قراءة لمجموعة "دفتر النائم"

    حسام المقدم                  

  هذا ولد في حُلم رحلة وجود بصحبة أبيه وأمه. ستختفي الأم أولا ثم يتبعها الأب، ويبقى هو وحيدا، بعد أن غامر في النهار بساحة الألعاب، ممسكا بجذع صفصافة مع أولاد آخرين يواجهون وجودهم الفردي مثله:

 “مددتُ قدميّ لأسفل دون أن أتخلى عن جذع الصفصافة، لكنّ القاع كان بعيدا جدا لا يمكن لقدمي أن تصل إليه وتلامسه”.

 إن الولد السابق في قصة “رحلة النهار والليل” يُطل من جديد في “حقك من الدنيا”، مع إصرار الولد هنا على أخذ الساندويتشات من صاحب المطعم الغامض المماطل، والذي ينتهي بالولد المسكين إلى عنف مواز لانتزاع حقه أو نصيبه من قدر عبثي يصل به في النهاية لكابوس المشنقة. ومن هذين الولدين المتمسكيْن بوجودهما الحقيقي؛ إلى الشاب المستعد لإفناء عمره من أجل إزهار نبتة مُنتظرَة أمام ” كوخ ست الحسن”، كوخ الجمال والماء والموسيقى والحنين:

 “هل أزهرتْ النبتة؟ ما زلتُ أرويها”. “تطلعتُ من كُوة الكوخ.. فرأيت نفسي شابا قادما من بعيد”. لكنّ الشاب سيعود قلقا حائرا في “قصر الأموات” والتاريخ، واقفا أمام أسئلة معقدة: ماذا يخصني في هذا العالم القديم؟ وهل تسبح أرواح مَن ماتوا قديما بين هذه الجدران، بما في ذلك تلك البرنسيسة الحزينة في البورتريه العملاق للفنان الإيطالي “فرانشيسكو هايز”؟ ولابد هنا من تذكر نص “شقة الحفيد الأمريكي”، كرؤية مُكملة، بشكل ما، للمكان وأرواح مَن سكنوه من قبل، وأن الإنسان لا يغادر مكانه تماما، بل يبقى منه شيء حتى لو كانت صورة الزوج والزوجة في زمن الأربعينيات البعيدة. بالطبع سنتدرج في أحلام/ قصص تقرأ وتُترجم لمعادل إنساني عاجز تماما في نص “تووووت”، ف”الإنسان القطار”، لو جاز التعبير، هو إنسان هذا العصر السائر باختياره في طريق سريع نحو لا إنسانيته: “لعلّ فتاتي ما زالت جالسة في مكانها المعتاد تحت شجرة سرو”.. “دقيقية، دقيقة واحدة فقط بين وصولها ورحيلي! أي قوة في هذا الكون كله قادرة أن تعيد تلك الدقيقة إلى الوراء؟”. ولسوف نلتقى ذلك الإنسان مرة أخرى، وبنفس العجز وإن اختلف رد الفعل، في نص “أسرة أمام التليفزيون”.. وهو نص حميم  ينفجر فيه الراوي، بوعي ساخر ومقتحم، تجاه بلادة واسترخاء زوج وزوجة وأولاد في شقتهم وعبر الباب الموارب: “بدل ما تسمعوا ماري منيب اسمعوا أم كلثوم!”. هنا يمكن اعتبار الجملة المقذوفة السابقة من فلتات اللسان، تلك التي وقف عندها “فرويد” ورأى أنها حتى لو كانت من الأفعال المُخطئة لأهدافها؛ فإنها فاضحة وخائنة وكاشفة لأسرار الشخص الحميمة. إن راوي القصة سيمضي في إخراج وقذف كل ما في داخله، هو الوحيد في غرفة على السطوح، وينتقم من جو الأسرة وعالمهم كله بأن يبول بالعدل في الأحذية الخمسة أمام الباب!

  هذا التدرج الصاعد والهابط، كان له أن ينتهي مع  “حامل الكتاب”، وذروة حيرة الكائن إزاء الغيبي والماورائي الخاص بالذات نفسها، والجاثم عليها كقَدر لا فكاك منه: “هذا كتابي!.. كنت أشعر به مفتوحا على صفحة ما. هل هي من الماضي الذي عشته أم من المستقبل الذي ما زال محجوبا عني”؟ هنا لا قدرة للذات على المضي أبعد من ذلك، حيث العجز دائما يسد الطريق: “هيا تحركي.. كنت أخاطب يدي وأُشجعها: هذا كتابي! اللعنة! كتابي جاثم على صدري ولا أقدر على قراءة سطر واحد منه”.    

  تشكلت الأحلام عبر مستويات متعددة، فمن عمق اللاوعي في نصوص من قبيل “حقك من الدنيا” و”رحلة النهار والليل” و”حامل الكتاب” و”قصر الأموات” و”إحياء الطفل”.. إلى منطقة وسطى سعى فيها الوعي لإعادة التوازن للشخصية، وهي إحدى مهمات الأحلام كما قال “يونج”، ونرى ذلك، على سبيل الاستشهاد، في نصوص “هروب جسدي” و”قطعان الليل الهائمة” التي نقرأ منها ما يخص امرأة الغواية المُتحوّلة: “كل جملة كنت أُميّز بها الأشياء في رأسي، هي مَن كانت تهمس بها. تمنحني الكلمة وتنسفها، تسكنني من الداخل، تحاصرني من الخارج”. ونصل لمستوى أخير قد يبدو بعيدا عن منطق الأحلام وغرائبيتها، في نصوص خرجتْ عن النسق في الظاهر، مثل “الخالة اليابانية” و”حفلة عربية” و”زيارة صاحب العمل”.. لأنها قدمتْ دلالاتها الواضحة بلا تعدد أو تأويل. ولكن يمكن قراءة نصوص هذا المستوى من زاوية أن الأحلام ليست على الدوام سقوطا مدويا أو هروبا مذعورا أو مدنا للعفاريت، لكنها تعبير عن رغبات الإنسان المتصارعة، بما فيها تلك الرغبات البسيطة اليومية والعادية. ويبقى الحُلم، كما قال “فرويد”، هو حارس النوم الذي يقوم بمهمة أصيلة هي صَدّ أي شيء يؤدي إلى إقلاق النائم.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتب مصري

 

 

مقالات من نفس القسم