خيوط واهية.. قادرة على الجذب

محمد عطية محمود
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمد عطية محمود

تخترق خيوط ضوء النهار، خصاص النافذة بتكاسل.. تتخبط بأجفاني المصرة على انغلاقها، غير عابئة بها، وهي المنتظرة لطلوع النهار في ذات الوقت، تحاول زحزحة جسمي المخدر من التصاقه الممض بالفراش.. تجلجل بصليل أجراس خفية تنبئ عن اقتراب أو الدخول في الميعاد، وداخلي متعلق بالساعة القديمة المعلقة على الحائط بلا عقارب..

يضغط عليّ حسي.. يتداخل فيّ قلبي أكثر.. ينضغط معه جسمي ويتثاقل على الفراش.. ينغرز فيه، ويلملم أجزاءه بقوة عجيبة.. تتداخل.. تلتمس احتواءً، ربما من أثر أرق ممتد، وربما استكمالًا لغفوة المتعب من الركض والصعود والهبوط، وهو مكبل في ذات الوقت، وكأنني مازلت في أحضان حلم يُغرقني دائمًا في لُجة عرقي، وأنا حائرة لا أستطيع المضي ولا الالتفات لأرى ما يدور حولي، ولا الذي يرافقني ظله – حتى في حلمي – يمد لي يده، ولا أستطيع إدراكها.. فقط أشعر به دون أن أراه..

لا يزال الحلم دائرًا، حتى وأنا في كامل يقظتي المستترة حتى على نفسي، ولا أزال مغمضة العينين قابضة على تفاصيله، وكأن ساعة الحائط نبتت لها عقارب تطاردني كي أنسلخ عن فراشي وتململي وأنتفض.. تضيق فتحة صدري.. تخنقني؛ برغم اتساعها على رقبتي التي ينز عرقها ويهبط بين مفرق صدري برغم الجو الماطر في الخارج، وأنا قابضة على رقبتي وقد نفضت عن جسمي الغطاء.. أتمثل وضع الجنين في بطن أمه.

تحوطني أنفاس أمي التي أشتهيها تعود كي تكون بردًا وسلامًا يحيل اشتعال أشياء مبهمة تتحرك في روحي وجسمي إلى أمان افتقدته مرات ومرات، منها مرة منذ رحلتْ، وأخرى منذ فارقتها وأنا صغيرة ومضيت مع أبي في ترحال طويل أكسبني مهارة العيش في أي مكان وفي أي طقس وتحت أي ظرف، وثالثة حين سلَّمتني لمن أغرقني في بحار الغربة دون تردد ولا خوف، ومضيت معه بكل اندفاع أواري به سوءة خوفي.. أشعر براحتها النادمة تحاول الاقتراب مني لتمسدني فلا تجرؤ، وكأنما أبعدها شئ، ثم تبتعد عني أنفاسها..

فقط أمد يدي في الفراغ كي أحاول إدراك أيد أخرى.. تغادرني بعد ما تطوف حولي كي تقتنص مني شيئا، ثم تتسارع خطواتها في اتجاهات لا يستطيع بصري الوصول إليها..

أتشرنق أكثر على جسدي.. يأتيني طيفه مبتسمًا حانيًا برغم ما سببتُه له من خراب، لكنه كمن يخشى الاقتراب مني برغم ولهه.. أجده يقترب بروحه وأنفاسه لكنني أشعر أنه بعيد عني؛ ربما وصله إحساس من أحوالي بأني برغم التصاقه بي، بعيدة عنه.. أراه منتظرًا يقلِّب في جحيم أفكاره، وفي ساعة إحساسه بي التي لا تتوقف.. لكن أين.. لا أدري.. وإلى متى.. لا أدري؟..

تغادرني سمات الوقت وملامحه.. أتداخل في نفسي أكثر.. أشعر أن المسافات تتداخل بيننا.. تنشد معها الخيوط الواصلة بيننا حتى ترق تمامًا وتوشك على…. أراه ممسكًا بطرف الخيط من بعيد قابضًا عليه كقبضه على جمر انتظاره، وكقبضي على أشلاء حيرتي التي كلما سعيت كي أبددها سعت هي في اتجاهي مغلقة عليَّ الثقوب التي قد أرى منها النور، وأنا أجري في الاتجاه الآخر من الخيط أشده بعنف، كمن تجرفه الرياح في اتجاه هوة سحيقة لا أدري إن كنت أستطيع النجاة منها.. أراه يقترب.. يرخي طرف الخيط من جانبه، لكن الخيط كلما طالت المسافة واشتد الجذب كلما اشتد وهنه، والغريب أنه لم ينقطع بعد!!

صوت أبي يتنحنح.. يتقاطع مع أصوات محارتي التي ضاقت علي وعلى ما يصارعني فيها، كما يقطع صمت البيت باحتكاكات قدميه، وسعاله المتواصل لا يزال يجرح صدره الذي حملناه معنا – أنا وأخي الأصغر مني المنعزل الآن في حجرته مع زوجته وأولاده يغط في شخيره – عائدين من المشفى في ساعة متأخرة من ليلة الأمس العاصفة، بعد نوبة من نوباته المتكررة منذ ركونه للعزلة في هذا البيت الذي لا يعلو فيه صوت إلا في حالات وجودي القسري والاضطراري فيه، في هدأة من هدآت ترحالي الذي لم ولن يتوقف، وصار عقيدة حياتي التي تسري في دمي بالرغم من كل شيء.

لعله الميعاد المنتظر الأخير، والمناسب كي يمكنني أن أنبهه فيه أن الخيوط التي بيننا قد شارفت على الانقطاع – برغم عدم يقيني من ذلك – لأن مدى السفر طويل، والترحال لا يريد أن يضع بي على جزيرة ربما ضمتنا سويا، أو ربما الميعاد لم يأت بعد، والأمور لا تريد أن تتجه في اتجاه الحسم.

أراه متململًا يقضم أظافر قلقه المعهود، في مكان ربما نسيت تحديده أو تناسيته – ربما – إلَّا أن رنة هاتف، يتولاه الصمم والخرس حتى هذه اللحظة، قد تعطي الفرصة للتعرف عليه من جديد، وربما لحقت به..

هكذا أنبتتني الظروف في كل الأحوال التي لن تتوقف عندها الحياة.. ربما لحق بها عطب، لكنها من المؤكد سوف تستمر، فهي محطات للسفر والوصول ثم الترحال، ثم اللقاء أو اللا لقاء من جديد.

لا أشعر بجسدي يؤلمني.. ربما لم أنتبه لذلك، لكن ما يربطني بالفراش الآن – وليس دائما – من الممكن أن يكون قادرا على انجذابي وبقائي لمدة (سوف تنتهي بالتأكيد) مرتبطة بالفراش قدر ارتباطي بحالة الانتظار التي تشعل يقين من ينتظر الآن بشغف المريد، وربما بشغف العاشق الذي لا يرى أن هناك مستحيلًا، ويقترب بدأب الناسك والمدافع عن وجوده، ويظل مصرا على الإبقاء على كل الخيوط، وينحني كي لا تنقطع برغم علمه أنها صارت أوهن مما كان يعتقد في أسوأ حالات يأسه، لكن ما يدهشني أن خيوطه الواهنة ما زالت – هي أيضا – قادرة على الجذب!!

….

[email protected]

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق