خارج الإطار

تشكيل
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عرفة بلقات

داخل الإطار أو خارجه، فأنا أنتمي إلى قاع الكأس.. وأشرب ثمالته في انتظار ألوان فنان تنفض عني غبار التراب.. لم أحلم مرة واحدة أن أكون مضيئة بفاقع الألوان.. الأصفر يلائمني.. أعرف.. يعطيني شعورا بأن النار لا تشتعل بداخلي فحسب.. فأنا ألبس هذه النار، كما ألبس الحياة.. هي حياة من نار.. لا بأس.. لكني أحبها لأنها انتمائي الوحيد.. أو ربما هكذا رآني فنان، سعيدة بناري فألقى عليها ورودا شبيهة بحلمي اليومي حين أنتظر نفاد ما أبيعه للمارة بصبر قد يكون شبيها بصبره وهو يقف مترددا كل مرة: هل يلقي علي ورودا أم يترك لون النار مشتعلا بلا زيادة ولا نقصان.. الحقيقة أنني لا أعرف نيته، هل كان يعبر بتلك الورود عن تفاؤلي بالحياة، أم أنه كان يلقي علي آخر وردة للحياة.. الاشتعال شيء يضيء ولكنه مؤلم.. لا شك أن الفنان يسرد بريشته ما لا يسرده قاص.. كل الألوان تحتاج إلى كلمات.. لا ألومه إن كان يميل إلى إضفاء البهجة على الحياة بألوانه، حتى وهي تحرقني، فطيور بلدتي بالدوار تتراقص في السماء وهي مجروحة.. والجسد يتراقص فوق الرمضاء.. وأعرف زجالين تحترق أكبادهم من فراق وهم يصنعون بكلماتهم أجمل الصور.. حتى لا أدري ماذا يفعلون: هل يبكون أم يمرحون، يتأسون على حالهم أم يفرحون؟؟.. لكن هذا الفنان يبدو واضحا معي، لدرجة أنه وضع فوق رأسي حمرة شبيهة بلون الدم.. وجعلني أشعر فعلا أن رأسي يغلي بألف سؤال وسؤال.. وأن النار التي تضطرم في جسدي وتنفجر من الداخل إلى أعلى فوهة العقل وتخرج ملتهبة بمأساتي التي لا تنتهي.. إلى من أنتمي الآن، إلى الحبر أم إلى الألوان؟.. لا فرق.. للحبر أيضا ألوان.. يغمس في الكلمات فيأخذ شكلها.. إنها قفزة كبرى أن تتحول الألوان وكل الأشياء إلى كلمات.. لا يمر علي يوم دون أن تغيبني الحياة.. أنا أيضا أريد أن أقفز.. أن أعرف أولا كيف حفر الزمان على وجهي كل هذه الأخاديد، حتى لم أعد أدري من أي أخدود منها يشق دمعي رحلته إلى أسفل ذقني.. ماذا كان يمكن لامرأة مثلي أن تصنع بجمالها؟ من يراني الآن داخل إطار لوحة رسام يعتقد، حتما، أنني هكذا ولدت.. إيهٍ يا رحمة.. إيه على الأيام.. ترى من سيشتري هذه الخبزات الثلاث.. بعت ثلاث خبزات أخريات.. مر النصف الأول من اليوم وبالكاد تساويت مع ما أنفقته.. ثلاث خبزات فقط تصنع الفارق.. من يشتري؟.. هل أنادي على المارة كما يفعل أصحاب الخضر في السوق لبيع بضاعتهم أم أظل واجمة هكذا بلا حراك؛ يدي اليسرى على خدي واليمنى مطوية على فخذي ونظرة قد يراها البعض استعطافا وقد يراها البعض الآخر مليئة بالصراخ؟.. إنني لا أقوى على فتح فمي بنداء.. كل ما أفعله هو ملاقاة أمل، كثير الكذب قليل الصدق، كلما ألقى رجل أو امرأة بنظرة جانبية على خبزاتي وانصرفا.. يكبر الأمل قليلا حينما تكون النظرة مباشرة.. أشعر بانفراجة أمل.. وينتابني الإحساس بأن خبزاتي تحظى، على الأقل، باهتمام.. يمر وقت طويل دون أن أحظى بنظرة مماثلة تعيد إلي الحياة وتشعرني أنني أنغمس في واقع حقيقي فأبيع خبزاتي وأعود إلى الدوار محملة باحتياجات الدار.. لا شيء من ذلك يتحقق.. فعادة ما أعود وأنا محملة بما تبقى من حملي من الخبز حتى أصبحت أشك في إنني لا أنصب فرشتي إلا لكي أهمس إلى نفسي، مرات ومرات، بأنها لم تعد تحظى حتى بالحق في حياة.. حتى قطط الدوار وكلابها لا تحمل الهم الذي أحمله.. إيه يا رحمة.. القطة “ليكة” لا شك أنها الآن تنعم بنوم الظهيرة تحت ظل مديد وحولها صغارها.. أنهت يومها وأنت لا تزالين تستجدين أملا لا تعرفين نهايته.. يا لها من حياة قاسية.. هذه امرأة قادمة.. إنها تكاد تلتهم الخبز بعينيها.. يا لفرحتي.. مرحبا.. مرحبا.. تفضلي.. خبز طري..
– صدقة لله.. رحمة على الوالدين..
لا يفجأني حدث كهذا.. لقد اعتدت عليه.. في العادة أرد دعاء بدعاء.. تدعو لي امرأة تريد صدقة فأدعو الله لها أن يسهل أمرها فتمضي.. لكن هذه المرأة مصرة:
– أرجوك.. إني أتضور جوعا..
تأملت وجهها كأنني أكتشف فيه وجهي.. خبرتي تقول لي إن هذه المرأة لا يمكن أن تكون كاذبة.. لماذا لا أعطيها ما تبقى من الخبز وأنصرف.. مشكلتي ليست في بيع الخبز.. مشكلتي مع زوجي مجيدو الذي وضعني في حسرة تتكرر كل يوم.. رجل بدون رجولة.. يعول علي في كل شيء بينما يكتفي بكوب شايه مع الحشاشين في مقهى الدوار.. أنا والدابة سيان عنده.. لم يكفه أنني لا أزال أعاني من ألم الظهر.. أحمال الحطب الذي كنت أنقلة من الغابة إلى فرن بالمدينة أيام شبابي لا تزال تثقلني بألامها.. غيَّر وظيفتي وألزمني ببيع الخبز.. أي رجل هذا؟.. لكن كيف ستعودين يا رحمة بدون ربح.. لا شأن لي..
– هاك خذي كل هذا الخبز
ليفعل مجيدو ما يشاء.. سأحزم أمري وأعود.. الدم يفور من رأسي.. هكذا رآني رسام.. وهكذا أخرجني قاص من الإطار.. أنا سأرسم لوحة حقيقية لـ”مجيدو” حين أقسم رأسه بمطراح الخبز.. وليكن ما يكون.
……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………
لا تستغرب دخلت إطارا جديدا من حديد.. لأول مرة أعرف لماذا أنا في سجن.

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق