حَبٌّ في الكَفّ

موقع الكتابة الثقافي art 45
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد الهادي المهادي

شهورٌ طويلة وهو يقطع المدينة، راجلا، ذهابا وإيابا، من جنوبها إلى شمالها، مرتين في اليوم، دون أن يعوقه حرّ أو يُثَبّطه برد، حتى إنه ليتذكر أن ألمَ الرأس الحادّ الذي كثيرا ما أقعده في البيت قد زايله تلك الشهور، بل ولم يَزُرْه أي مرض خلالها مطلقا.

كان يضبط جيدا وقت مرورها من ذلك المنعطف، قادمةً إليه من زقاق مرشان العتيقة، فكان يقف غير بعيد عنه، تحت شجرة مورفة، يُملّي نظرَه بطلعتها البهية وجمالها الفطريّ. وما أكثر المرّات التي كان يسلك فيها اتجاها مُعاكسا لمرورها حتى ينظر إليها وهي مُقبلة، وما إن تقترب منه حتى يتلصّص على عينيها ليعرف مدى انتباهها لحضوره.

أيام وأسابيع مرّت دون أن يَحظى منها ولو بنظرة طائشة، وهذا ما كان يفرحه ويفطر قلبه في الآن نفسه؛ أدرك أنها “بنت الناس” لا تعرف سوى طريق الفضيلة، “ولكن هذا لا يمنع من عِـتْـقِي ولو بنظرة” قال لنفسه ذات صباحٍ بارد.

أسوأ أيامه وأبطؤها كانت أيام العطل المدرسية، حينما كان يتوقف مسيرها نحو ثانويتها، ومع ذلك كان، في بعض الأحيان، يزور “منعطفَه” الأثيرَ لعلّ صدفة تجود عليه بلقاء.

انتباهها لوجوده تطلّب منه مداومة وصبرا وتنويعا في الوسائل؛ حركات، ولباس، ونظرات.

أخيرا أقبل الربيع، وتفتّحت الأزهار في منحدرات مرقالة والحافة وغرسة غنّام، واكتست صخرة “للاجميلة” ببهاءٍ غير مسبوق، وطارت الفراشات جَذْلى، بل إن “بّا العربي” أقسم بأغلظ الأيمان لأصدقائه في مقهى “حَنَفْطَه” أن نوعا نادرَ الزركشة شاهده هناك لأول مرة خلال عمره الطويل، بينما حلّقت العصافير مزقزقة أزواجا أزواجا باحثة عن مواقع آمنة لأعشاش دافئة؛ لقد انتبهت أخيرا، وها قد أصبح لوجوده معنى. كان يوم الجمعة حينما رفعت إليه رأسها، والشمس في كبد السماء شاهدة، وأحرقت مُهجته بنظرة خاطفة.

قال لنفسه، وطيور فؤاده تغرّد في حبور: “شَافْتْ فْيَّ… إذا أنا موجود” !

نزل راجعا إلى البيت منتشيا كقائد عائدٍ من فتح. لا يتذكر ـ لحد الآن ـ ما الطُرُقُ التي سلكها، ولا الزمن الذي قطعه. “مرفوعا” في عِلّيّين كان، حتى إنه لم ينتبه لسيارة احتكت عجلاتُها عن يمينه وكادت تدهسه.

في تلك الليلة، وعلى غير عادته، نام باكرا، كجندي هدّته توالي المعارك، واستمتع بأحلام دافئة؛ لقد أزهر بستانُه، وها هو ينتظر إثمارَه وقِطافَه.

“طلع الصباح باكرا هذا اليوم”، قال لوالدته التي وقفت خلف باب الحمام تستمع لغنائه ودندناته وهو يحلق وجهه. وعندما غادر مُقبّلا رأسَها ويدَها لم يكن ليخفى عليها التّغيّر الذي طرأ عليه فجأة. ابتسمت في مكر، وودّعته وهي تدعو له بغير كلمات.

كرّت عليه أيام لذيذة، كان خلالها يَقنع بنظرة خاطفة تُرسلها له عصفورتُه من بعيد، وبالتفاتة سريعة قبل أن تختفي مُنعطفةً في الزُّقاق المؤدي للمدرسة. لم يجرؤ ولو مرّة واحدة على محادثتها، ولم يفكرّ في ذلك، كانت صاحبة هيبة.

ذات مساء، وبينما هو يَتقلّبُ في “مقامه” ينتظر شروق “شمسه” زمن الغروب، إذ ببعض أصدقائه من حيّه القديم يَقْدِمون عليه ضاحكين؛ التفّوا حوله في احتفاء وضجّة، وأشعل أحدهم لفافة حشيش، سرعان ما توهّجت بين شفتيه الغليظتين ، وترك دخانَها يتصاعد إلى الأعلى في نشوة. وفي نفس اللحظة التي مرّت نوال رفقة والدتِها بجانبهم، تقيّأ أحدهم كلمة فاحشة، لم ينتبه لوجودهما إلا بعد فوات الأوان. وفي أقل من طرفة، التقتْ عيناه بعينيها، أدرك خلالها ـ في حرقة و أسى ـ أن هذا “الشيطان” قد أفسد كلّ شيء. وعندما رفع رأسه من إطراقته، أحسّ بغصّة في حلقه وهو يراقب الحمام يطير بعيدا بينما بقي الحَبّ كاملا في عمق كفّه.

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق