“حوار مع الخالدة” .. حديث عن قضية اللغات مع آسيا جبار

فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حاورها:  David A. Andelman رئيس تحرير World Policy Journal   

ترجمة: محمود حسني

في عام 1635، أسس الكاردينال ريشيليو –رئيس وزراء الملك لويس الثالث عشر- معهد عُرِف بالأكاديمية الفرنسية. حيث كانت ومازالت مهمته إلى اليوم أن يكون بمثابة الحارس على سلامة وقدسية اللغة الفرنسيةز يبلغ عدد أعضاء الأكاديمية 40 عضوا، يتم اختيارهم من قِبل أقرانهم في نفس تخصصاتهم. ولا يحصل عضو جديد على كرسيّ إلا بوفاة عضو سابق. وكل مقعد في هذه اللجنة يحمل اسم أول عضو جلس عليه عام 1635. ولذلك تم تسميتهم بالخالدين. كل خميس، يجتمع الأعضاء تحت قبة المعهد الفرنسي الذي يحتل الضفة اليسرى من نهر السينن حيث يطل على جسر بونت دي آرتس منذ تشييده من قبل خليفة ريشيليو –الكاردينال مازارين- في القرن السابع عشر. واليوم، يعمل أعضاء اللجنة على النسخة التاسعة من القاموس الفرنسي الرسمي. النسخة الأخيرة "الثامنة" أُكمِلت عام 1935، والجزء الأول من النسخة التاسعة ظهر عام 1992. ومنذ ذلك الوقت، استأنف أعضاء الأكاديمية وتيرة العمل، ونُشِر الجزء الثاني من النسخة التاسعة عام 2000. فالخالدون مجموعة نخبوية بامتياز؛ فشخصيات فرنسية بارزة في اللغة والسياسة تم تجاهلها من قبل هذه اللجنة. وعلى مدار السنوات، روسو، سارتر، بالزاك، ديكارت، ديدرو، فلوبير، موليير، بروست، فيرن، زولا، تم تجنبهم جميعا لسبب أو آخر. 

حاورها:  David A. Andelman رئيس تحرير World Policy Journal   

ترجمة: محمود حسني2

في عام 1635، أسس الكاردينال ريشيليو –رئيس وزراء الملك لويس الثالث عشر- معهد عُرِف بالأكاديمية الفرنسية. حيث كانت ومازالت مهمته إلى اليوم أن يكون بمثابة الحارس على سلامة وقدسية اللغة الفرنسيةز يبلغ عدد أعضاء الأكاديمية 40 عضوا، يتم اختيارهم من قِبل أقرانهم في نفس تخصصاتهم. ولا يحصل عضو جديد على كرسيّ إلا بوفاة عضو سابق. وكل مقعد في هذه اللجنة يحمل اسم أول عضو جلس عليه عام 1635. ولذلك تم تسميتهم بالخالدين. كل خميس، يجتمع الأعضاء تحت قبة المعهد الفرنسي الذي يحتل الضفة اليسرى من نهر السينن حيث يطل على جسر بونت دي آرتس منذ تشييده من قبل خليفة ريشيليو –الكاردينال مازارين- في القرن السابع عشر. واليوم، يعمل أعضاء اللجنة على النسخة التاسعة من القاموس الفرنسي الرسمي. النسخة الأخيرة “الثامنة” أُكمِلت عام 1935، والجزء الأول من النسخة التاسعة ظهر عام 1992. ومنذ ذلك الوقت، استأنف أعضاء الأكاديمية وتيرة العمل، ونُشِر الجزء الثاني من النسخة التاسعة عام 2000. فالخالدون مجموعة نخبوية بامتياز؛ فشخصيات فرنسية بارزة في اللغة والسياسة تم تجاهلها من قبل هذه اللجنة. وعلى مدار السنوات، روسو، سارتر، بالزاك، ديكارت، ديدرو، فلوبير، موليير، بروست، فيرن، زولا، تم تجنبهم جميعا لسبب أو آخر. 

عام 2005، اُختِيرت آسيا جبار للمقعد الخامس والذي يحمل اسم “جان أوجي دي جومبو” الكاتب المسرحي والشاعر الفرنسي الذي عاش ما بين عامي 1576 و 1666 وكان أول من جلس عليه في الأكاديمية. وآسيا هي أول عضوة من شمال أفريقيا والبلاد الناطقة بالعربية. في الآونة الاخيرة، عادت الكاتبة ذات الـ 75 عاما من الولايات المتحدة إلى فرنسا؛ حيث كانت تدرس الفرنسية لسنوات عديدة بجامعة نيويورك وجامعة ولاية لويزيانا.

لم يمض وقتا طويلا بعد عودتها، ها هي تجلس في شقتها المطلة على منطقة بير لاشين، حيث الكثير ممن سبقوها إلى مقاعد لجنة الخالدين يرقدون في سلام. ومع ديفيد أ. أندلمن رئيس تحرير الصحيفة و شارلوت بودلفسكي مساعد رئيس التحرير الشرفي، تناقشت حول العربية والفرنسية ودوريهما في العالم وأمور أخرى.

– في كتابك “الجزائر البيضاء”، هناك الكثير من الإشارات إلى اللغة. لغتك الأم هي العربية. ما هو دور كل لغة منهما (الفرنسية – العربية) في عالم به مثل هذه التقسيمات من الدول واللغات؟

ولدت في الجزائر في وقت كانت مستعمرة فرنسية. والدي كان معلم لغة فرنسية. في الحقيقة، كان جزائريا يتحدث بالعربية في المنزل؛ وفي الوقت نفسه معلما يُدرِّس الفرنسية للطلبة. في البداية، كنا نعيش في قرية صغيرة نائية وسط الجبال. هناك كان والدي يعلم الفرنسية. ولقد تعلمنا الحديث والكتابة بها في المدرسة. ولكن في المنزل، عندما تتحدث أمي بالعربية، كان جميعنا يتحدث بها. أما بخصوص العربية أدبيا، فهي لغة القرآن. وفي ذلك الوقت، كان من النادر أن تجد أحد في بلدتنا يمكنه الكتابة بها. بعد ذلك، عندما بدأت أسافر لبلدان أخرى، وجدت أن الوضع عندنا مشابه لما عليه الحال عند جيراننا في تونس والمغرب. باستثناء أنهما كانتا أكثر استقلالية عن فرنسا من الجزائر التي كانت تحت سيطرة حازمة كمستعمرة فرنسية حقيقية. فدخولك المدارس كان يعني أنه لا مفر من تعلم الفرنسية.

– وكيف سارت الأمور بشأن اللغة العربية بعدما تحررت الجزائر؟

بدأوا في تعليم اللغة العربية بالمدارس. ولكنهم استمروا أيضا في تعليم الفرنسية. لماذا؟ لأنهم وجدوا أن العربية يمكن التحدث بها بين الناس في الشارع أو على المقاهي. ومن ناحية أخرى، فهي تمكننا من التواصل مع باقي الدول العربية. ولكنهم في الوقت نفسه أدركوا أنه تعلم الفرنسية يعني القدرة على التواصل مع العالم.

– هل تفضلين الكتابة بالعربية أم الفرنسية؟

الفرنسية بالتأكيد، فلغتي العربية بدائية للغاية. في الوقت الذي ولدت فيه، كان النخبة من المسلمين الجزائريين يرسلون أولادهم للمدارس لتعلم الفرنسي كي يتمكنوا من أن يصبحوا أساتذة في الجامعة أو أطباء. الآن، بدأوا في تعليم اللغة العربية الفصحى، لذ، فالفجوة بين استخدام اللغتين في المجتمع الجزائري آخذة في التقلص.

– ما هو دور الأكاديمية الفرنسية اليوم؟

أنا نفسي اتسائل، فأنا أشارك في المناقشات الأسبوعية، حيث نأخذ كلمة ما ونبدأ في تحليلها واستخدامها في سياق معين وتوظيفها كجزء من الجمل التعبيرية.

– فيما يخص اساءة استخدام اللغات، هل تظنين أنه يمكن إساءة استخدام العربية بشكل أكثر سهولة من الفرنسية؟

العربية كما هو الحال مع الفرنسية، لديها فروقها الدقيقة. فاللغة العربية ثرية للغاية. ويمكنك اللعب بتعبيراتها بنفس الدرجة التي يمكنك فعل الأمر ذاته مع الفرنسية. كلاهما لديه طبيعته الخاصة. عند الحديث إلى مجموعة من العرب، يمكنني الشعور بأن العربية معاصرة جدا، وليست ميتة كما يدعي البعض. الأمر لا يتعلق فقط بالفروقات الدقيقة، ولكن له علاقة باستخدام اللغة على عدة مستويات مجتمعية.

– ماذا عن حذف الكلمات التي من المحتمل أن تجعل اللغة تحمل مضامين عدوانية، كي لا نشجع على العنف؟

لا اعتقد أنه يمكن أن نحذف كلمة من لغة ما. العربية من الممكن أن تكون أنيقة للغاية. لو تحدثت إليّ بالعربية سوف أرد عليك بشكل صحيح للغاية -لغة عربية فصحى. في الحقيقة، أخشى سواء تعلق الأمر بالعربية أو الفرنسية ألا أعرف الكلمات التي من الممكن أن تكون فظّة أو متذلة.

– ولكنك كل خميس، تجتمعين مع أعضاء “الخالدون” لتتناقشوا حول أسئلة كهذه، أليس كذلك؟ ماذا تقولون بخصوص هذه الأمور؟

انظر! لدي لكثير من الاحترام لهذه اللغة التي استخدمها. الفرنسية لغة جميلة. لدي الكثير من الاحترام لكل لغة. ومع ذلك، عندما اسمع العربية يتحدث بها، أجد كلمات فظّة تستخدم. أنا لا أرد على الشخص الذي يستخدم مثل هذه الكلمات. ولو رددت عليه، سوف يكون ردا بالعربية الفصحى. كل لغة لديها وجهيها القبيح والجميل. هذا كل ما في الأمر.

– هل اللغة الدقيقة المستخدمة في الأكاديمية متفوقة على غيرها من أشكال الفرنسية؟

ليس في كل الأوقات، أحيانا اقتراح كلمة وكل واحد منّا يبدأ في إعطائها تعريفا دقيقا أو مجموعة من التعريفات. هناك أوجه متعددة لكل لغة. في الشارع، ربما تجد وجه واحد من اللغة. وسوف تسمع لغة سيئة مبتذلة. ونحن نعرف أنها مبتذلة، يمكننا معرفة ذلك حتى من إيقاعها. ولكن أحيانا في كتاب أو رواية، تجد كلمة لم ترها من قبل. ربما تكون مبتذلة، ولكنها معتمدة على نوع الشخصية الروائية التي يسعى المؤلف لخلقها.

– للفرنسية معهد خاص مصمم لكي يكون حارسا على نقاء اللغة. هل تقترحين أن يكون هناك شيء كهذا للإنجليزية أو العربية، لكي يضمن نقاء اللغة؟

اللغة شيء حيّ. لها وجهها الأكثر جمالا لو تحدثت بشيء من الأدب، أو تحدثت عن الفروقات الدقيقة. العلاقة بين كل فرد منّا واللغات شخصية للغاية. لقد حاولت أن استخدم في الفرنسية كلمات مفهومة عالميا في اللغات الاخرى. هذا بالضبط ما أقصده. نقاء اللغة ما هي إلا فكرة لها تصور مختلف عند كل فرد منّا. لو أنا غاضبة، لا أدري كيف يمكن أن أهين الآخرين بكلماتي. لا أعلم هذه الكلمات التي تهين الآخرين. قد أفكر بشكل سيء للغاية ولكنني لن أتحدث عما فكرت لأني ل أعلم ما هي الكلمات التي يجب عليّ استخدامها في هذا الوقت.

– أي لغة أو لغات تنصحين الشباب أن يتعلمها هذه الأيام؟

لو كان لي أن أعطي نصيحة، سوف أقول أنه على كل واحد منهم أن يتعلم لغته الأم جيدا للغاية. فهي لغة عائلتك. ثم بعد ذلك سوف اختار تعلم لغة البلد التي اقيم بها. وإن كان عملك يحتاج لتواصل مع الآخرين من لغات أخرى فستحتاج لأن تتعلمها بالتأكيد كي تتمكن من التواصل معهم.

– نحن مع الوقت نتحول لمواطنيين عالميين، شيء فشيء لن يعد هناك مواطن فرنسي وآخر أمريكي .. كيف ترين هذا الامر؟

المشكلة تكمن في السؤال: أي لغة يجب أن يتعلمها الأطفال بعد لغتهم الأم؟ في العربية، هناك مشكلة اللهجات المتعددة. في الكثير من الأحيان، لا يكون لديك خيار حقيقي، فهناك اللغة الأم وهناك اللغة الثانية التي تتعلمه في المدرسة أو التي تحتاجها بشكل أساسي كي تتواصل مع الآخرين في المجتمع. الأمر في كثير من الأوقات يعتمد على طبيعة عملك، أو الاحتلال الذي وقعت تحته بلادك. لا أرى أن هناك لغة تتفوق على أخرى-هذه قاعدة. الإنجليزية هي الأكثر استخداما وتحدثا للكثير من الأسبابز اللغة بامتدادها تتبع تأثير الأمة التي تهيمن عليها. لو كنت في الجزائر أو فرنسا ولا تتحدث الفرنسية، سيكون لهذا أثر سلبي عليك بالتأكيد.

– لدي انطباع أنكِ مرتاحة أكثر في العودة إلى وطنك- العالم الفرانكفوني، أهذا صحيحا؟

ليس صحيحا في الواقع، لأنني عندما كنت في نيويورك، كنت أدرس الفرنسية. هنا لديّ عائلتي حولي. لذا قررت العودة في هذا العمر. ولكنني كنت سعيدة في نيويورك. أحب ممارسة السير في المدينة. بالتأكيد بينما أدرس الفرنسية يمكنني أيضا استخدام الإنجليزية. أجدها أسهل على الرغم من أنني اقرأ الإنجليزية أكثر من تحدثي بها.أتدرين أظن أن مستوايّ توسط عندما أتحدث بالعربية. فبها الكثير من الفروقات الدقيقة. ومن بلد لأخرى هناك اختلافات في طريقة النطق.

– هناك الكثير من اللغات على وشك الاختفاء، أو اختفت بالفعل. هل يتسبب ذلك في صدمتك؟ هل ما يحدث يدل على فقر ثقافات بعينها؟

نعم، أظن ذلك، ولكنني أشك في أنه قد حدث وفقدنا لغة بكاملها. ربما تصبح أكثر فقرا، أقل اهتماما فيما يخص الفروقات الدقيقة. بالطبع سوف تختفي لو توقف الناس تماما عن التحدث بها. أجد أن كل اختفاء من هذا النوع بالتأكيد هو شيء يبعث على الحزن.

* نشر بجريدة القاهرة بتاريخ 10 فبراير 2015

مقالات من نفس القسم