حوارى المجهول مع نجيب محفوظ .. الحكاية والنص الكامل!

حوارى المجهول مع نجيب محفوظ .. الحكاية والنص الكامل!
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قد يكون من المناسب قبل قراءة هذا الحوارالطويل الذى أجريته مع الراحل نجيب محفوظ فى العام 1990 أن أحكى لكم قصته بإيجاز . كنت وقتها صحفيا فى بداية المشوار، أعمل كصحفى حر فى مكتب جريدة "الأنباء" الكويتية بالقاهرة،  رئيس المكتب جميل الباجورى هو الذى منح جيلنا فرصة العمل، فى وقت كانت الجريدة الكويتية، تكاد تصدر صحيفة إضافية يجمع مادتها مكتب القاهرة، مختصة بالشأن المصرى من الفن والمجتمع الى السياسة وأخبار الجريمة، ولكن فرصة إجراء حوار مع محفوظ جاءت من خلال التعاون مع مطبوعة أخرى مرموقة فى تلك السنوات هى "اليوم السابع" الباريسية، كان مدير مكتبها بالقاهرة حسين شعلان الصحفى المعروف بجريدة الأهرام، طلب منى أن أقدم أفكارا لتنفيذها، سياسية وأدبية، المجلة ذات التوجه القومى والداعم للقضية الفلسطينية كانت تحظى باحترام كبير فى مصر، بالذات فيما يتعلق بقسمها الثقافى الذى كان يدير تحريره الصحفى اللبنانى بيار أبى صعب، وافق بيار على فكرتى التىى أرسلها إليه شعلان  بإجراء حوار مع محفوظ فى محور لم يتحدث عنه هو قصصه القصيرة، الحوار بأكمله حول هذه الزاوية فقط، وكانت المناسبة صدور مجموعة قصصية جديدة لمحفوظ فى تلك الفترة بعنوان "الفجر الكاذب"، ذهبت الى مكتب محفوظ فى "الأهرام"، حددوا لى موعدا يوم الثلاثاء، كانوا يجمّعون مواعيده فى يوم واحد، قرأت "الفجر الكاذب" وكتبت عنها مقالا نشر قبل العدد الذى نشر فيه الحوار، كنت قد قرأت بعض المجموعات القصصية لمحفوظ، ثم ذهبت الى دار الكتب، فاستكملت على مدى عدة أيام قراءة بقية المجموعات، أعددت الأسئلة مكتوبة، سعدت عندما علمت أننى آخر اللقاءات المرتبة،  مما سيتيح لى فرصة أكبر للحديث، عندما دخلت قابلت لأول مرة الراحل أسامة أنور عكاشة خارجا من مكتب محفوظ بصحبة شخص آخر، كان أسامة  سعيدا، ظهرت على وجهه فرحة غامرة، عرفت فيما بعد أن محفوظ أثنى عليه، ووصفه بأنه رائد الأدب التليفزيونى.

قد يكون من المناسب قبل قراءة هذا الحوارالطويل الذى أجريته مع الراحل نجيب محفوظ فى العام 1990 أن أحكى لكم قصته بإيجاز . كنت وقتها صحفيا فى بداية المشوار، أعمل كصحفى حر فى مكتب جريدة “الأنباء” الكويتية بالقاهرة،  رئيس المكتب جميل الباجورى هو الذى منح جيلنا فرصة العمل، فى وقت كانت الجريدة الكويتية، تكاد تصدر صحيفة إضافية يجمع مادتها مكتب القاهرة، مختصة بالشأن المصرى من الفن والمجتمع الى السياسة وأخبار الجريمة، ولكن فرصة إجراء حوار مع محفوظ جاءت من خلال التعاون مع مطبوعة أخرى مرموقة فى تلك السنوات هى “اليوم السابع” الباريسية، كان مدير مكتبها بالقاهرة حسين شعلان الصحفى المعروف بجريدة الأهرام، طلب منى أن أقدم أفكارا لتنفيذها، سياسية وأدبية، المجلة ذات التوجه القومى والداعم للقضية الفلسطينية كانت تحظى باحترام كبير فى مصر، بالذات فيما يتعلق بقسمها الثقافى الذى كان يدير تحريره الصحفى اللبنانى بيار أبى صعب، وافق بيار على فكرتى التىى أرسلها إليه شعلان  بإجراء حوار مع محفوظ فى محور لم يتحدث عنه هو قصصه القصيرة، الحوار بأكمله حول هذه الزاوية فقط، وكانت المناسبة صدور مجموعة قصصية جديدة لمحفوظ فى تلك الفترة بعنوان “الفجر الكاذب”، ذهبت الى مكتب محفوظ فى “الأهرام”، حددوا لى موعدا يوم الثلاثاء، كانوا يجمّعون مواعيده فى يوم واحد، قرأت “الفجر الكاذب” وكتبت عنها مقالا نشر قبل العدد الذى نشر فيه الحوار، كنت قد قرأت بعض المجموعات القصصية لمحفوظ، ثم ذهبت الى دار الكتب، فاستكملت على مدى عدة أيام قراءة بقية المجموعات، أعددت الأسئلة مكتوبة، سعدت عندما علمت أننى آخر اللقاءات المرتبة،  مما سيتيح لى فرصة أكبر للحديث، عندما دخلت قابلت لأول مرة الراحل أسامة أنور عكاشة خارجا من مكتب محفوظ بصحبة شخص آخر، كان أسامة  سعيدا، ظهرت على وجهه فرحة غامرة، عرفت فيما بعد أن محفوظ أثنى عليه، ووصفه بأنه رائد الأدب التليفزيونى.

استقبلنى محفوظ بحرارة وكأنه يلتقى شخصا يعرفه، إنسان بسيط وشديد التواضع يذكرك بالموظف المصرى الخالد، رحب كثيرا بالحديث عن أشياء جديدة بعد أن شبع من الأسئلة المكررة إثر هوجة حوارات ما بعد نوبل، سألوه أحيانا عن نوع “الملوخية” التى يحبها، كان لا يرفض الإجابة، ويحوّلها فى الغالب الى تعليقات ساخرة، فورا بدأنا الحوار، نشر الحوار فى مجلة “اليوم السابع” عدد الإثنين 20 تموز( يوليو) 1990، أى قبل غزو العراق للكويت بأيام، واحتل مساحة صفحتين ونصف الصفحة مع صورة كبيرة لمحفوظ، ودون أن يحذفوا منه سطرا، رأيت أن أعيد نشر الحوار لسبب أساسى هو أنه لم تشمله أى بيبلوجرافيا عن حوارات محفوظ، رغم أن “اليوم السابع” الباريسية كانت معروفة ومقروءة على نطاق واسع فى القاهرة، ورغم الأصداء الواسعة الجيدة التى حققها نشر الحوار، مما ساعدنى كثيرا على استكمال مسيرتى المهنية، وكنت قبل ذلك قد نشرت حوارا طويلا مع الراحل فتحى غانم فى نفس المجلة، التى أشعر تجاهها بالإمتنان، وكذلك أشعر بالإمتنان للصحفى الكبير حسين شعلان، والآن الى النص الكامل للحوار كنوع من التوثيق، لعله يكون مفيدا لمن يهتمون بأدب وعالم نجيب محفوظ، وبفهم أفكاره وجمع آرائه ووجهات نظره المختلفة.

 

نجيب محفوظ يُحدّث “اليوم السابع” عن قصصه القصيرة : أكرر نفس الفكرة فى أكثر من قصة حتى أتحرّر من الإلحاح

حاوره:   محمود عبد الشكور

عن دار مصر للطباعة، صدرت مؤخراً للروائى الكبير “نجيب محفوظ” مجموعة قصصية بعنوان “الفجر الكاذب”، ورغم أن إنجاز محفوظ المتميّز كان روائياً بالدرجة الأولى، إلا أن إنجازه فى مجال القصة القصيرة لا يقلّ عنه أهمية، فهو بلا جدال أحد أكبر كتّابها فى العالم العربى، والطريف أن أولى تجاربه فى النشر كانت من خلال مجموعته القصصية الأولى “همس الجنون” (1938) ، وأحدث وآخر إبداعاته هى أيضاً مجموعة قصصية وهى “الفجر الكاذب” . “اليوم السابع” التقت محفوظ لمحاورته حول مجموعاته القصصية وإنتاجه الغزير فى ميدانها،  خاصة مع تجاهل معظم النقاد لهذا الجانب المتميز فى إبداعه الأدبى.

إبداع محفوظ القصصى مازال يحتاج اليوم مزيداً من الدراسة، فهو غزير ومتنوع ومتميّز أيضاً، وخلال خمسين عاماً من الإبداع والتطور الروائى القصصى، نستطيع القول أن هناك تشابها فى ملامح التطور القصصى والروائى فى أدبه. كانت البداية فى مجال القصة القصيرة (تماما كالرواية) بسيطة ولكنها لافتة ومبشّرة أيضاً، فرغم بساطة الحكى، وكثرة التفاصيل والأحداث والشخصيات فى القصة الواحدة، إلا أن أفكار العديد من قصصه الأولى بدت لامعة ومثيرة للجدل والنقاش، فى قصة مثل “همس الجنون” عنوان مجموعته الأولى، يصف محفوظ تلك اللحظة التى تنقل إنساناً من العقل الى الجنون: موظف هادئ تماماً لايثير الإنتباه يكتشف فجأة جنون الحرية أو حريته المجنونة، فيمزق ملابسه، ويسير عاريا فى الطريق، ونشعر طوال القصة أن هذا الرجل ليس مجنوناً تماماً، او هو ربما اختار لعقله أن يكون مجنوناً، ألا يفعل الإنسان ذلك أحياناً؟

وفى “بدلة الأسير” فى نفس المجموعة، يذهلنا محفوظ بتلك الفكرة البسيطة والمعقدة، المصرية والإنسانية فى نفس الوقت، والتى يصف بها هذا الموقف: “جحشة” بائع السجائر، أراد أن يظهر لأول مرة، وربما لآخر مرّة، أنيقاً أمام فتاته، انتهز فرصة توقف القطار الذى يحمل الأسرى الإيطاليين أثناء الحرب العالمية الثانية، أعطى أحد الأسرى علبة سجائر، وأخذ منه بذلته العسكرية، فجاة تنطلق عذة رصاصات تصرع “جحشة”. لقد اعتقد الحراس أنه أسير هارب من القطار. تنتهى القصة ، ولاينتهى مغزاها الإنسانى والمصرى أيضاً.

بعد “همس الجنون”، توقف محفوظ عن كتابة القصة القصيرة تماماً، وتفرّغ لكتابة إنجازاته الروائية الهامة، ولكنه عاد الى القصة القصيرة، وبشكل أكثر نضجاً فى مجموعته “دنيا الله” (1962). كتب محفوظ هذه المجموعة، وما بعدها من مجموعات، بعد ان بدأ مرحلة جديدة فى إبداعه الروائى خصوصاً والأدبى عموماً، حيث أصبح لايهتم بالتفاصيل مثل اهتمامه بالأفكار والرموز، وربما كانت القصة القصيرة وعاءً جيداً يصبّ فيه تلك الأفكار، يلاحظ فى تلك الفترة تقارباً لافتاً بين موضوعات قصصه وموضوعات رواياته وكأنه يريد أن يستنزف الفكرة تماماً،  فيصبّها فى اكثر من شكل فنى أو أدبى. قصة “زعبلاوى” مثلا فى مجموعة “دنيا الله” تكاد تماثل رواية “الطريق” من حيث الفكرة. محفوظ يبدأ القصة على لسان الراوى هكذا: “اقتنعتُ أخيراً بأن علىّ أن أجد الشيخ زعبلاوى. ولكن من هو الشيخ زعبلاوى؟ لقد سأل والده عنه فقال له: فلتحلّ بك بركته، إنه ولىّ صادق من  أولياء الله وشيّال الهموم والمتاعب ولولاه لمتّ غمّاً.. ” ، وتنتهى القصة والراوى مازال يبحث عن “زعبلاوى” أملاً فى الخلاص والراحة تماماً كما كان “صابر الرحيمى” يبحث فى رواية “الطريق” عن والده المفقود أملاً فى الحياة بكرامة، إنه سعى الإنسان المستمر للوصول الى تلك القوة الروحية أو ذلك المطلق الذى لاحدود له، وماعدا ذلك هو الضياع المحقق .

بعد “دنيا الله” توالت مجموعات محفوظ الهامة مثل “خمارة القط الأسود”، وأهمية هذه المجموعة التى صدرت عام 1969 تكمن فى أنها بداية لظهور الخمارة/ الحانة كمعادل موضوعى، وكمكان مفضّل يستخدمه محفوظ ببراعة لينقل الى القارئ كل مايريد من أفكار مجردة أو فلسفية، وهكذا انضمت الحانة الى الثنائى الأشهر عند محفوظ وهما الحارة والمقهى، فى قصته “البارمان” فى هذه المجموعة، “فاسيليادس” ليس مجرد بارمان لخمارة صغيرة مهمته الإستماع لهموم زبائنه ومتاعبهم، والرد عليهم بعبارة واحدة هى:” لابأس.. خذ واشرب”، إنه لا يعبر عن منطقه الشخصى كبارمان محترف بقدر ما يعبّر عن منطق الحياة، فاسيليادس إذن يقدم لزبائنه كأس الحياة التى لابد أن يشربها البشر حتى الثمالة رغم متاعبهم وآلامهم …

ومع مجموعة “تحت المظلة” التى نشرت بعد النكسة فى عام 1969، ظهر الحدث اللامعقول قوياً ومسيطراً على قصص محفوظ . فى قصة “تحت المظلة” مثلاً، مجموعة أشخاص يقفون تحت المظلة فى يوم ممطر، الذهول يسيطر عليهم وهم يرون ما يحدث أمامهم، سيارات تتصادم، وجثث تُمزّق، رجال ونساء يمارسون الحب علناً تحت المطر، شرطى صامت يراقب ما يحدث بهدوء يُحسد عليه، كل الشخوص تحررت من الأسماء وتحوّلت الى رموز تشاهد وتشارك فى حدث لامعقول، ليس صعباً إذن أن نكتشف أن محفوظ يصف مجتمع مصر فى مرحلة ما بعد النكسة.. فى تلك المجموعة أيضاً، ظهر الحوار طاغياً على السرد والوصف حتى تحولت بعض هذه القصص الى ما أسماه بعض النقاد “القصة الحوارية”. فى تلك الفترة أيضاً، بدأ محفوظ فى كتابة شكل جديد يمزج فيه بين القصة القصية والرواية، فكتب “المرايا” (1972)، و”حكايات حارتنا”(1975) ، وهما روايتان تتحدثان عن عدد كبير من الشخصيات، وقد خصّ محفوظ كل شخصية بجزء من الرواية أشبه ما يكون بالقصة القصيرة المستقلة والمرتبطة مع بقية شخصيات الرواية بخيط رفيع متين فى نفس الوقت.

ثم توالت بقية مجموعات محفوظ القصصية مثل “بيت سئ السمعة” (1965) و”حكاية بلا بداية ولا نهاية” (1971) و”الشيطان يعظ” (1979) و “التنظيم السرى” (1984) وغيرها .. وفى كل مجموعة جديدة، تطورت لغة القصة القصيرة عند محفوظ تطوراً يماثل ماحدث للغة الرواية عنده، كانت البداية اللغوية فى قصصه الأولى قوية جزلة بشكل قد يبعد صفة الواقعية عن حوار الشخصيات البسيطة التى يصف مشاعرها . فى قصة “المرض المتبادل” من مجموعة “همس الجنون” جاءت هذه العبارات: “.. فدخلت سيدة مقنّعة رشيقة القامة، وسفرت عن وجه غاب جماله البهىّ خلف تجعدات الألم كوردة بيضاء سطا عليها عجاج الخمسين وقد بادرته هاتفة : الغوث أيها الطبيب” .

ولكن محفوظ بذكائه وقدرته الحرفية المعروفة أدرك ان عليه أن يطوّر لغته، وهكذا استطاع أن يمزج ببراعة بين الفصحى والعامية ألفاظاّ وتراكيب، فى قصة “الحاوى خطف الطبق” مثلاً من مجموعة “تحت المظلة” جاءت هذه العبارات: ” تناولتُ الطبق، ولبست قبقابى، وذهبتُ وأنا أترنّم بأغنية، وجدتُ زحاماً أمام بيّاع الفول فانتظرتُ حتى عثرت على منفذ الى الطاولة الرخامية، وهتفتُ بصوتى الرفيع: بقرش فول ياعم ” .

وهكذا طوّر محفوظ فى القصة القصية لغة وشكلا وأسلوباً بعد أن أضاف إليها الكثير من حيث المضمون والأفكار التى يجب أن تناقشها، والتى ربما كانت القصة لحجمها أكثر تأثيراً وتركيزاً فى عرضها من كافة القوالب الأدبية الأخرى.

والآن .. هل تلك النظرة السريعة لإنتاج محفوظ القصصى كافية لاستكمال الصورة؟ لن تُستكمل الصورة برأيى إلا بالحديث مع محفوظ نفسه حول تصوره لإنجازاته الهامة فى القصة القصيرة.. التقيته فى مكتبه بجريدة “الأهرام”، ورغم إجهاده بعد يوم حافل باللقاءات المتصلة، إلا أنه رحّب بسعادة بالحديث عن جانب لم يتحدث عنه كثيراً هو القصة القصيرة فى أدبه.. وفوراً بدأنا الحوار..

 

الرواية قبل القصة

ـ عندما بدأت تطرق أبواب القصة، كانت البداية بمجموعة قصصية هى “همس الجنون”، لماذا اخترت أولاً الكتابة فى مجال القصة القصيرة؟ وهل من الأفضل أن يبدأ الروائى بالتجريب أولاً فى مجال القصة القصيرة قبل أن يبدع فى المجال الروائى؟

ـ أولاً ليس صحيحاً أننى بدأت بكتابة القصة القصيرة. أنا بدأت أولاً بكتابة الرواية، ولكن تأخر نشر هذه الروايات ونشرت بعد أن نُشرت مجموعتى الأولى “همس الجنون”. الحقيقة أن التجارب الأولى كانت روائية، وستندهش إذا عرفت أنى كتبت القصة القصيرة فى تلك الفترة (الثلاثينات) لا لشئ إلا لأنها كانت اسهل من الرواية فى عملية النشر، ولذلك عندما بدأ الناشرون يقتنعون برواياتى ونشرت أول رواية لى وهى “عبث الأقدار”، نسيتُ القصة القصرة تماماً، وتوقفت عن كتابتها حتى عدت إليها فى الستينات، فالمسألة كما قلت لك لم تكن أكثر من أن القصة القصيرة أسهل فى النشرمن الرواية، فالجريدة أو المجلة لا تستطيع أن تنشر لك رواية مسلسلة فى تلك الفترة، وخصوصاً أننا كنا ما زلنا فى البداية، ولكنها يمكن أن تنشر قصة قصيرة لأنها تأخذ مساحة أقل، فقلت: فلأكتب القصة القصيرة هذه. وأعتقد أنه من الأفضل أن يبدأ الروائى بنشر القصة القصيرة أولاً، هذا طبعاً إذا توافر عنده الإستعداد والموهبة، لماذا؟ لأنه عن طريق القصة القصيرة يمكن أن يصل الى القارئ بشكل أسهل، إنما أن يصل القارئ برواية فهذا من أصعب ما يكون، كما أنه لن يستطيع أن يقنع صحيفة، أو حتى يقنع ناشراً لضخامة حجم الرواية، ولأن الناشر لا يقدر أن يغامر بنشر رواية لأديب لم يصبح له اسم بعد.. الرواية من الصعب أن تقنع جريدة بنشرها لأنك غير معروف، أما القصة الجيدة فمن السهل نشرها فى المجلات، وهذا ما نلاحظه الآن حيث اصبحت القصة القصيرة باباً ثابتاً لاتخلو منه جريدة أو مجلة.

ـ هل لك ملاحظات إذن على مجموعتك الأولى “همس الجنون” التى تقول إنك كتبتها لأنها كانت أسهل فى النشر؟ وكيف ترى الآن الفارق بين “همس الجنون”(1938) و”دنيا الله” (1962) من حيث التقنية والمضمون أيضاً؟

ـ كل القصص التى نشرتها، أو حتى لم أنشرها، قبل “دنيا الله” عام 1962، كنت أكتبها فى الحقيقة وخبرتى فى مجال القصة القصيرة محدودة جداً جداً، فقد كنت فقط قد قرأت بعض القصص القصيرة المترجمة والمنشورة فى الصحف والمجلات المصرية فى تلك الفترة، مثل بعض قصص “موباسان” و”تشيكوف”، فكانت خبرتى فى كتابة القصة محدودة جداً، كما أننى أعترف أيضاً بأننى لم أكن أؤمن بالقصة القصيرة إيماناً كافياً. أنا أساساً كنتُ أكتب المقال الفلسفى، ونُشرت لى فى تلك الفترة عدة مقالات فلسفية، بالإضافة الى أننى كنت أيضاً أعذ نفسى للتفرغ التام لدراسة الفلسفة خاصة فلسفة الجمال التى كانت قريبة جداً لمجال الأدب، لذلك تستطيع أن تعتبر كتابتى للقصة القصيرة فى تلك الفترة نوعاً من “التفاريح”، أى لم أكن آخذ الموضوع على محمل الجد. بعد 1962، شعرت أننى أريد أن أكتب فى هذا الجنس الأدبى (القصة القصيرة)، وأصبحت كتابة القصة القصيرة هدفاً لى تماماً مثل كتابة الرواية، وهذا ربما يفسر لك غزارة الإنتاج فيما بعد فى المجموعات القصصية التى كتبتها فى الستينات والسبعينات وحتى الآن، كل ذلك بسبب انبعاث صادق فى نفسى لأهمية دور القصة القصيرة فى الأدب.

 

 قصة الستينات

بدأت فى الستينات مرحلة جديدة من مراحل إبداعك الروائى، فهل هذا ينصرف أيضاً الى كتاباتك فى ميدان القصة القصيرة؟

غالباً فإننى أعتبر أن القصة القصيرة عندى بدأت فى المرحلة الجديدة التى تتحدث عنها، أى فترة الستينات وما بعدها، حيث بدأت أهتم بالأفكار والمعانى، كنت فى فترة سابقة أهتم بالناس والأشياء والأماكن والتفاصيل الدقيقة، كل هذه الأمور فقدت أهميتها تدريجياً بالنسبة لى، أى أننى لم أعد أهتم بالواقع فى حد ذاته، بل بما وراء هذا الواقع من أفكار وانفعالات، كل هذا ظهر فى القصة القصيرة كما ظهر فى الرواية، أما فى المرحلة السابقة التى تمثلها “همس الجنون”، فنظرا لقلة خبرتى فى تلك الفترة، ونظراً لأننى كنت متفرّغا لكتابة المقال الفلسفى، كل ذلك جعل بعض قصصى فى تلك الفترة خليطاً بين المقال والقصة القصيرة، أى أن مفهوم القصة القصيرة لم يكن واضحاً تماماً بعكس مفهوم الرواية، ولاشك أن مجموعاتى القصصية بعد ذلك كانت أنضج فنيّاً، وأقرب الى الشروط المطلوبة فى كتابة القصة القصيرة.

ـ تقول إنك كتبت القصة القصيرة لكى تنشر فى الصحف والمجلات، فهل أثّر ذلك على اللغة التى حاولت أن تكتب بها تلك القصص، أعنى هل التمست البساطة والسهولة وأنت تخاطب قارئ الصحيفة العادى؟ وكيف ترى تأثير الصحافة على لغة القصة القصيرة التى تنشر من خلالها؟

ـ مسألة لغة الصحافة وعلاقتها بلغة القصة أمر يتوقف على الفنان والكاتب نفسه، الفنان المخلص لفنه تجده يحرص على تجديده أيّا كانت الظروف، وأيّا كانت الوسيلة التى سيخرج من خلالها عمله للناس، وفى حياتى لم أكتب قصة قصيرة وعينى على قارئ الصحيفة، كانت عينى على الصحبفة نفسها، ماالذى يمكن أن تحتاجه، وما الذى لا تحتاجه، رغم اننى كنت أعلم أن تلك القصة ستنشر فى صحيفة، ولذلك، حتى الآن، تجد أن بعض قصصى، وكلها نشر فى الصحف، سهلة ويسيرة، ويمكن أن يفهمها القارئ العادى، وبعضها لا يفهمها نفس القارئ لأنها تتناول فكرة مجرّدة مثلاً. أنا أخدم فكرتى، ثم أتركها بعد ذلك. وعموماً، يكفى الصحافة أنها يسّرت نشر القصة القصيرة، وزادت من عدد قرائها بعد أن كانت شبه مجهولة من قبل, قد تكون الصحافة أيضاً لعبت دوراً إيجابياً بتسهيل لغة القصة القصيرة، وإعطائها سمة الصحافة فى الإيجاز والتركيز، وهذا دور بلا شك يُحمد للصحافة.

 

اللامعقول والقصة الحوارية

ـ مع الكم الكبير من القصص القصيرة التى كتبتها، أشعر أحياناً أنك تعيد التأكيد على بعض الأفكار (ولا أقول تكرارها) مثل فكرة الموت والزمن والقدر (مثلا قصص مثل لونابارك، والطبول، والسيد س، كلها تدور حول فلسفة الإنسان فى مواجهة الحياة رغم أنها كتبت فى فترات متباعدة وصدرت فى مجموعات قصصية متباعدة) ، ومن ناحية أخرى هناك تشابه بين أفكار بعض قصصك وأفكار بعض رواياتك ( قصةزعبلاوى مثلاً وعلاقتها بالطريق) ، كيف تفسر هذا التكرار؟ وما هو العنصر الحاسم الذى يجعلك تصب نفس الفكرة فى قالب قصصى أو روائى؟

ـ العنصر الحاسم هو الموضوع نفسه، يعنى المادة الأولية الموجودة عندى حتى وإن كنت أعبّر عن نفس الفكرة، فعندما أكتب مثلاً عن مادة غزيرة كأن أتحدث عن أسرة كبيرة أو حارة أو مدينة، وبالتالى هناك عدد كبير من الشخصيات والأحداث والتفاصيل، تجدنى “تلقائياً” أكتب الفكرة فى شكل رواية، أما إذا كانت الحكاية مجرد موقف بسيط أو شخص واحد فى موقف، فإننى ، تلقائياً أيضاً، أكتبها فى شكل قصة قصيرة .. أما مسألة أن بعض قصصى القصيرة تتفق فى الفكرة العامة مع بعض رواياتى فهذا صحيح وجائز جداً، وهنا تكون الفكرة تتحمل أن تُكتب فى الشكلين: القصة والرواية، والأمر يتعلق أولاً وأخيراً بمدى وجود مادة عندى أستخرج منها شخصيات ووقائع وأحداثاً تنتج رواية كاملة.. وعموماً أنا أكرر الأفكار التى تلحّ على باستمرار، إذا ألحت على الفكرة أعيد الكتابة عنها فى شكل رواية أو قصة قصيرة أكثر من مرة، ويمكن أيضاً أن أكتبها فى شكل مقال بشكل مباشر، أما الفكرة البسيطة فإننى أكتبها مرة واحدة فى شكل قصة قصية أو رواية، مجرد موقف مثلاً أصفه ثم أنتهى منه ولا أعود إليه بعد ذلك، وأحتاج دائماً لتكرار الفكرة التى تلحّ علىّ حتى أتحرّر منها تماماً.

ـ كتبت كثيراً عن أفكار مجردة، حتى أسماء بعض القصص جاءت تعبيراً عن كلمات يظهر فيها الرمز بوضوح مثل “الصدى”..”الجوع” ..”الخلاء” ، كيف يمكن تحقيق المعادلة الصعبة: الكتابة عن فكرة مجردة وتحقيق المتعة الفنية؟

ـ ولم لا؟ القاص يمكن أن يعبر عن أكثر الأفكار المجرّدة والفلسفية مادام يملك أدواته الفنية، ومادامت الفكرة واضحة فى ذهنه دون أن يسقط فى الغموض الشديد الذى يضر بالعمل الفنى، ويضيع مجهود كاتب القصة، والإنسان فى الفن عموماً لابد أن يحاول إرضاء نفسه والتعبير عنها، عليه أن يكتب كل ما يريد أن يعبّر عنه، ثم يرضى بنصيبه بعد ذلك، يعنى لم يثبّط همتى مثلاً أن أكتب عن أفكار مجرّدة وأنا أعلم أن زبائن هذا النوع من القصة قليلون، فإذا كانت هناك قصة بسيطة زبائنها كثيرون، وأخرى زبائنها قليلون، فإننى أكتب الإثنين ما دمت راضياً عنهما، وعلى القارئ أن يقرأ القصة التى تعجبه.

ـ فى “تحت المظلة” و”حكاية بلا بداية ولا نهاية” بدأت تنزع فى قصصك القصيرة الى اللامعقول، كما ظهر ما أسماه النقاد “القصة الحوارية” ، قصة “عنبر لولو” مثال جيد لها. كيف يمكن أن تفسر هذا الإنتقال خاصة فى مرحلة ما بعد النكسة؟

ـ ربما تكون النكسة بالفعل هى سبب هذا التحول، ففى فترة ما بعد النكسة مررنا بفترة غير معقولة أيضاً أخلّت بتوازن الجميع، فأحسست أن هذا الشكل اللامعقول هو الأنسب والوحيد الذى يمكن استخدامه للتعبير عن هذه الفترة. وهذه الفترة أيضاً كانت أيضاً فترة مراجعة للنفس وحوار معها، وكان فيها نوع من المحاسبة للذات، كانت هناك أسئلة كثيرة بلا أجوبة، فكتبت ما يسميه النقاد “القصة الحوارية”، الحوار فيها أكثر جداً من السرد، لم أقصد أن أطوّر فى الشكل الفنى للقصة القصيرة، ولم أتعمّد الكتابة بهذا الأسلوب، الحقيقة أن الموضوع هو الذى فرض الشكل سواء فى اللامعقول أو فى القصة الحوارية، ولما زالت الحالة أو الفترة التى كنت أعبر عنها، عدت أكتب بشكل آخر مختلف تماماً، الحقيقة أن الموضوع هو الذى فرض الشكل سواء فى اللامعقول أو فى القصة الحوارية، ولما زالت الحالة أو الفترة التى كنت أعبر عنها، عدت أكتب بشكل آخر مختلف تماماً، وأؤكد لك أننى فى حياتى لم أكتب قصة قصيرة فى كل مجموعاتى القصصية بناء على تخطيط، تأتينى الفكرة فأضعها فى القالب الذى أرتاح إلي أنه سيعبّر عنها تمام التعبير، قد يكون قالب حدوتة بسيطة أولامعقول او قصة حوارية .. إلخ.

 

أنا والنقاد والقصة القصيرة

ـ ولكن النقاد يتحدثون أيضاً عن محاولتك لمزج الرواية بالقصة القصيرة كما فى “المرايا” و”حكايات حارتنا”، كما يرصدون فى قصصك تأثراً بالتراث لمحاولة تقيدم شكل عربى خالص للقصة القصيرة، كيف ترى أنت هذه المحاولات؟

ـ والله أنا طول عمرى أكتب فقط، فإذا سألتنى:ماذا تكتب؟ أقول لك ببساطة: إننى أكتب القصة القصيرة كما تعارف عليها الكتّاب، وكما عرفها الناس، ولكن بعض النقاد وهم ينقدون أعمالى، يستخرجون أشياء لم أكن أقصدها، ولم تكن فى بالى أبداً وأنا أكتب، يعنى بعض النقاد استخرجوا من بعض رواياتى تأثراً حقيقياً بالسيرة الشعبية والقصة العربية المأخوذة من التراث، كل هذا لم أقصده، ولم آخذ بالى منه، بعض النقاد أيضاً اعتبروا ما فعلته من ترتيب الشخصيات حسب الحروف البجدية تأثراً بالكتب العربية والتراثية  التى استهدفت التأريخ لشخصيات معينة مثل وفيات الأعيان، هذا الشكل هو الذى جعلهم يقولون بالجمع بين القصة القصيرة والرواية، أى أننى أخذت من القصة القصيرة كل التفاصيل المستقلة والكاملة لكل شخصية مع ربطها مع بعضها البعض حتى تبدو كرواية يربطها خيط واحد.

ـ تقول إن هذا الشكل لم يكن هدفاً  عند كتابتك لهده الروايات؟

ـ والله أنا أخاف من حكاية الهدف هذه، كل الذى حدث أنه أتى علىّ وقت أردتُ أن اكتب فيه عن مجموعة كبيرة من الناس، أو عن عصر كامل، فتحيّرت كيف أكتب عنه، وانتهيت أخيراً الى موضوع الترتيب الأبجدى لشخصيات الرواية، طبعاً لا أنكر أن القصة القصيرة أفادتنى كثيراً فى كتابة هذا النوع من الروايات، اللغة التى أكتب بها أيضاً تكاد تكون متقاربة بين الرواية والقصة القصيرة، وخصوصاً أننى اتجهت الى تركيز اللغة واختزالها فى فترة الستينات وما بعدها، ولو قارنت اللغة التى كتبت بها بعض القصص القصيرة واللغة التى كتبت بها بعض الروايات فى نفس الفترة ستجدأنها تكاد تكون لغة واحدة.

ـ بمناسبة اللغة ، هناك اتجاه يرى العودة الى اللغة التراثية  فى القصة والرواية. كيف ترى هذا الإتجاه؟

 ـ والله الأمر يتوقف على النتيجة، فقد قرأت قصصاً مستوحاة من التراث لغةً ومضموناً وكانت جميلة جداً، فى بعض الأحيان قد تكون التجربة التى يعبر عنها القاص ذاتية جداً وخاصة جداً ولكنها مع ذلك تكون قصة جميلة، الفن والمضمون هو العنصر الحاسم فى الموضوع، هل الفنان متمكن من أدواته ومخلص وصادق فى عرض أفكاره وتجاربه أم لا؟ وجائز جداً أن نستمد أشكالاً من التراث فى مجال القصة القصيرة، المهم أن يتم ذلك بوعى وبدراسة دقيقة للتراث حتى  يمكن اختيار الأفضل، ووضع كل ذلك فى إطار عصرى ليعبر عن واقعنا الحالى.

ـ هل توافق على هذه المقولة: “القرن القادم هو قرن القصة القصيرة ولا مجال للرواية فى عصر السرعة والتركيز”؟

 ـ لا تستطيع أن تقول ذلك، لأن المسألة ببساطة أن العمل الأدبى الأكثر تأثيراً والأكثر قدرة على البقاء ليس هو العمل الأكبر من حيث الكم أو عدد الصفحات، ولكنه العمل الأقوى من الناحية الفنية، أى من حيث الصدق الفنى والحرفة الفنية، أحياناً تكون القصة القصيرة أقوى من الرواية والعكس صحيح، وجائز جداً أن كاتب قصة قصيرة لم يكتب رواية واحدة فى حياته، ربما تأثير قصته أقوى من تأثير الرواية، وليس معنى أن القصة القصيرة فى مصر والعالم العربى مزدهرة جداً أنها مزدهرة فى كل مكان فى العالم، فالذى أسمعه أنه فى الخارج (أوروبا مثلاً) ، ليست هناك مكانة هامة للقصة القصيرة ، وأنها فى أسوأ حالاتها، قد يقول البعض أنه فى القرن الحادى والعشرين لن يجد القارئ الوقت لقراءة رواية من خمسمائة أو ألف صفحة، ولكننا لا نعرف ماذا سيحدث فى القرن القادم، فربما استغنى الناس عن القراءة سواء كانت قصة قصيرة أو رواية ، وربما استبدلوا ذلك كله بمشاهدة التليفزيون، وعموماً حجم الرواية ليس مبرراً للإنصراف عنها لأن إقبال القارئ على الرواية يعتمد على عاملين هما الموضوع المكتوب والثانى هو الحالة النفسية للقارئ، ففى وقت من الأوقات لم يكن يطلق على الرواية اسم “رواية” إلا إذا كانت ثلاثة أو أربعة أجزاء، وأنا لا أعرف الحالة النفسية التى سيكون عليها إنسان القرن القادم حتى أتنبّأ بما سيختاره للقراءة.

ـ سؤالى الأخير حول عبارة  ذكرتها فى واحد من أحاديثك. قلت مداعباً: “إنك إذا ألقيت بحجر من النافذة لسقط بالتأكيد على رأس كاتب قصة قصيرة” ، هل تعلن هذه العبارة عن الإعتزاز أم الإحتجاج على كثرة كتّاب القصة القصيرة فى مصر والعالم العربى؟!

ـ (وهنا أطلق محفوظ ضحكته المجلجلة المعروفة وقال:” أنا قلت هذه العبارة؟!!، ثم قال بلهجة وطريقة أولاد البلد فى مصر: ” اسم الله على كل كتّاب القصة القصيرة، لم أكن أقصد الإحتجاج بالتأكيد ، أنا سعيد جداً أنه مع انتشار التعليم لاشك قد ظهرت مواهب كثيرة فى مجال القصة القصيرة، على أيامنا وفى جيلنا، كان كتّاب القصة القصيرة لا يتجاوزون عشرة أدباء، الآن كتّاب القصة القصيرة يعدون بالمئات، وعندما يعلن عن مسابقة يتقدم الآلاف، وهذا ينطبق أيضاً على الشعر والمسرحية والرواية، كل هذه مواهب. لم لا ؟!! نحن عددنا فى مصر مثلاً قريب من عدد سكان فرنسا وانجلترا، هناك يوجد بالعشرة آلاف كاتب فى كل مجال من مجالات الإبداع الأدبى، صحيح ليس كلهم من المشهورين، وصحيح أن الذين يكسرون الحدود لا يتجاوز عددهم ثلاثة أو أربعة، ولكن الباقين ليسوا على الهامش، إذ أن لهم قراءهم، ومازالوا يكتبون ويصدرون كتباً تُباع وتروج بأسمائهم. أنا كما قلت سعيد جداً ومتفائل بمستقبل القصة القصيرة فى مصر والعالم العربى، ولدينا كتّاب ممتازون ، وخصوصاً من الأجيال الشابة.

 

*نُشر بمجلة اليوم السابع التى تصدر فى باريس عدد الإثنين 20 تموز “يوليو” 1990  

مقالات من نفس القسم