حكاية البنت التي تطل من خلف شباكها المعتم

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة: هاني عبد المريد

 

البيت متهالك تماما، واجهته مطلية بالجير الأصفر، مباشرة فوق الطوب، مما يبقى على فتحات تسكنها الحشرات والأتربة..

نوافذه جميعها خشبية، مطلية بالأخضر أو البني القاتم، عدا شباكها - الذى حتما سيلفت نظرك - ألوميتال، على جانبيه دوائر حديدية، تحمل بداخلها أصص الورد البلدى، الذى تعشقه وتداوم على الاعتناء به..

تطل من الدور الأول نافذتها، مما يعطى للجالس على المقهى المقابل القدرة على رؤيتها، دون أن يرفع رأسه لأعلى بشكل ملفت، تصب على شايها الحليب ببطء، تستمتع بتداخل لونيهما.. تحتضن الكوب بين يديها ؛ لتتذوقه إثناء اتجاهها بتأن إلى النافذة.. تطل من خلف زجاجها “الفيميه”، الذى يتيح لها رؤية الشارع، دون أن يراها أحد..

عندما تجده يطالع الجريدة على المقهى – ومن حين لآخر يرمى بنظره على نافذتها المغلقة – تجلس فوق أقرب كرسى، تراقبه بجلسته المنتفشة، ونظراته المتعلقة بنافذاتها، تستكمل كوبها، وتفكر – فقط – فى زهورها التى بالتأكيد فى حاجة لرعايتها الآن..

تحدثها نفسها أنه كغيره تماما، سيمل حتما، ويترك المقهى بعد ساعة أو اثنين..

تلجأ للفضائيات لتمرير الوقت، كان فيلم ” تفاحة ” وكانت ” ليلى علوي ” بفستان الزفاف الذى ستعجب به البنت كثيرا.. ترفع السماعة تسأل عن ” عم معروف “، وعندما لا تجده، كالعادة..

” طب والنبي لما ييجى، قولوله، فستان ليلى علوي فى تفاحة “

تستسلم لفكرة التخلص من ملابسها، والتجول فى أركان الشقة عارية تماما..

على سريرها تستلقى، تداعب خصلات شعرها الأسود الفاحم، دون شعره واحدة بيضاء رغم اقترابها من الأربعين.. تمرر يدها على جسدها ؛ تتأكد أنه أقرب لجسد ليلى علوى، وأن فستان ” يسرا ” فى ” الوردة الحمرا ” ما كان سيليق عليها..

عم معروف يعمل فى مخازن ” مدينة الإنتاج الإعلامي ” وعدها منذ سنوات بأن فستان زفافها عنده، وعليها فقط اختياره من بين ما يعرض على الشاشة..

لذا، لا يمر أسبوع إلا وتتصل به لتغير رأيها من فستان لآخر، مع إنها لم تخطب بعد..

عندما يلاحظ إنه اليوم الرابع على التوالى ،الذى يأتى فيه ولا يراها، يملأه الضجر..

ينصرف وبداخله قرار بعدم العوده، حينها ستخرج، وبيدها زجاجة مياه، تسقى منها زهراتها، سيتعلق نظرك بها، وأنت ترشف من فنجانك، وتقول لك عينيها الكلام الكثير..

ستدخل فى دلال ؛ لتعود بالمشط بيدها.. تتمشط فيبدو شعرها طويلا لامعا، تميل لتنشر منديلها المطرز، يتبدى لك جسدها فائرا، عيونها تبتعد لتعود إليك برغبة، تناديك..

سيفور الدم فى رأسك، تشعر بوجهك يشع حرارة، تطلب فنجانا آخر من القهوة، تعتدل بجلستك، متوجها إليها بحرص ؛ حتى لا يلحظك أحد، حينها فقط ستدخل ؛ لتكتفى بمشاهدتك من خلف زجاج شباكها المعتم.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قاص وروائي –  مصر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصورة من فيلم: “جنس وفلسفة 2005” –  للمخرج: محسن مخملباف.

ـــــــــــــــــــــــــ

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق