حكايات رجل عجوز

جار النبي الحلو
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

جار النبي الحلو

أختي

لما ماتت أختى وهى الأصغر عمرًا مني، والأخيرة فى عنقود أسرتنا، وأنا العجوز الذى كُف بصره، لما ماتت اندثرت كل الحكايات والطرائف والفواجع والأحزان الكثيرة والأفراح القليلة؛ لأن حياة أسرتنا التى اندثرت كانت تعيش بيننا ـ نحن الاثنين ـ كنا نحكيها لتظل. لكنها رحلتْ.

كُتبي

أنا فى انتظار نهايات عمري، الأولاد تزوجوا، وأنجبوا، وصارت بيوتهم بعيدة. لم يعُد سواى ومكتبتي، كتبى التى قضيتُ عمرى فى اقتنائها، وكلما اقتربتْ لحظة الرحيل أفكر فيمن يأخذ مكتبتى ابنتى أم ابني؟ أم أتبرع بها لمكتبة البلدية؟ لكننى على أية حال خبأتُ الكتب التى أحبها تحت الكنبة التى أجلس فوقها.

مكان قديم

سطعت الشمس فنزلتُ، أبحث عن مكان يخصني، صارعتُ الذاكرة الضعيفة حتى وصلتُ إلى مقهى «الفؤاد» الذى قضينا شبابنا فى الجلوس على كراسيه حول الترابيزات النحاسية المدوّرة، كدتُ أتعثر، شد صبى لا أعرفه كرسيًا، وأسندني، وأجلسنى عليه، ياه كيف تقفز الذاكرة للوجوه التى غابت: «حامد» هو «حامد» يجلس على كرسى من القش فى ركن تغمره الشمس، يداه ترتعشان، يحشر قدميه فى شبشب بلاستيك أسود، رأسه لا يكف عن الاهتزاز والبحث، كان صبيًا يلف حولنا حاملًا الصينية وفوقها أكواب الشاي، يلف راقصًا، صوته مجلجلًا، وصار من صحبتنا وصندوق أسرارنا.

«حامد» الآن عجوز مثلي، شعره الخشن طار وضعف بصره مثلي، كلانا يبحلق فى الآخر سُدي!!

حبيبتي

خاتلنى وجهها وابتسامتها وحنوها، فابتسمتُ، ونهضتُ من سريرى إلى دُرج أسراري، فتحتُه بصعوبة وأخرجتُ رسائلها التى أراجع عددها كل حين، والتى بلغت مائتى رسالة، مكتوبة على ذات الورق وبذات الحبر وبذات الخط، سحبتُ رُزمة الرسائل وصعدتُ لسريرى بصعوبة، شددتُ الغطاء عليَّ، ولمّعت نظارتي، وسحبتُ رسالة كيفما اتفق ـ كما كنتُ أفعل فى شبابى لم أستطع قراءة سطر واحد، راوغتنى الحروف، وعبثًا حاولتْ عيناى الكليلتان.

حفيدي

ما إن صرتُ وحيدًا فى شقتى الضيقة جدًا، ولا أنعم برؤية أحد إلا فى إعداد الطعام، أو مراجعة الدواء، حتى قفز إلى حياتى مثل قِطٍ أليفٍ ودود، هذا الولد حفيدى الذى منحنى البهجة والحياة؛ بل حكيتُ له أسرار حياتي، كنتُ أحتمل شقاوته وإجهادي، لأنه صار الرفيق الوحيد، وعندما أخذته أُمه عُنوة، بكيتُ بشدة ورجعتُ لشقتى الضيقة جدًا.

رغبة تافهة

منذ أسابيع لم تأت ابنتى لأراها لكنها تطمئن عليَّ حين تُهاتفنى صباحًا وظهرًا وليلًا، لكننى أريد أن أستحم؛ للعجوز مثلى ثمة رائحة لا أحبها، وحين تنفذ لا أحتمل نفسي، نزلتُ السلالم برفقة الدرابزين، وهاجمنى الضوء والنسائم والضجة ففرحت، ورميتُ نفسى فى تاكسي.

أمام باب شقة ابنتى ترددتُ!! فهى المشغولة بأبنائها وزوجها وطبخٍ وغسيل وتنظيفٍ؛ وزوجها متأفف دائمًا، ترددت أمام جرس الشقة، وتردد أصبعى واهتز. لماذا أرمى لها برائحتي؟!! نزلتُ مسرعًا ورميت نفسى فى تاكسي.

فرار

حذرنى الجميع من النزول وحدى إلى الشارع المزدحم بالسيارات والدراجات وعربات الكارو والشاحنات والعيال التى تجرى بلا هدف، حذرونى من صُنع الشاي، ومن النزول إلى البانيو. سئمتُ من جلستى على الكنبة ومواجهة الجدار.

فى الصباح نهضتُ ارتديت قميصًا بنصف كُم وبنطالًا وصندلًا، اتكأت على عصاى وخرجتُ للشارع، لمس النسيم وجهى فشعرتُ بفرح، وابتسمتْ لى طفلة صغيرة تمشى بثقة بيدها الصغيرة كيس فول.

سرتُ فى شموخ بين السيارات والتوكتوك والدراجة، ومن زقاق لشارع غمرتنى سعادة مبهمة، حتى وصلتُ للنهر، فاجأنى الاتساع فشهقتُ، جلستُ على حافة النهر تحت شجرة «بونسيانا» أمسكتُ زهرةً حمراء بيدٍ مرتعشة، وكان الصبى الصغير يتقافز على حافة النهر، يجرى ويضرب ماء النهر برجله ويفرح حين يبلل رذاذ الماء وجهه.

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق