حرامي المُخّ والنظرية النسبية: في رواية مدهشة عن أينشتاين لشريف صالح

"أينشتاين أسرار القطعة ٩٩"
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

د. إبراهيم منصور

   “لسوء حظ أينشتاين أنه مات قبل أن يرى كيف تتحول معادلاته الجافة إلى سيل متدفق من المشاعر الإنسانية الرقيقة” هكذا كتب “رجب سعد السيد” في مقدمة كتابه “الثقافة الغائبة” (كتاب اليوم ٢٠٢٣م) والثقافة الغائبة هي الثقافة العلمية، أي تقديم العلم لغير المتخصصين، ولكني أقول إنه من حسن حظنا أن يتصدى كاتب روائي مصري، من خريجي كلية دار العلوم، وليس كلية العلوم، لكتابة رواية أدبية عن العالم الفذ ألبرت أينشتاين (١٨٧٩- ١٩٥٥م)

    هذا الروائي الشجاع هو “شريف صالح” المولود ١٩٧٢م،  وهو اسم معروف في عالم الأدب والنقد الأدبي، فقد حصّل عددا من الجوائز في مصر وخارج مصر، وهو صحفي متخصص في الكتابة الأدبية والنقد الفني، حصل على الدكتوراه في النقد المسرحي من أكاديمية الفنون، وكتب بضع  روايات ومجموعات قصصية، وآخر رواياته صدرت منذ أيام  بعنوان “ابتسامة بوذا” (خطوط وظلال ٢٠٢٣م)

وصف الكتاب

 أما كتابه السردي “أينشتاين أسرار القطعة ٩٩” (دار واو ٢٠٢٢م) فيقع في ٢٢٧ صفحة من لقطع المتوسط، وقسمه المؤلف إلى خمسة أقسام: 

الأول- تلك القصة  أو جسم السرد ويقع في حوالي ١٤٠ صفحة. والثاني- ٣٢ لوحة بعدد فصول الكتاب، وضعت على ٦٤ صفحة باللون البني، وقام بإعدادها الفنان مجدي الكفراوي،  والقسم الثالث- عدة ملاحق، واحد منها مسرد زمني لحياة أينشتين، والثاني مسرد بالأسماء الواردة في القصة مع ترجمة موجزة لها، وأما الملحق الثالث فهو في صحيفتين يشرح عددا من المصطلحات وردت في نظرية النسبية مثل “الثابت الكوني” و”الذرة” و”السايبورج” و”معادلة الطاقة”

والقسم الرابع من الكتاب هو فهرس المحتويات وخاصة فصول الرواية، أما القسم الخامس والأخير فهو قائمة المصادر والمراجع.

تصنيف الكتاب

              بدأ شريف صالح كتابه بشكر وامتنان وجهه  لمن عاونوه، وهو أمر طبيعي لمن ينتج كتابا عن أينشتاين، لكن هذا الكتاب مثبت على غلافه تعريف واضح بأنه “رواية” فهل من المعتاد أن تحمل الرواية كل هذه العتبات الخارجية، أو هوامش النص، التي تكاد تبلغ ثلث الكتاب؟

   لابد أن نسلم بأن الناشر له حق التدخل في ألوان كثيرة من الكتب إلا الرواية والشعر، نحن مع الناشر صاحب الرؤية الذي يحرص على جعل الكتاب في أبهى صورة وأقربها لذائقة القارئ وتقبله، ولكني مع ذلك أرى أن حرص الكاتب على تصنيف كتابه ضمن فئة  “أدب الفتيان” هو الذي استوجب كل هذه الإضافات والتحابيش حول النص القصصي في هذا الكتاب الذي تقدم به كاتبه ل”جائزة الشيخ زايد للكتاب” فئة أدب الطفل والناشئة، وقد رُشّح ضمن القائمة القصيرة لتلك الفئة.

  ويبقى بعد هذه المقدمة الطويلة سؤال هو: هل كتاب “أينشتاين، أسرار القطعة ٩٩ ” رواية أدبية، خيالية؟ أم أنه قصة حياة أينشتين؟ أم أنه كتاب في الثقافة العلمية معنيُّ بتبسيط نظرية النسبية وموجه للناشئة؟

          سوف نعمل الآن على تقديم الكتاب ملتزمين بتوصيف الكاتب لكتابه الذي لم يُخِلّ به الناشر وهو “رواية” ففي هذه الرواية يقول ألبرت أينشتين “نحن نعيش في كون بديع ومدهش، وليس منكوشا مثل شَعري” إنه حوار متخيل يكتبه الكاتب شريف صالح في روايته، وهو ينطوي حقائق مخلوطة بخيالات، كما ينطوي على سخرية مضحكة، فهو لون من الكتابة المسلية، الغنية بالخطابات واللغات كما هو حال الرواية الأدبية، ولكن الرواية تحمل خصوصية تلك الكتابة العلمية المبسطة التي أشار إليها “رجب سعد السيد” كما ذكرنا في صدر المقال.

 نمط السرد

 وتبدأ رواية “أينشتاين أسرار القطعة ٩٩” هكذا “أنا مخ أينشتاين، ٧٦ عاما وأنا أصحبه، أجل

 – يا أصدقائي – أنا مخ هذا الرجل العظيم، لست مخه كاملا، بل جزء يسير منه، يحمل الرقم ٩٩” إن شريف صالح الدارس للنقد المسرحي يعلم أنه من حق كاتب الرواية أن يختار أية نقطة يبدأ منها روايته، لأنه يملك من الحرية أن يعود بنظام الفلاش باك، لكي يحكي عن شيء سابق، وأن من حقه أن يقفز إلى المستقبل فيطوي الزمن  طيا عندما يحب أن يستبق سرد أحداث قصته، فهذه الحرية التي حازها الروائي ورثها عن مؤلف الملحمة القديم، أما الكاتب المسرحي فلا يملك هذه الرفاهية، وهكذا في عبارة واحدة موجزة عرفنا أن أينشتاين قد مات وأن الذي يحدثنا ويروي لنا القصة هو مخه أو بالأحرى قطعة من ذلك المخ، وقد أدخلنا الروائي إلى عالم روايته من أوسع الأبواب،  وقد عرفنا الآن سر تسمية الكتاب بهذا الاسم. ثم وجدنا أنفسنا أمام لهجة في السرد تخاطب القراء ب”يا أصدقائي” وهو أسلوب يشبه ما كانت تصنعه “أبلة فضيلة” أو المذيعة الشهيرة فضيلة توفيق (١٩٢٩- ٢٠٢٣م) الراوية لقصص الأطفال في الإذاعة المصرية لمدة خمسين عاما.

  نجح الكاتب في جرنا إلى عالم الرواية، وهو عالم خيالي، لكنه أيضا عالم حقيقي أو واقعي، إذ كان أينشتاين تلك الشخصية العلمية المؤثرة جدا في العلم والفكر، وما يزال تفسير نظريته النسبية الخاصة والنسبية العامة مما يستعصي على بعض العلماء فما بالنا بعامة القراء، وعامة الناس وناشئة القراء خاصة؟!  وقد كتب أينشتين كتابا يشرح فيه نظرية النسبية، كما كتب الفيلسوف البريطاني برتراند راسل (١٨٧٢- ١٩٧٠م)  كتابا آخر لشرح النظرية ذاتها، ولم يغنِ هذا كله، فبقيت النظرية عصيّة على الفهم، لا نعرف من كل تفاصيلها إلا فكرة نسبية الزمان والمكان التي أثرت على أحكامنا وجعلتنا نقول بنسبية كثير من القيم -المادية على الأقل- في عالمنا.

 بناء من ضفيرتين

 لا يجعلنا شريف صالح نمل من سرده، فهو لا يتبع نمطا سرديا واحدا، يقود فيه ذلك “الكائن” المسمى القطعة ٩٩ من المخ سرد الأحداث كلها، بل تنتقل دفة السرد إلى راوٍ ثانٍ هو الراوي العليم، وأخيرا ينزلق السرد ليصبح أينشتين نفسه راويا لأغلب النص في الرواية.

  السرد في رواية أينشتاين مكون من ضفيرتين سرديتين: الأولى حياة أينشتاين بما فيها من دراسة وحب وزواج وأطفال وهجرة إلى أمريكا وطلاق وعمل، والضفيرة الثانية هي شرح نظرية النسبية الخاصة والنسبية العامة، وهذا يجري بالتضفير بين الأمرين، وإن كانت بعض الفصول قد خصصت لشرح جزء من النظرية مثل الفصل المعنون “وزن الأشياء” فنقرأ فيه “إن الكتلة هي مجموع ذرات الجسم، أي كمية فيزيائية ثابتة، وهي تختلف جذريا عن الوزن الذي يقاس بالنيوتن، ويعبر عن قوة سحب الجاذبية لجسم ما، فإذا كانت كتلتي ٧٥ كجم فإن وزني على الأرض سيكون حوالي ٧٥٠ نيوتن.. إلخ” وقد أجهد  الروائي نفسه لكي يوفق بين هذا الجفاف العلمي، من ناحية، وطراوة الحكي من ناحية أخرى، فبدأ هذا الفصل على لسان الرواي العليم هكذا “دعكم من السفر عبر الزمن؛ لأن هارفي قاد سيارته الفورد بالسرعة المقررة ووصل أخيرا إلى بيته الجديد في “ويتشيا” بعد أربع وعشرين ساعة تلفت حوله وهو يركن سيارته فلم يرَ أثرا للسيارة السوداء  التي  كانت تطارده” أما هارفي فهو طبيب التشريح توماس هارفي (١٩١٢- ٢٠٠٧م) الطبيب الشرعي الذي سرق مخ أينشتاين من المستشفى وطرد بسببها من عمله، والمطاردة التي قوبل بها عمل الدكتور هارفي جعلت الروائي يبني عمله في جانب منه بناءً يشبه القصة البوليسية.

  أما الفصل المعنون “اشرح لنا ما النسبية؟” فهو فصل قصير يقع في ثلاث صفحات فحسب، مثل أغلب فصول القصة، وقد بدأه السارد بإخبارنا عن التطور الجديد في حياة الدكتور هارفي بعد هربه، وهو أنه قد حصل على وظيفة في أحد المعامل، ثم تنتقل دفة السرد لأينشتاين فنسمعه يقول “للأسف بعضكم يخلط بين نسبية الأخلاق ونظريتي، فنظريتي لا تتحدث عما تعتبره عدلا لك، ويعتبره الآخرون ظلما لهم، أنا عالم فيزياء ولست فيلسوفا في الأخلاق”

 إن الصعوبة البالغة في الجمع بين هاتين الضفيرتين في السرد، حتمت على الروائي أن يكون منتبها طوال الوقت، وأن يشحذ ذهنه لكي يتمكن من جدل الضفيرتين السرديتين، وإحداهما لم تكن ضفيرة سردية، بل على العكس، إنها ضفيرة منفيٌّ عنها صفة السرد، فعلماء السرد يقولون: إذا قلتَ “الزهور حمراء وصفراء وبنفسجية، فهذا ليس سردا لأن العبارة لا تعرض أية واقعة” ولكننا لا ننسى أن الرواية تحمل خطابات متعددة، وأن من تلك الخطابات الحوار مثلا، وهو ينتمي إلى عالم الدراما، والشعر وهو نوع مغاير للقصة، وبذلك دخلت الحقائق العلمية في قصة خيالية، بمجهود جبار من روائي شجاع لتعطينا هذا النسيج الروائي الفريد.

حرامي المخ يظهر من جديد

 تقابل الصحفي “ستيفن ليفاي” مع الدكتور هارفي بعد مرور عشرات السنين على حادثة سرقة مخ اينشتاين، وسأله عن البحث الذي جرى حول المخ المسروق قائلا “أحقا لم يعثر الأطباء على أي شيء استثنائي؟ أجاب هارفي محبطا: إلى الآن لا”

تتعرج المسيرة السردية فالسارد يريد لأينشتاين أن يقابل بعض الشخصيات ومنهم  “كافكا” و”سميرة موسى” بعد أن نشر ستيفن مقالا جعل البحث يتجدد عن خصوصية مخ أينشتاين، وتتجدد معه التعرجات السردية، هنا بدأت اجتماعات سرية ومناقشات علمية لعلماء من  جامعات كاليفورنيا ونيويورك وألباما. وفي فصل بعنوان “زيارة الرجل الغامض” نجد الميل إلى نمط السردي المعروف في القصة البوليسية، حيث يسرق رجل قبرصي اسمه “نيكوس” القطعة ٩٩ من مخ أينشتاين ويصنع روبوتا، جعله يحل محل أينشتاين، وهنا يصبح أينشتاين في زيارة للمستقبل يقابل فيها روبوت اسمه كافكا، وروبوت اسمه سميرةM3 التي هي العالمة المصرية سميرة موسى (١٩١٧- ١٩٥٢م) فهي روبوت كما أن أينشتاين روبوت، وتجري بينهما محادثة عن العالم “علي مصطفى مشرفة” (١٩٩٨- ١٩٥٠م) وفي فصل تالٍ يدور بينهما حوار حول السياسة واليهود وإسرائيل والعرب والفلسطينيين، في هذه الفصول يتحول السرد ناحية “نيكوس” القبرصي مصمم الروبوتات، وتصبح القصة “خيال علمي” بعد أن كانت “علما” أو ثقافة علمية، من ناحية،  وسيرة وتاريخ لأينشتاين من ناحية أخري، أي أن الروائي قد اتجه إلى إضافة ضفيرة سردية جديدة للضفيرتين الأساسيتين.

تصنيف النص

    لقد نجح الروائي شريف صالح في إضافة رواية قصيرة أو “نوفللا”Novella إلى تراث السرد العربي المعاصر، ولكنه ارتبك في تصنيفها، مما جعله يعرّج السرد ويلويه، ويضع صفحات تشبه الماكينجMakingأو كواليس التصوير، هي تلك الملاحق التي أشرنا إليها، وهو من وجهة نظري كان في غنى عنها، لأن الرواية فتح في الكتابة في نوع النوفيللا التي لا هي خيال علمي، ولا هي أدب أطفال، هي رواية قصيرة في سيرة عالم فذّ هو ألبرت أينشتاين، وهو نمط من الكتابة شاع في الرواية المصرية شيوعا كبيرا في آخر عشر سنوات، حتى كُتبتْ روايات عديدة تعالج جوانب من حياة “أم كلثوم” وحدها.

   لقد اتبع الكاتب  تكنيك الحذف لا الرطرطة، برغم تشويق القصة وإغراء الموضوع، وبرغم ثراء السيرة الأصلية، وعمق الأفكار المعروضة حول النظريات العلمية والمعادلات الرياضية، وتعدد التفسيرات، لكنه حين لوى السرد في الثلث الأخير، وجدناه يكتب فصلا كاملا بعنوان “السيطرة على أمخاخ البشر” هو مقال عن الروبوت ومستقبله في حياة البشر. لقد بُني السرد على أكتاف ثلاث شخصيات هم: أينشتاين، وهارفي، والقبرصي نيكوس، وربما أراد الروائي أن يمنح كل واحد منهم حقه في امتلاك ثلث الرواية، فثلث لحياة أينشتاين ونظرية النسبية وثلث لهارفي حرامي المخ وحياته بعد السرقة، وقد امتدت إلى سن الخامسة والتسعين، وهذا القبرصي المغامر الذي بسببه  تحولت الرواية من نمط السيرة والثقافة العلمية، إلى النمط البوليسي والخيال العلمي.

ستظل رواية “أينشتاين أسرار القطعة ٩٩” مربكة، فهي صعبة سهلة، وهي مشوقة ومملة، وهي مكتوبة للكبار لكن يمكن الزعم بأنها من أدب الفتيان، ويظل الفضل لشجاعة المؤلف، فلو أراد لجعلها رواية بوليسية، أو رواية خيال علمي، لكن مجهوده الجبار في شرح نظرية النسبية وتتبع حياة أينشتاين، أنتج نصا أدبيا فريدا يستحق تهنئة صاحبة، كما يستحق أن نهمس في أذنه كُنْ نفسك، ولا تنشغل لا بالناشرين، ولا بموضات السرد الشائعة فإنها مميتة.  

 

 

مقالات من نفس القسم