حذاء فيلليني.. كل شيء يمكن نسيانه..إلا الصراخ

أسطورة بيضاء
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

إيمان السباعي

يهدي وحيد الطويلة روايته "حذاء فيلليني" إلى من صرخوا ولم يسمعهم أحد وإلى الذين لم يستطيعوا أن يصرخوا، مستدعيًا ذلك الصوت الفزعان من الذاكرة.

ربما عرف أن قارئه ينتمي بالضرورة إلى فريقٍ منهما: الصارخين بفعل الألم ممن عاشوا خبرته بأنفسهم أو خبروه من حكايا آخرين، والصامتين بفعل خوف عاجز بلع صرختهم.

ستصحبنا الصرخات لتكون (على طريقة موسيقى الأفلام) هي صوت الرواية الذي صادفه الروائي كما صادف فيلليني من صنع موسيقى أفلامه.

تحكي لنا الرواية عن معزوفة الصراخ الذي لا يمكن نسيانه، فهل يمكن للصرخة أن تكون موسيقى الرعب وهي أقدم استغاثة إنسانية وهي الألم البدائي في أوضح صوره وأقساها توحشا؟

الصرخة صوت آمر لتصمت كل الأصوات وتتراجع فيما عداه، صوت كريه يبدأ به وحيد الطويلة روايته في”مشهد كان فيلليني ليكرهه” ويؤكد وجوده في أكثر من موضع

“صمتٌ شديد إلا من نغم متقطع، رتيب لكنه ظافر كأنه كسب معركة تحرير الأرض، حين أوشكت الموسيقى الكئيبة على الخفوت كان ذلك يعني أنه جلس، وأن ما تسمعينه من كعوب أخرى لهي كعوب الذين يلهثون حول رغباته، ويعني ذلك أيضاً أن تعود رقابنا من التوائها إلى موضعها القديم في الجسد.”

“صمتٌ قاسٍ يهب فجأةً بين فترةٍ وأخرى، لا نعرف هل هو من الخارج أم من دواخلنا؟”

(ليست الفكرة هي أن تنهال على المشاهدين وتهزمهم بالصوت ولكن أن تملأ الشاشة بموسيقى بقدر ماهنالك صورة)*

أراد الروائي في حذاء فيلليني استعارة تقنية المخرج بكتابة المشاهد، لكل مشهد موسيقاه ،هناك موسيقى الأشياء خيث تبدأ الرواية بصوت حذاء الحاكم الصوت المقابل لحذء فيلليني، الصوت المدبب لدقات الكعوب،احتكاك زجاجات الشراب صوت مزاليج الأبواب

أما الصوت البشري فيمكننا اعتبار كل صوت نوع من الصمت في حذاء فيلليني لأنه انمساخ لصالح سلطة داسته بحذائها ليخرس إلا عن نطق ما تريد’ فالجميع نزع عنه فرادة صوته وشعوره به كما ينتزع اعتراف كاذب حت التعذيب: الأغاني الوطنية عن النصر،وحتى الغناء والهتاف “وحدة ما يغلبها غلاب” الذي ينطلق من الحناجر في لحظة واحدة دون إرادة منها.

في رواية العطر لباتريك زوسكيند يتحول شخص ولد بلا رائحة إلى قاتل

فهل يحولنا الجلادون إلى قتلة بعد أن ينتزعوا أصواتنا ويعيروننا أصواتهم؟

في” مشهد كان فيلليني ليحبه” يذهب مطاع مع بعض المعالجين النفسيين للحصول على الماجستير في بولندا ليواجه حقيقة فقدانه لصوته وأنه أصبح خاويا لا يشعر بشيء ولا يستطيع أن يعبر عن شيء:

 

قل آه.

آه.

قل آه.

آه.

قلها بصوتٍ أعلى.

آه.

قلها كأنك تصرخ.

آه.

اصرخ.

آه.

 خجلت لأنني رأيت علامات التعجب على وجوههم، ماذا ماذا حدث؟ هل اقترفت خطأ؟ هل هذا هو السؤال الأساسي ورسبت به؟ هل تلك علامة المجيدين من المخطئين؟ لكن لم يسخر مني أحد، لم تبد على وجه أحدٍ منهم علامة استهجان، كأنهم فوجئوا مثلي، رأيت من خجل الوجوه وحيائها أنني لم أقترف ذنباً، وتأكَّدت لأول وهلة أنني لا أستطيع أن أرفع طبقة صوتي، أن أعبِّر به عن الفرح أو الحزن، أو الصراخ به في كلتا الحالتين، يبدو أنني قلتها بطبقة واحدة، بنفس الطبقة والتون في كل المرات السابقة، مثل امرأة تنام تحت رجل لا تبالي به، هو غارق في غيِّه وهي تتفرج على التلفاز من خلفه وتصدر صوتاً واحداً كي تكتمل اللعبة.”

تظل اللعبة الحقيقية لحذاء فيلليني هي لعبة المؤلف وأقنعته أو أصواته للتخفي ، لكنه يعلم أيضا متى يجب عليه ان يظهر ويخاطب القاريء، يواجهه ويورطه معه في لعبة الموت والنجاة هذه:

“هل جربت أن تصطك ركبتاك وأنت تقف أمام ضابط أمن الدولة في غرفة خانقة لا ترى منها سوى جدران صماء، كأنها بلا شبابيك، هي فعلا بدون شبابيك هل جربت ذلك عزيزي القاريء؟ هل جربت أن تنظر فتجد جلادك بين يديك؟”

نعم، يدخلنا الروائي معه إلى لعبته إلى هلاوسه وشكه الذي يروجه لنا كيقين قاطع ” هذا ما حدث بالضبط” كما يدخلنا فيلليني إلى كوابيسه وأحلامه الغريبة ، لكن توقظنا “القاريء” لندرك أننا نقرأ رواية وأننا “أو من لم يجرب هذا منا” لم يحدث لنا ما حدث لمطاع لم نهبط إلى “القبو” وإن كنا نرتعد خوفا وتحاصرنا آلاف الصرخات التي لا نعرف من أين جاءت، يتعمد الروائي أن يشوش وعينا مرات لنستيقظ كما حدث مع بطله مطاع ونحن نستعير صورة الضحية مرة وصورة الجلاد مرة ونتساءل من نحن وأين نحن وهكذا ينجح في أن نشاركه صراعه هل يقتل الجلاد ؟ يعذبه فيستحيل جلادا مثله؟ أم أن حريته واستعادته لاسمه في انتصاره على تلك الرغبة وخروجه من ذكريات القبو؟

نجح فيلليني في “أن يدور فيلمه حول فكرة لا حبكة،وسعى للتأمل الذاتي غير المسبوق في التيار السائد من السينما”*

هذا ما نجح فيه وحيد الطويلة أيضا فإن كل تلك الأصوات والضمائر باعتراف المؤلف في حذاء فيلليني هي”  أعرف أنني ألعب بالضمائر وأتحدث بكل ضمائر المخاطب والغائب لأنني أوقن وأبصم أن تعذيب واحد يعني أننا عذبنا جميعاً، وأن تغيير الضمائر إنما يشير إلى أننا صوت واحد.”

لقد عذبنا جميعا، فهل نتحرر من صوت الجلاد وننسى؟ هذا هو السؤال وتلك هي الفكرة.

يلجأ وحيد الطويلة إلى حيلة لجأ إليها فلليني أيضا”فالماضي يستمر في الحياة داخل الشخصية لتصبح تجربة المتفرج أشبه برحلة اكتشاف”*

خص الروائي النساء بخطاب خاص “النساء هنَّ من سيسمعنني ولو بأفئدة مكسورة، أما الرجال فقلوبهم مهشَّمة وما تبقى منها تحول إلى حجر.”

ليستعيد مطاع ملامحه القديمة وصوته القديم كان في حاجة إلى جارته، في حاجة إلى العشق، في حاجة إلى امرأة تفكر في الحياة وتطبخ له اللذة مع دفء البيت، فهي وإن كانت من ماضيه جسر إلى مستقبل لا يخاف فيه الكهرباء ولا يشم رائحة اللحم المحروق

هي طريقة فيلليني إذن في أن يحرره، أن يحثه ليستعيد مطاع في حضنها ويسمع صدى موسيقاه لا الصرخات المكتومة

لينتقم مطيع من جلاده كان في حاجة إلى امرأة أخرى امرأة ذاقت مثله مر الصرخة وعاشت ظلام القبو ، هي مجرد أداة يهزم بها جلاده ويذله، امرأة بمؤخرة كبيرة فاتنة كالنساء اللائي يرسمهن فيلليني يراهافي هذياناته وأحلامه وفيلليني يحثها على قتل الزوج /الجلاد

“وجهها غادر التردد وبانت قسماته حادة مضغوطة، تتقدم بجرأة من يريد أن يقتل مرتين، بغيظ من صمَّم على التشفي، والجلاد ينتقض من فوق الأريكة، يقف فوقها، قدمه تنزلق من حافتها فيسقط على الأرض، ينظر في اتجاه زوجته وجسده في اتجاه آخر، يتراجع زاحفاً إلى ركن في القفص بذراعين بزاوية حادة على صدره، وهي تتقدم مرة واحدة فجأة، الكاميرا المحمولة على عمود أعلى القفص تظهرها في الكادر وظل الألواح المعدنية يسقط على وجهها، ثم لقطة مقربة وهي تمد سكينها بقوة لطعنه، تتبعها صرخة مدوية تهز العيادة، الدم يندفع إلى أعمدة القفص يلطخها”

إذن الجارة العاشقة والزوجة المكلومة التي ترغب في الانتقام هما طرفي الصراع، صورة أخرى من الذات المنقسمة على نفسها، مطاع ومطيع، فيلليني والجلاد ، وهما من استطاعتا أن تمنحا ماض مطاع حضورا يواجه به غيابه في نقطة الصفر، نقطة لم يعد يعي فيها في أي زمن هو ففي القبو لا زمن ولا وقت ولا ذكرى سوى الصراخ.

يبدأ فيلم 8 ونصف بجويدو محبوس داخل سيارة في شارع مزدحم تتصرف الشخصيات في السيارات الأخرى بطريقة كريهة وربما عبثية وفجأة تمتليء السيارة بدخان ويحاول الخروج ويضرب النوافذ المغلقة بحذائة ويفشل ثم نراه فجأة خارج السيارة يطير فوق الزحام

يقدم فيلليني أو “صوت فيلليني” الحل لمطاع، يقولها ببساطة ليكتبها المؤلف” لماذا لا تفكر الآن أن تطير..”

إن سيارة الموت في كابوس فيلليني هذه هي القبو، والقبو بطل كالصراخ في حذاء فيلليني، وهو ليس السجن ” لو خرجت للسجن من القبو لصرخت بعلو صوتك: إفراج، ورحت تمد في الألف على راحتك وأنت تلوح براحتك.

تتمنى لو أنك حشرة تستطيع الطيران لتمر من أي ثقب إلى نافذة الحياة، لو أنهم اخترعوا حشرة الحرباء كي تستطيع أن تكون صغيراً ومتلوناً كما شئت لتختفي وتهرب بسلام، حتى لا يضربك بغتة من خلفك مخبر ثقيل اليد عريض القفا وأنت واقف أمام حضرة الضابط خشية أن تحط كلمة منك على كتف سعادته فتكسر الرهبة في حدود المكان.

القبو مكان آخر غير السجن، جحيم آخر، القبو مكان تحت القبر، مكان الحساب على الأرض، يقيمه آلهة من البشر، لم تمر عليهم كلمة الرحمة في قاموس الحياة”

الخروج من القبو هو العودة إلى الحياة بروح جديدة ربما لم تغفر لكنها تحررت من محبسها ولم تعد تستعير صوت جلادها.

 

“متعب من كل ما حدث، من الأحداث، من التذكر، من اشتهاء التذكر، من الأصوات”

 

دفعت الأصوات فرجيينا وولف للذهاب إلى النهر بجيوب مثقلة بالحجارة والموت والروائي متعب من الأصوات، ربما لم يعرف وحيد الطويلة ماذا يفعل بروايته في النهاية فهي “ليست رواية عن التعذيب” كما يعترف، فمئات الروايات عن التعذيب لم تستطع أن توقفه، لكنها رواية عن مصيرالإنسان، الجلاد والضحية على السواء،هي كتابة أخرى تنسينا قهر كتابة اعتراف عشرات ربما مئات المرات تحت يد جلاد لا يرحم في استجواب يتكرر كأنه بلا نهاية “اكتب ما نريد يا ابن الكب”، لكني سأكتب ما أريد رغم أنني وحيد الآن أمام كل هذا الرعب..يقول وحيد الطويلة، ويذهب مطاع إلى زميل زنزانته ليستمع إلى أغنيات صباح فخري التي يغنيها بتهتك، ليسخر من أغنية الديكتاتور وصرخة الجلاد.

“القسوة الحقيقية تكشف الأصوات الحقيقية.”

استطاع مطاع أن يعرف حقيقته وحقيقة جلاده تحت التعذيب والأهم أنه انتبه لجسده الذي لم يعرفه في اللذة لكن عرفه تحت قسوة يد جلاده”جسدك الذي ظننت أنك اكتشفته مع جارتك لكنك خبرته لأول مرة على وقع التعذيب لتعرف أن لك صابونة في ركبتك وعظمة نبتت في كتفك تؤلمك الآن وموضع في قفاك يعرف الجلاد أن الضغط عليه يسلمك إلى الموت”

بعضهم رأى في الجسد قبرا كأفلاطون، لكن الجلاد كان أذكى!عرف أن هزيمة الجسد تتبعها هزيمة الروح فقهر الجسد ليستعبده وعلى حد تعبير فرويد”الأنا”لم يعد سيدًا في بيته”.

 مثل فيلليني ارتجل الروائي شخصياته  دافع عن الجلاد حتى وحاول عرض حجته فحتى الشيطان كان حاضرا في محاكمة الجلاد داخل عقل مطاع لقد حاور الروائي شياطينه ليغفر لكنه فجأة وفي لحظة مربكة وعندما قفز من عقله خاطر لقاء مطاع بمأمون الذي وشى به ليعرف أنه فعل ذلك لينقذ إنسانا آخر وأنه أصبح صورة عبثية من جلاده ارتبك ولم يعد منشغلا بالصراخ لم يعد يفزعه سوى مصيره أراد ألا يكون (مأمون) آخر، تبادل الروائي ومخرج الأفلام ومطاع أدوارهم أحدهم يقذف بقبعته إلى الآخر ، نام وحيد الطويلة ليحلم بفلليني أو بنهاية لروايته فحقق له الحلم ما أراد، في الحلم نقتل الجلاد وتنتصر الضحية تهدأ قليلا وهي ترى دماء القاتل تلطخ الجدران تخرج من القبو إلى الحياة، ويستيقظ مطاع ويظغط زر الكهرباء ليعم النور ويسقط صريع صدمته، ويُشفى!

على الأرجح..هذا ما حدث!

 

عودة إلى الملف

 

 

مقالات من نفس القسم