حجازي وصلاح عبد الصبور.. رهان مصري على الشعر الجديد

صلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عزمي عبد الوهاب
نعم.. كان صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي فرسي رهان، دفعت بهما مصر، أو رمت بهما أقدارهما، في سباق الحداثة، أو معترك ريادة الشعر الحديث، المشتعل في العالم العربي، في خمسينيات القرن الماضي، كان الصراع محتدما بين ثلاثة مراكز ثقافية: بغداد وبيروت والقاهرة، وكانت الأسماء: السياب، نازك الملائكة، وفي مرحلة لاحقة أدونيس، ولم يكن المضمار ممهدا في القاهرة، فقد كان العقاد مهيمنا بكل ثقله العروضي والبلاغي، على ساحة الشعر الرسمية، وكان على عبد الصبور وحجازي، أن ينطلقا نحو آفاق شعرية غير مطروقة، تضع اسميهما في صدارة السباق.
كان حجازي قادما إلى القاهرة، من تلا بالمنوفية، ليكون على قدر ولقاء مع صلاح عبد الصبور القادم من الزقازيق بالشرقية، كان الأول قد تخرج في مدرسة المعلمين، والثاني انتهى من دراسته في كلية الآداب، يدفعهما نزق الشباب إلى الحلم، وتحطيم الأسوار الملتفة حول القصيدة، وكانت ثقافة حجازي محصورة فيما أنتجه الشعراء الرومانتيكيون، خصوصا محمود حسن إسماعيل، وهو أول الشعراء الذين سعى إلى لقائهم، حيث ذهب للقائه في مكتبه بالإذاعة المصرية.
كان الشاعر كامل أيوب يسخر مما يكتبه حجازي آنذاك قائلا: “إننا قد نفهم وجود هذا النوع من الشعر، لكن ما معنى العبارات الجوفاء، التي قد تؤثر فيك، لكنك لا تستطيع القبض عليها” مثل هذه المواجهات دفعت حجازي إلى حركة التجديد الشعري، وإلى لقاء صلاح عبد الصبور، الذي كان يكبره بأربع سنوات، وكان ذلك في بداية عام 1955 وفي حديقة كلية دار العلوم، التي كانت تحتفل بصدور ديوان محمد الفيتوري “أغاني إفريقيا” كان اللقاء بينهما فاترا، على حد تعبير حجازي، إلى أن قال فيما بعد: “التقيت فيه بالشاعر والإنسان والموهوب”.
كان للشيوعيين حضور قوي في تلك الفترة، وهم من ساعدوا حجازي للعمل في الصحافة، وقدموه إلى جمهور الشعر، فعمل في مجلة “صباح الخير” عندما كان أحمد بهاء الدين رئيسا لتحريرها، وكان صلاح عبد الصبور قد سبق حجازي للعمل في روز اليوسف، فتطورت العلاقة بينهما على نحو كبير، وهنا يقول حجازي في كتابه “الشعر رفيقي”: “كنا زميلين متكاملين كثيرا، ومتنافسين أحيانا، وقد تعلمت منه شيئا نافعا، هو أن حاجتنا للحلم لا تحمينا دائما من وقوع الكابوس”.
يكشف حجازي عن علاقتهما الملتبسة قائلا: “عندما التقينا لأول مرة، كنت شابا في العشرين مغلقا على إحساس فادح بالموهبة والاضطهاد، وكنت قد قرأت لصلاح الذي كان يكبرني بأربع سنوات قصائده الطليعية التي بدت لي آنذاك نثرا بالمقارنة بشعري الرمزي، لكن صلاح كان قد أصبح مشهورا ولم أكن أنا إلا شاعرا مبتدئا”.
يقول حجازي: “كان في الخامسة والعشرين حين تحقق له كل شيء، الشهرة والعمل المرموق والأجر المجزي، ورضي الجميع بما فيهم الدولة التي اختارته ضمن النادرين من أبناء جيله لتخلع عليه أوسمته وجوائزها، وتعهد إليه منذ أواسط الستينيات بإدارة عدد من أهم مؤسساتها الثقافية” وفيما يشبه الاعتراف يكتب حجازي: “أشعر أنني أفهم الآن صلاح أفضل مما فهمته في حياته، ولهذا أحس بندم شديد، ويتضاعف شعوري بالخسارة، لأني لم أبذل مثل هذا المجهود لفهمه وهو بجانبي”.
هكذا دائما ندرك الحقيقة بعد فوات الأوان، فقد مات صلاح عبد الصبور في مستشفى يبعد عن منزل حجازي بأمتار قليلة، وقد غرقت الحياة الثقافية في ترديد تفاصيل ما دار في تلك الليلة الأخيرة، التي داهمت فيها الذبحة الصدرية شاعرنا، الذي فارق الحياة في الخمسين من عمره سنة 1981.
استغل البعض حادثة موت صلاح للهجوم على حجازي، الذي كان عائدا إلى مصر من باريس، بعد ما يزيد على 17 سنة من الإقامة في منفى اختياري، وانتهزت الصحف واقعة وفاة عبد الصبور، لكي تحرض النظام السياسي ضده، وحين التقاه الرئيس السادات سأله عن تلك الواقعة، كانت العلاقة التي ربطت بين الشاعرين قوية، فهما أبناء جيل واحد، ومن رواد حركة الشعر الحديث، وعملا معا في الصحافة المصرية، قرابة عشرة أعوام، وظلت العلاقة قوية بينهما حتى اليوم الأخير الذي توفي فيه صلاح في المستشفى.
عندما بلغ حجازي السبعين من عمره عقد أتيليه القاهرة احتفالية خاصة بهذه المناسبة، وتحت عنوان “معارك مع الموتى في سبعينية أحمد عبد المعطي حجازي” تساءلت جريدة “الشرق الأوسط” هل كان يجب أن نخطو على جثة صلاح عبد الصبور، بعد وفاته بربع قرن، لكي نحتفل بأحمد عبد المعطي حجازي؟ كان السؤال مغرضا، وكان الشاعر فاروق شوشة في كلمته بالاحتفالية قد تتبع رحلة حجازي، التي تبدأ من ثأر الشاعر الكبير من القاهرة في ديوانه الأول (مدينة بلا قلب) وانتصاره على فوضى الزحام، والانسحاق تحت أقدام المدينة، وأحاسيس الغربة والعزلة.
رأى شوشة أن التجارب الأولى للشعراء المجددين آنذاك، كانت رائعة ومقتحمة ومفاجئة، لكنها صيغت في لغة هشة، تذكره حين يقرأها بالشعر المترجم، أي الغريب عن اللغة، وأكد أنه لم ينج من هذه الركاكة سوى بدر شاكر السياب في العراق، وأحمد عبد المعطي حجازي في مصر.
جاء شوشة في حديثه على ذكر البياتي، مشيرا إلى السباب الذي يملأ شعره! ومنتقلا إلى شعر حجازي، ثم حل شبح صلاح عبد الصبور فجأة، حيث أكد شوشة على الإحكام اللغوي الذي كان يفتقر إليه شعر عبد الصبور، ثم استفاض في الحديث عنه قائلاً: إن عبد الصبور كان دوماً يردد من خلال شعره “أنا مفكر” بطرق شتى، حيث يبرز معرفته بإليوت وأراجون وبودلير وغيرهم، بينما يظل حجازي ابن البرية والسليقة، ليس “لأنه لا يعرف ما يعرفه عبد الصبور، بل لأن تجربته أصفى من حيث الشعرية في مفهومها الحقيقي”.
على أية حال كان حجازي يقول: لم يكن صلاح عبد الصبور بالنسبة لي مجرد شاعر كبير، كما هو بالنسبة للكثيرين من قرائه، وإنما كان صديقا قريبا جدا، عرفته في ليله ونهاره، وفي صمته وكلامه، وفي حزنه وفرحه، وعرفته كما لم يعرفه الكثيرون، لأنه كان يبوح في اللقاء الشخصي حين نلتقي بما لا يستطيع البوح به في الكلام الشفهي ولا في الكتابة، والذين عاشوا في الخمسينات والستينات يدركون ذلك، كانت هناك دائما حالان، الحال التي تظهر فيما يذاع على الناس، والحال الأخرى التي لا يتاح لها أن تذاع، وهي الأعمق، وهي الأعنف والأكثر إيلاما، وإلحاحا على أن تظهر، ثم لا يتاح لها أن تظهر، سيظل عبد الصبور حيا ما بقيت اللغة العربية حية، وما بقي نضال المثقفين المصريين باقيا في سبيل حرية التعبير والديموقراطية التي دافع عنها.
والحال التي نشير إليها ما جاء في رسائل متبادلة بين حجازي وأمل دنقل، حين كان أمل على سرير الموت، كتب حجازي له: “كنت قد وعدتك في نهاية رسالتي الأخيرة أن أكتب لك بعض خواطري عن السخرية في شعرك، لشد ما أشعر بالندم لأني لم أكتب هذه الرسالة في وقتها المناسب، وأذكر أنك سألتني مرة أو مرتين أن أكتب رأيي في شعرك، لم تكن محتاجا إلى اعتراف مني أو من غيري، بل كنت تتلمس دفء الصديق”.
ومن هنا نكتب للشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي قبل أن نركب قطارات الندم، وقبل أن تأخذنا الجائحة في طريقها: كل عام وأنت شاعرنا الكبير.

مقالات من نفس القسم