جزيء

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 ابتهال الشايب 

كنت قد قرّرت هذا بشكل نهائي. أمسَكتْه يدي اليمني في حزم، اقترب من صدغي ببطء، ضغطت علي زناده في نفس الوقت الذي حاولت فيه فروع أعصابي أن تهدأ. خلق صوتاً عالياً ومن ثمّ استقرت الرصاصة في جزء ما من المخ، في تلك اللحظة ظللت أفكّر: ما هذا الصوت الخارق الذي ضجّ فجأة في المكان؟ وقد احترت فهل أفكّر في الصوت أم أحاول أن أستكشف تلك القطعة المعدنية التي التصقت بعقلي سريعاً؟ حاولت أن أستريح بعد ذلك لكن الظلام الذي عقب ضغطي علي الزناد كان أشدّ تشابكاً أمام عينيّ عمّا قبل ضغطي عليه.

لكي لا أبحث في تذكّر ما حدث أحاول أن ألهو.. أجري.. أقفز.. أطير.. أتأمّل.. أصمت.. أسكن. لا أهتم بشيء، لا أكذب، لا أتحدّث، لا أحزن، ولا أفرح. أري أناساً لم أرهم من قبل، يضايقني غرابة الوضع، تمسكه يدي اليمني، يتّجه ناحية عيني، اضغط علي زناده من جديد فيقتلها لكي لا تري ما أصبحت فيه.

 

الحياة كانت مجرّد فرع شجرة كبيرة يطلّ دوماً من نافذة غرفة مستشفى مكثت فيها؛ تحديداً عندما احتلّ المرض جزءاً من جسدي، لم أستطع أن أنزع محاليلي وأجهزتي المتّصلة بي دائماً في الغرفة فكنت عندما أشتاق للنظر إلى الحياة كان يتحوّل بصري على الفور إلي النافذة لأراها عبارة عن فرع شجرة.. تذكّر هذه الأشياء يدفعني إلى أن أمسكه وأصوّبه ناحية جبيني وأضغط على الزناد لكي أمحو بداخلي المعاناة التي عايشتها.

 تقرّر أنّ موتي سيكون بعد أيام معدودة فرسمت رغماً عنّي حدوداً للحزن والكآبة. حارب الأطباء مرضي كثيراً وانهزموا، لم أطق حزني حينما فشلوا، لم أقو على التنفس من دموعي التي كادت أن توهن أنفاسي وتقتلها، ألم رهبة الموت طبع على ملامحي وعندما رآه كلّ من أمّي وأبي اللذان حملا رجاءً بأن أتمسّك بفرع الشجرة المطلّ على غرفتي.. أتمسّك به، أكذب على نفسي، الحياة بجانبي.. تتأمّلني وتتأمّل مكوثي على السرير بلا حراك، أري الشفقة تتلذّذ بهما بينما هما يحاولان إخفاءها عنّي ولكنّي كنت أعرف معانيها جيداً ومرادفاتها ارتسمت جلياً في نفسي. أري الحزن الآن ينقش البكاء في عيون أمّي وأبي علي موتي.. كان لابد لهما أن يفهما أنّ مصاعب انتظار موتي المحتّم تجعلني أتمني أن أموت أكثر من مرّة فأمسكه وأوجّهه ناحية صدري، أضغط علي زناده في عجالة لكي يقتل الألم الذي يملأه.

أقراص الأدوية الملوّنة، فراشي الذي حمل مرضي، جهاز الجلوكوز؛ كانت تحمل عبئاً أخفّ من الموت  في نفسي. مرّ يوم، يومان، عشت في حالة انتظار وكلّما تعدو الثواني والدقائق كلّما تشتاق روحي بأن تعيدها مرّة أخري وترغب في ألاّ تتركها. لأول مرّة شعرت بأنّ يوم الأجازة أجمل أيام الأسبوع، لطالما أحسست قبل مرضي بأنّه أكثر الأيام التي تحوى مللاً. كم ضايقني يوم الأجازة هذا! وكم تمنيت بعدها أن يظلّ هكذا هادئاً وجميلاً! كنت أسعد بمجيء يوم السبت لكي أذهب برفقة خطيبتي إلى الكافيه المحبب لنا، لم أعد أر هذا المكان تحديداً منذ دخولي المستشفي.. تري هل افتقدني المكان بعدما تركت الحياة؟ أري حبيبتي تغمسني بداخل روحها، كم أود أن أقول لها أننّي أحبّك، وأنّ القطعة المعدنية لم تجرؤ علي اختراق حبّك في قلبي حينما اخترقتني.

أقول ذلك فأمسكه، أصوّبه ناحية قلبي، أضغط علي الزناد لكي يهدم قسوة وألم الفراق.

حينما تناثر الحزن في جوارحي، تحوّل بصري إلي النافذة لكي أملأ عينيّ من رؤية الحياة لكنّها اختفت وفارقت النافذة، لم يكن هناك فرع شجرة، وهكذا ظلت النافذة بلا حياة، تساءلت أين الحياة الآن؟ فهل كانت روحي في هذه اللحظة قد تركت جسدي أم كانت تداعبني بواعث الموت؟ دون إدراك نزعت أسلاك الأجهزة الطبية المتّصلة بي، نهضت من على الفراش، تململت قدمي كثيراً، فسرت ببطء خارج أسوار المستشفي كيما أساءل نفسي: هل الحياة موجودة خارج هذه الأسوار؟ عندما شاهدت الشارع؛ كانت موجودة بالفعل، فاتّجهت إلى منزلي ساحباً قدميّ غير القادرة علي السير معي وكنت قد أخبرت نفسي كثيراً بأن يجب أن أودّع غرفتي وكلّ شيء آخر. تملكت يداي رعشة وأنا أتفحّص صور طفولتي، وسألت نفسي بداخل هذه الصور: هل كنت تعلم أنّ كلّ هذا سيحدث لك وأنّك ستظلّ تنتظر موتك كما تفعل الآن؟ أضحك بداخل الصورة والبراءة تعبئ ملامحي بشدّة، الألم كان يكسر ما بقيّ بداخلي، تفقّدت مكان عملي، كان مزدحماً كالمعتاد بينما مكاني فيه خالياً، تهتز قدماي، حرقة كانت تغلغلني في ذاك الوقت وأنا أري كلّ شيء لآخر مرّة. أمسكه، أوجّهه ناحية قدمي ثم أضغط على الزناد لكي تتوقف عن الارتعاش الذي يتملّكها حين أتذكّر هذه الأشياء.

تلاحق ساعات الوقت كان سجناً وعذاب الانتظار كان وكأنّه يجلدني بسوطه بالرغم من سرعة ركض الوقت. عذاب من سيترك حياته بكلّ ما تحويه إلى الأبد كان يعلو ويتضخّم فوق كاهلي وقد اختنقت نفسي كثيراً، فإذا كان هناك موت فليأتيني الآن، كنت أرجو رحمة تستطيع أن تعفيني من ألم ترك الحياة، لكن كان يجب عليّ أن أنتظر وأن أسبح في عوالم التعذيب النفسي ثم جاء وقت كنت قد مللت فيه النحيب والكآبة واليأس، القدرة علي التحمّل اختفت بداخلي، كان لابد أن أذهب إلي الموت طواعية، كان عليّ أن أسبقه قبلما أراه قادماً نحوي. كم كانت هذه اللحظات مريرة! كم أتمنّي أن أمحو هذه الذكريات!

أدخله بداخل فمي ثم أضغط علي زناده آملاً أن يقتل شيئاً لا زال حيّاً بداخلي.

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق