جزء من رواية “الفشل في النوم مع السيدة نون”

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

ذات يوم ذهب تلاميذ من كافة الصفوف في رحلة إلى حديقة الحيوانات، وكانت أمي هي المشرفة .. عندي صورة لهذه الرحلة، اضطررت للاحتفاظ بها لمجرد أنها تنتمي إلى الطفولة، لكنني في حقيقة الأمر أكرهها بشدة .. أنا أقف في المنتصف مبتسماً ابتسامتي المغتبطة، البلهاء، المعهودة، مرتدياً ملابس غير متناسقة، وتعادي ألوانها بعضها: بلوفران؛ واحد صوف برقبة عادية، بيج في أخضر، وفوقه بلوفر آخر، قطيفة أحمر، مكرمش، بفتحة رقبة كبيرة، تُظهر مساحة كبيرة من البلوفر الخلفي، مع بنطلون أزرق غير مغلق جيداً ..

كانت يدي في ذراع الولد الذي كان يشد بنطلون بيجامتي .. في الصورة يقين لا يسمح للذين حتى لا يعرفون شيئاً عن أشخاصها ببذل أي جهد في استنتاج اندفاعي الملهوف، السعيد لوضع يدي في ذراع الولد الذي كان يشد بنطلون بيجامتي بمجرد علمي أننا على وشك أخذ لقطة جماعية .. كان ينظر للكاميرا بعينين متحديتين، واثقتين، يرتدي بلوفر، وبنطلون متناسقين، ومكويين جيداً، ولا يبتسم .. كانت سوستة بنطلونه مغلقة تماماً، وبحسم .. حولنا باقي التلاميذ، وكانت أمي تقف ورائي أنا، والولد الذي كان يشد بنطلون بيجامتي، وكانت تضع يدها على كتفه، وتضمه إليها .. تضم الولد الذي كان يشد بنطلون بيجامتي بيدٍ تُظهِر الصورة بوضوح مدى القوة التي كانت تُلصق بها ظهره في ثديها الأيمن .. بدا المشهد بهذا الشكل كأنه لقطة لزفاف أخذت أنا فيه بالطبع دور العروس، بينما العريس الذي ربما يصحح الآن غلطته حينما نزع بنطلون بيجامتي يستمتع باشتهاء حماته لذكورته وسط تهاني، ومباركات التلاميذ المدعوّين .. كأن أمي حينما تركتني أذهب إلى الرحلة بهذه الملابس كانت تُجهزني للزفاف .. لا أعرف لماذا لم تضع يدها على كتفي، وتضمني أنا .. لم يكن الكادر مزدحماً، وكان يمكنها بمنتهى السهولة ـ لو أرادت ـ أن تضع يدها الأخرى على كتفي، وأن تضمني مثلما فعلت مع الولد الذي كان يشد بنطلون بيجامتي .. لم يكن مطلوباً منها أن تضع يدها على كتف أحد .. كانت أمي هي الوحيدة التي لا تنظر إلى الكاميرا .. كان وجهها يتطلع بعيداً كأنها أُجبرت على التصوير، وعلى عكس ما يبدو في الصورة فإن البصر الضعيف لعينيها المنكمشتين وراء زجاج نظارتها السميك لم يكن يدقق في شيء محدد، بل كان يهرب فحسب من مواجهة مباشرة مع العدسة .. لم تكن لديها القدرة على استدعاء البهجة التي يتطلبها التقاط صورة .. أنا أعرف هذا .. ربما أيضاً لم تشعر بيدها التي تضم الولد الذي كان يشد بنطلون بيجامتي .. ربما كانت تعرف فقط أن التقاط صورة يعني اقتراباً يضم كائناتها، ولم تكن تدري من الذي تلصقه بها مع شرود عينيها، وغياب ذهنها في سفرٍ لحظي مجهول .. لكن ربما ليس صدفةً أن يدها اختارت أثناء عدم الانتباه أن تضم ولداً غريباً .. ولد لديه كل الحق في الوقوف مطمئناً، صلباً، متخذاً هيئة الموديل الذي يعرض كيف يمكن لطفل الابتدائي أن يبدو رجلاً، معتزاً بنفسه، وبدماغه التي تساوي ثقلها ذهباً .. لديه كل الحق مع ذلك الثدي الكبير الملتحم بظهره كمكافأة مستحقة لشخصيته الخبيرة، والمثالية .. أصبحت أكره الابتسام في الصوّر منذ زمن طويل.

 

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق