“جبل الزمرد”.. الخيال ملكاً .. والحكاية بعثاً.. والذكرى خلوداً

"جبل الزمرد".. الخيال ملكاً .. والحكاية بعثاً.. والذكرى خلوداً
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمود عبد الشكور

تمثّل رواية "جبل الزمرد" لمنصورة عز الدين قفزة هائلة فى مسيرتها كصوت خاص من أبرز أصوات فن الحكى، فبينما كانت "متاهة مريم" و"وراء الفردوس" تتعاملان بشكل أكبر مع العالم الداخلى النفسى، وتصفّى حسابات بطلاتها مع خبايا القلوب وجراح الماضى، فإن "جبل الزمرد" لا تنفتح فقط على عوالم ألف ليلة وليلة الساحرة، أو على خيالها المحلّق فحسب ، ولكنها تحمل بطلاتها أيضا من محيطهن الضيق، وذكرياتهن الصغيرة، ومتاهتهن المحدودة، الى أفكار فلسفية ووجودية وصوفية بحجم الكون والملكوت، بل إن أفكارا محورية فى الرواية المدهشة والمركّبة (رغم مظهرها الحكائى البسيط)  كالتحليق والخروج والهجر والعوالم المتوازية العابرة للازمان، تجعل للتجربة الكثيفة أعماقا لا نظير لها فى أعمال منصورة السابقة، ذلك أن المسألة تتجاوز إغواء استلهام ألف ليلة وليلة بصورة معاصرة، ولكنها محاولة شديدة الطموح لطرح أسئلة حول معنى الفن، وقدرة الحكى على البعث، وتجاوز الحكاية الى مغزى إشاراتها ورموزها، يكاد يتحول الحكى هنا الى تميمة للبعث، تعويذة تكتشف من خلالها البطلات أنفسهن، ثم تكتشفن العالم، يمكن أن تعتبر "جبل الزمرد" مجازا هائلا ليس فقط لتجميع ما تفرق من حكاية الأميرة زمردة، ولكنه مجاز لعملية تجميع بطلات منذورات لأقدار تتجاوز همومهن الصغيرة، ليست الرواية فى حقيقتها إلا محاولة لكى تنظرن من عل مثل جبل شامخ، لتكون الصورة أوضح وأعمق للتجربة الإنسانية بأكملها.

لايعنى ذلك أن “جبل الزمرد” تمثل قطيعة عن أعمال منصورة السابقة، فمازال عالم الأحلام والجنون والإنتحار يمثل هروبا وانعتاقا من الواقع، ومازالت الشخوص معلّقة فى حبائل مصير قدرى غامض، ولكن تستطيع القول أن الهروب فى “جبل الزمرد” يكون الى الخارج وليس الى الداخل، حتى لو كان فى ذلك الهروب متاهة أكثر تعقيدا، تقود الى تغريبة كتلك الى عانى منها سكان جبل قاف، فى صميم معنى الرواية فكرة البعث بكل تنويعاتها، وهذا الإيمان الصوفى بالقدرة على الوصول، وتلك الفكرة الدينو/ ميثولوجية التى تمنح الكلمة القدرة على البعث والخلق والتحويل ( فى البدء كان الكلمة)، وكأن الإنسان يستعير بعضا من قدرة خالقه، ولعل ذلك هو أحد معانى “الف ليلة وليلة” الفلسفية الكبرى، التى تستطيع أن تقول إنها لم تخترع فقط عالمها، ولكنها اخترعت أيضا إنسانها الخارق، والمتجاوز لزمانه ومكانه وواقعه المحدود، لعل هذا سر بقائها وخلودها، وإذ يكذّب الواقع قدرة الإنسان الإفتراضية اللامحدودة، وإذ يهزمه الموت مستخدما أتفه جرثومة، فإن الفن والخيال هما سلاحا الإنسان لهذا البعث الأبدى والمتواصل وليس أى شئ آخر، الإنسان هو العنقاء فى ألف ليلة، وخياله هو جبل الزمرد الثمين القادر على العودة وإعادة التشكل، والكلمة هى جبل المغناطيس الذى يجذب المعانى، فيصنع منها حكايات لا تموت.

أدركت منصورة جوهر “ألف ليلة وليلة”، مغزاها كتميمة فنّية ضد الموت، فانطلقت فى “جبل الزمرد” الى آفاق مذهلة، وبدرجة من النضج والتمكن مثيرة حقا للإعجاب، أدركت أن منطق الليالى (ولعله قانون الفن أيضا) هو كسر المنطق التقليدى، هو الإحالة الى الخيال الذى لا يعيد فقط تكوين الأجزاء فى كل واحد متماسك، ولكنه يعيد تشكيل الزمن مثل قطعة صلصال، احتفظت منصورة من كتاب “ألف ليلة” بعالمه الساحر الغرائبى، وبحفاوته المطلقة بفن الحكى الذى أصبح على أيدى شهر زاد مرادفا  للحياة (أنقذ حياة شهر زاد وأنقذ حياة وعادات وتقاليد وأحلام شعوب بأكملها)، بل إنك تستطيع أن تعتبر أن كاهنة الأبيض والأسود المعاصرة والمسماة بستان البحر، القادمة من جبل الديلم، حاملة معها مهمة مقدسة لبعث الأميرة زمردة، هذه البطلة العارفة بكل شئ، والتى تقود دفة السرد والحكى فى زمن جبل الزمرد، وفى زمننا الحاضر، ليست سوى شهر زاد معاصرة، لا تكتفى فحسب باسترجاع حكاية مفقودة فى كتاب “ألف ليلة”، وتخليصها من التحريف، ولكنها تسقط على الحكاية أسئلة عصرنا، وتكاد ترى فى الفن والخيال والحكى خلاصا من واقع إحباطات المدن المجنونة والصاخبة.

قالت زمردة فى سالف العصر والأوان:” الحكاية ستعيدنى، وكاهنة الأبيض والأسود ستجمع شظاياى”، فقررت بستان البحر أن تنذر نفسها لبعث أميرة جبل الزمرد، جبل قاف حيث الحكمة المؤدية الى فهم الذات وفهم العالم، تستعين فى بحثها بمخطوطات تحمل علامات وشفرات، وتقودها رحلتها الى القاهرة، حيث تلتقى هدير، الفتاة المصرية المتمردة فى مدينة صاخبة ثائرة وتائهة، وابنة امرأة جميلة هى نادية التى تضحك لها المرايا، هدير ابنة عصرها وزمنها، ذات يوم فى طفولتها فقدت خاتم أمها ذى الفص المصنوع من الزمرد، وبستان البحر، وزميلها الإيرانى كريم خان هما من أحفاد نساك وحكماء جبل الزمرد، الذين خرجوا الى متاهة وتغريبة، إثر لعنة زلزلت المكان وأحرقته، لم يعد ممكنا ان يعود الجبل، إلا من خلال الحفيدين، وإلا عن طريق زمردة عصرية لاتدرك أنها جزءا من تميمة البعث الجديد، تمد منصورة خيوطها الحريرية بين أبطال الأسطورة البائدة وأبطال الواقع الراهن، تزيل الفواصل ببراعة آسرة بين ما هو واقعى وبين ما هو أسطورى، وتحكى بستان البحر الحكاية بسلاسة ما بين جبل المغناطيس وأرض الحيّات فى الماضى الاسطورى، وما بين شيراز والقاهرة وتورنتو وإسبروك وثاكاتيكاس وساوث شيلدز فى الزمن المعاصر، الخيال هو الذى سيمحو الفواصل بين الشخوص والمدن، هو الذى سيسد الثغرات، وهو الذى سيجعل من الحاضر قادرا على بعث الماضى، هنا نجاح منصورة الأهم: لقد أثبتت عبر الحكاية أن إنسان اليوم لايستطيع أن يهرب من ماضيه الأسطورى، ولايمكنه أن يتجاهل العلامات والإشارات والأقدار، وأنه بدون الخيال قد يكون مصيره الوحيد هو الجنون (مثل مجنون حى المنيل ذى العينين الخضراوين الذى يشنق نفسه ومثل ذلك الرجل الصارخ فى نافذة شقته بشارع التحرير وسط ذهول المارة)، لاتؤدى الرحلة فقط الى استعادة وبعث الأميرة زمردة، وعودتها الى كتاب الليالى بلا تحريف، ولكنها تؤدى الى تحليق هدير/ زمردة المعاصرة حرفيا فوق عالمها الضيق، تصبح هدير مثل منار السنا المرأة ذات الريش فى كتاب الليالى، تكتشف، ونكتشف معها، أن الإنسان وأسئلته وهمومه واحدة سواء فى جبل الزمرد أو فى القاهرة أو فى كندا: حلمه الدائم بالخلود، بحثه الذى لايتوقف عن جنة مفقودة (قد تكون عاصمة مثل ستكهولم أو جبل للزمرد يظهر كرؤية أمام صائغ اسمه بلوقيا أو مدينة تعرف الليل كما حلم دوما إيليا الباحث عن سحر من نوع آخر)، قوة “جبل الزمرد” فى أنها وضعت أبطالها الأسطوريين والواقعيين، البائدين والأحياء فى سلة واحدة نُسجت من حلم وخيال وتصوف وفلسفة، أصبحت الرواية مثل المرايا الكثيرة التى نراها على صفحاتها فى الماضى أو فى الحاضر، مثل بحيرة اللجين التى لا يرى فيها الأبطال ذواتهم فقط، ولكنهم يرون ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم أيضا.

ظلت الرواية معلّقة بخيطين رفيعين فى شكل سؤالين ينتميان الى الفن بقدر ما ينتميان الى الفلسفة: هل كان من الأجدر بسكان قاف وبالأميرة زمردة أن يقنعوا بالبقاء معزولين فى أرضهم تحت حراسة الحية الأمينة التى تنفذ قدرا لا فكاك منه ؟ أم أنه كان لابد من المغامرة حتى لو كان الثمن هو الفناء ثم البعث كالعنقاء؟، أما الخيط/ السؤال الثانى فهو : هل الكتابة مقبرة للكلمات ولعنة تقود الى الكذب والتحريف أم أنها أيضا مستودع للذاكرة وتميمة لولاها ما حفظنا المعرفة؟ إجابة منصورة عن السؤال الأول هو الإنحياز الكامل للبحث عن المطلق بالخروج والمغامرة، بل والإيمان الصوفى بإمكانبة الوصول عبر العلامات، ومن خلال التخلّى والترقى والتحليق والجهاد الروحى، للمغامرة ثمنها، ولتجاوز الحدود ضريبته، ولكن التجربة تستحق، ربما لكى يصبح الإنسان نفسه جبلا يرى من أعلى ذاته، بدلا من ان يكون مجرد ساكن منعزل للجبل.

فى إجابة منصورة عن السؤال الثانى إنحياز لرؤية أفلاطون فى “محاورة فايدروس”، إذ كان يرى فى الكتابة تحريفا، متسقا مع فلسفته التى تقوم على الأصل والصورة، والجوهر والظل المزيف، حكماء جبل قاف كانوا منحازين فى الواقع لكتابة “تاريخ” الأميرة زمردة بلا تحريف، وليسوا منحازين لكتابة “فن” عن حكايتها الأصلية، فانحازت لهم منصورة  تماما معلنة الحرب على التحريف الذى وقع للحكاية، دون أن تدرك كاتبتنا باذخة الموهبة، أنها يجب أن تنحاز للفن، وليس للتاريخ، بينما يُعنى التاريخ بالأصل وبما وقع فعلا، فإن الفن ليس فى حقيقته إلا تحريف للواقع وللتاريخ لأنه يمر عبر الذات، بل والذوات التى تضيف إليه، وأفضل نموذج على ذلك هى “ألف ليلة” التى اكتسبت ثراءها الخرافى من تلك اللمسات الملونة الإضافية التى جعلتها مثل قوس قزح، بل إن رواية “جبل الزمرد” ليست فى حقيقتها سوى تحريفا مبدعا لأن الماضى والحاضر والليالى خرجوا إلينا من قلب رؤية مؤلفة موهوبة. ليست المشكلة إذن فى الكتابة والتدوين، إذ أن التحريف قد يطال كذلك النصوص الشفاهية، المشكلة أنه عندما ينتفى التحريف بإضافة الذات والخيال، ينتفى الفن نفسه، رؤية أفلاطون تليق ببناء فلسفى صارم وعقلى، ولا تليق بالفن أو بالخيال الذى يعمل وفق قوانين مختلفة تماما.

تلك ملاحظتى الوحيدة على رواية عظيمة، لا تتنازل عن الإمتاع الفنى، ولا تفلت فكرتها، ولا تجعل قارئها يتركها من يده،، ولا تغفل طرح أسئلة إنسانية كبيرة، جبل الزمرد مكانه عقلك وحلمك وطموحك فى أن تحقق ما وراء القدرة، الملك ليس ياقوت، ولكنه خيالك وإيمانك وقدرتك على المغامرة حتى مع التسليم بالقدر، والعنقاء ليست سوى الإنسان الذى يموت فيبعث بالذكرى ومن خلال ذاكرة الأحفاد، أما الأساطير والحكايات فليست إلا مرايا  وبحيرات من لُجين نرى فيها ماضينا وحاضرنا ورغباتنا وربما مستقبلنا، فهل هناك سحر أكثر من أن يقال كل ذلك فى رواية واحدة؟

 

 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم