ثلاث محاولات للانتحار

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

هيثم لاشين

ينظر لساعته، الثالثة الا عشر دقائق. يقوم من كرسية ويعدل من بدلته الصيفية ذات اللون الكاكي. يجمع اوراقه الملقاة علي المكتب بعناية ويضعها في حقيبة يده التي تآكل جلدها. مشط بلاستيكي صغير يمشط شعرات قصيرة اختلط فيها الأبيض بالأسود.  سلامات وكلام مبعثر يتناهي الي سمعه في طريقة للخروج، حاول احدهم استيقافه فأزاحة عن طريقة دون ان ينبس ببنت شفة.





الشارع يختنق برواده بينما تتعامد الشمس علي مسام جلودهم مخلفة بحور من عرق وروائح عفنة.  كلهم مسرع في طريقة لقضاء مصلحته، البعض يتمهل لقليل من الوقت يلتقط انفاسه ثم سرعان ما يدرك فداحة خطأه.. الثوان التي اضاعها في التقاط انفاسه كان يمكن ان يستغلها في شئ ذو جدوي.

في الماضي كان يأخذه هذا المصعد الي الجنة، مقهي يحتل سطح الفندق حيث يقدم مالذ وطاب من المأكولات الشرقية والكحول. يأكل ثم يستند الي السور ممسكاً بكأس من النبيذ الأبيض فتصبح القاهرة في قبضة يده. الجنة اصبحت خرابة نسيها حتي اخلص روادها. تلفحة نسمة صيفية حارقة فور ان يغادر المصعد، يمشي متمهلاً،غير ابه بحرقة الشمس، حتي السور. يدور ببصره مستدعياً ما تبقي لديه من ذكريات للجنة. القاهرة قبيحة في وجود الشمس، اناس بعدد الحصي في الشوارع، مباني ضخمة كئيبة، حتي القصور العريقة تظهر الشمس شقوق شيخوختها.

القيظ، كلمة غليظة، لا يذكر اخر مرة مرت بخاطره. علي السور يقف بينما تتعامد الشمس علي رأسه بلا هواده، والناس في  الأسفل مازالوا يبحثون عن جدوي. العرق يتقاطر من جبينه بغزاره، يمسحه بيده فيهتز اتزانه وتكاد قدمه ان تنزلق. سخونة السور تلسع قدمه والشمس لا ترحم رأسه. القيظ هو صميم الصيف حيث تجهز الشمس كل قوتها علي رأسك فتمتلئ الانوف  برائحة الجلد المحترق.

نظرة اخيرة الي الناس في الأسفل، يمسك كأس خيالي من النبيذ الأبيض، ويقفز. كل ما يأمل فيه ان يكون موتاً سريعاً بأقل قدر من الألم. تقتحمه افكار ايجابية في طريق هبوطه، ربما اتخذ قراراً متسرعاً، يمكنه دوماً ان يبدأ من جديد، يطلق زوجته ويهجر اولاده وكل من يعرفهم ويبدأ حياة جديدة في مكان لا يعرف فيه اي شخص. عقله شارد، الهواء الساخن يضرب وجهه بقوة، تتحرك يداه في جميع الاتجاهات محاولة التمسك بأي شئ في طريقها دون جدوي. تلتقي قدماه بالأرض، عقله توقف عن العمل، يعجز عن تفسير الالم الذي يمزقه. عظام القصبة تخرج من مكمنها محطمة الركبة، ثم تخرج من الجلد السميك، انطبق صدره علي بعضه، سمع بأذنيه عظام القفص الصدري وهي تتهشم الواحدة تلو الأخري، لكن الألم العظيم كان يأت من مؤخرة رأسه، كُشط الشعر تماماً، وتآكلت طبقة الجلد التي تحمي المخ. الألم يصرخ بداخله، لكنه حتي لا يتسطيع ان يحرك اي عضلة في وجهه، بحيرة صغيرة من الدم تتجمع تحت جسده المهشم.

الناس تتجمع من حوله، يتبرع احدهم ببعض الجرائد ليغطوا بها الجثة المهمشة. بين الوقت والأخر يأت مشاهد جديد ليصفق يداه في يأس وهو يحوقل.يتكاثر اللغط من حوله، من يقول انه زميل عمل فقد مرتبة الذي كان يصرفه علي دواء امه المصابة بالسرطان، بينما يجزم اخر انه رفيقة كل يوم علي القهوة خانته زوجته مع جاره ولما واجهها طردته من الشقة، يبرز من الجمع شاب متأنق في بدلة سوداء يأمرهم بصوت صخب ان يبلغ احد من اقرابائه الاسعاف، فللميت حرمة. يختفي اللغط فور ان ينهي كلامه وتظل الجثه في مكمنها.

لغطهم كان يتناهي الي سمعه كأنه ات من عالم اخر، الالم يصبح اقل وطئه مع مرور الوقت، لا يستطيع ان يحدد في اي عالم هو الان. لكن فكرة انه ظل في عالم الاحياء فكرة باعثة لأقصي ايات اليأس، فشل حتي في محاولته لنبذ الحياة. الالم يتسرب من جسده، يشعر ان روحه ردت اليه من جديد، ينزع من علي جسده اوراق الجرائد الممتزجة بدمه، ويقوم في وسط ذهول من الجميع. الكدمات تبدو في كل شبر من جسده، بعض الجلد مكشوط يظهر عظامه المكسورة داخل جسده، يمشي بهدوء بينما يتساقط الدم من رأسه. الجميع يسيطر عليه الفزع، يفسحون له الطريق وهم يكتمون انفاسهم من هول الموقف.

مصعد الجنة المهجورة، شمس الصيف الحارقة، السور الزلق. الناس من اسفل ينظرون اليه، والصمت يخيم علي الجميع، عيونهم متسعة عن اخرها. ينظر اليهم بينما يحاول ان يحفظ توازنه، هذه المرة يجب ان تنجح، هذه المرة ينتهي كل شئ. يقفز محاولاً حفظ توازنه بحيث يهبط علي رأسه هذه المرة، هكذا يكون الموت اسرع والالم اقل.

الصرخات تخرج مختلطة من افواه الجمع، يفسحون له مكان سقوطه، بينما يخرج بعضهم كاميراتاهم المحمولة ليسجلوا المشهد العجيب. يهبط علي بعد خطوات من مكان هبوطه الأول، يهبط علي ظهره، فيتهشم عموده الفقري، عظام رقبته تفتت، والألم يعصف بوجهه، لا يستطيع تحديد ان كانت عيناه قد غادرت محجريهما ام ما زالت هناك. يغوص في دوامات جديدة من الالم.

يقترب الجمع منه في حذر بينما تتسائل عيونهم “هل سيقوم هذه المرة؟”. الكاميرات والهواتف المحمولة تظهر في كل الاياد، عربة تصوير تلفيزوني تسرع الي موقع الحدث. يرفع احدهم يده ويتركها تسقط سقوط حر ليعلن استحالة قيامه هذه المرة. الروح ترتد لجسده مرة اخري، يقوم بحيوية ونشاط شاب في ريعان شبابه، الذهول يملأ العيون من جديد. يتحرك وسطهم، يحاول بعضهم ايقافه، شيخ معمم يلقي عليه خطبة عن الحرام والحلال، يدفعه بقوة فيقع علي الأرض.

مصعد، جنة، شمس حارقة. السماء تمطر دماً فوق رؤوس الجمع. يصوبون كاميراتهم نحوه، يبدو عليه التردد هذه المرة، ليس هكذا تخيل الموت. ثم ربما تكون هذه رسالة كونية له، ربما تخبأ له القوي الكبري حياة مختلفة. تعود له فكرة نبذ معارفة وبدأ حياه جديدة، او ربما علي الأقل محاولة الانتحار في وقت اقل صخب.

العيون متعطشة لموت جديد، مغامرة يحكونها لأحفادهم علي فراش الموت، حكايا يصبغونها بخلاصة خبرتهم الحياتية. يصرخ شاب فيه بعلو صوته “نط، نط”. ينظر له الجمع في استهجان، فيصرخ فيه مرة اخري. تعلو الصرخات، وتتقافز من افواه مختلفة. “نط، نط” يهتف الجمع، كاميرا التليفزيون مصوبة تجاهه، والكل عزف عن مصالحة محدقاً في المعجزة. “نط يا جبان، نط، نط” ينظر لهم بطرف عيناه، ثم يقرر ان يؤجل موته لوقت اخر. “نط، لو راجل نط” يتناهي الي سمعه ، ينزل من علي السور، يتمش قليلاً في ارجاء جنته المهجورة، الصوت يصم اذنية “نط، نط” ، الشمس تضرب رأسه بقوة، واحساسه بالألم يعود بقوة اكبر. يصعد علي السور مرة اخري، يعطيهم ظهره، ثم يقفز من جديد.

……………………..

كاتب مصري

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            


مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق