ثلاث لفتات

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

يكتبها رأيت

آلهةً  قديمة تمضي

وآلهةً جديدة تجيء.

 

يوما بعد يوم،

وسنة بعد سنة،

آلهة تسقط

آلهة تقوم.

 

فالمجد للمطرقة

***

ولد الشاعر الأمريكي “كارل ساندبرج” في عام 1878 وتوفي في عام 1967. نحو تسعين عاما إذن عاشها ساندبرج، ولا يقول إلا مجحف إنه ضيع هذه السنين الطويلة عبثا. فالرجل لم يكن شاعرا وحسب، بل إنه ـ كما يقول بعض من كتب عنه ـ هو “الكاتب الأمريكي الوحيد الذي تميز في خمس مجالات هي الشعر والتاريخ والسيرة الذاتية والرواية والموسيقى”.

عنوان القصيدة التي بدأنا بها هو “المطرقة”، قصيدة يمكن أن نراها عدمية، فنرى في تمجيد المطرقة تمجيدا لقوى الفناء، بل إننا قد نرى أن عدمية الشاعر أعجزته أن يرى ما في صيرورة الأشياء من قيمة، وما تنطوي عليه من تقدم أو تطور أو مجرد حركة هي في نهاية الأمر خير من السكون، أقله فيها تسلية. وقد نرى في القصيدة رؤية ثاقبة واقعية وربما حكيمة لما يحدث بداخل الطاحونة الكبيرة التي نعيش بداخلها، طاحونة الزمن. قصيدة إذن، تطلب من القارئ أن يكملها، أن يحدد معناها، ولكنها بهذا الإعلاء من شأن القارئ، قد تتسبب في إرباكه، قد تعلِّمه عن نفسه شيئا، ربما كان ليكون أكثر سعادة من دون أن يتعلمه.

هذا عن القصيدة التي بدأنا بها والتي رأينا وشيجة بينها وبين قصيدة أخرى هي هدفنا الأساسي في السطور التالية وعنوانها “عشب” وقصيدة ثالثة بعنوان “ضباب” نعرج عليها عروجا خفيفا في ثنايا قراءتنا لقصيدة عشب. ثلاث قصائد إذن معنا، انتهينا من واحدة، وتبقى لنا اثنتان.

***

عشب

كوِّموا الجثامين عاليا في أوسترليتز وفي ووترلو

أهيلوا عليها التراب واتركوا لي البقية ـ

إنني أنا العشب

أكسو كل شيء.

 

كوِّموها عاليا في جيتيسبرج

كوِّموها عاليا في إيبرز وفي فردن.

أهيلوا عليها التراب واتركوا لي البقية.

عامان، عشرة أعوام، وإذا الركَّاب يسألون المحصِّل:

أي مكان هذا؟

أين نحن؟

 

وإنني أنا العشب.

فاتركوا لي البقية.

***

طغت تقنية الفلاش باك أو العودة إلى الماضي على تقنية معاكسة هي الفلاش فُورْوارد أو استباق زمن. وما طغيان العودة إلى الماضي على استباق الزمن، إلا إقرار منا نحن البشر بقلة حيلتنا أمام هوة المستقبل الفاغرة لنا فاها، إرهابا أو سخرية. بينما الحقيقة أننا كمن يقف بين أسدين عن يمين وشمال، يلقم هذا شيئا ثم يلقم ذاك، مؤجلا هكذا افتراسهما له، وما يلقمهما إلا بعض نفسه، يقطعه لهما بإرادته.

غير أن بيننا مغامرين، ينظرون إلى المستقبل مستشرفين ما يخبئه لنا. وليس كارل ساندبرج في هذه القصيدة من هؤلاء المغامرين. هو فقط يوهمنا بأنه الهدهد العائد إلينا من مملكة المستقبل يطلعنا على الخبر اليقين، والحق أنه ما نظر إلا إلى الخلف، وما نظر إلا حوله، فرأى هنا وهناك العشب ينتصر في نهاية الأمر، فيكسو الأرض على لينه ورقته وضعفه، مغطيا صناع الأهرام والأبراج والصواريخ العابرة للقارات. أهي الرؤية العدمية نفسها التي رأيناها في قصيدة “المطرقة”؟ أهي الرؤية الحقيقية الصادقة للواقع البشري التي رأيناها أيضا في قصيدة “المطرقة”؟ تركنا لكم الخيرة من أمركم هناك، وهنا أيضا نتركه لكم .. وهل نملك أصلا إلا هذا؟

***

ضباب

الضباب يجيء

على سيقان قطة صغيرة.

 

على أوراك صامتة

يجلس مطلا على الميناء،

ثم يواصل التقدم.

***

بقدر ما تسعدنا صورة سيقان القطة التي اختار الشاعر أن يلحقها بجسد الضباب مضيفا بها لمسة كوميديا لعله حرص على إضافتها تخفيفا للكآبة التي يستدعيها الضباب في أذهان قرائه الأمريكيين، بقدر ما يعيدنا إلى الكآبة صمت الأوراك، وربما إلى حالة من ترقب ما هو أسوأ، فالصمت كما نعرف يسبق أحيانا العاصفة. وبالفعل، قبل أن يواصل الضباب تقدمه، ليكسو كل شيء، اختار الشاعر أن يجعله مطلا على الميناء، على أول الرحلة، ومنتهاها أيضا.

لم يأت الشاعر في قصيدته هذه بجديد أفلت من قصيدة العشب إلا الجديد الكامن في مفردة الميناء. فإذا كان العشب اللين الضعيف قادرا على أن يكسو الأرض بحضوره، ويغلب حضور البشر وحضارتهم، فالضباب أيضا قادر على مثل هذا، ولكنه القادر ذو القدرة العابرة. لذلك أضاف الشاعر الميناء، أضاف الصخب والزحام، أضاف ترقب البشر للمغامرة أو شوقهم إلى الوطن، أضاف البيع والشراء، أضاف زخما كبيرا يستطيع عنصر من عناصر الطبيعة ما ليد أن تمسك به أن يطغى عليه. نعم عنصر لا يمكن الإمساك به، ناهيكم عن الفوز عليه.

 

مقالات من نفس القسم