ثلاثمائة كيلو متر

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمد عامر

قبل أن تتحرك السيارة، سألتْ جارتي في المقعد: هل المسافة طويلة؟

تنظر إلى العلامة المضيئة التي تقول أن المسافة ثلاثمائة كيلو متر حتى وجهتنا. لم يجب أحد، وهى لم تنتظر إجابة، قبل أن تنتهي من السؤال، خفضت عينيها، متحدة بجهازالآي باد، تلعب، تهدم منازل خشبية، بأقل عدد ممكن من الأحجار في أقصر زمن، أثير دفء ما يجذبني إليها، كدت أجيب كى أفتتح معها حديث:

هل تقصدين السؤال عن المسافة أم عن الزمن؟

المسافة مقيدة بالسرعة والزمن كما تقول الحقيقة الفيزيائية، ثلاثمائة كيلو متر هي مسافة طويلة، إنها حقيقة، لكن ما قيمة ذلك، إذا كانت سرعة السيارة هي ثلاثمائة كيلو متر في الساعة؟ أي أننا سنجتازها في ساعة. ولكن الأمور نسبية، فالزمن يعتمد على سرعة وسيلة المواصلات التي تقلنا، وأيضا قوة تحملها التي لم نختبرها بعد، وقواعد الطريق والأمان اللازمة لبلوغ الهدف، لذلك إذا وصلنا خلال ثلاث أو أربع ساعات ستكون المسافة طويلة. أخذ عقلي المتخم بالأفكار فترة زمنية طويلة أوقصيرة- سواء-كي أرتب ما سأقوله، لم أستطع إدراك الفتاة قبل أن تنسحب من الواقع.

أدار السائق السيارة، سأل: كم الساعة؟

لم يرد أحد، كنا أربعة ركاب في السيارة، أنا والآنسة جارتي في المقعد، ورجل وزوجته في المقعد الخلفي، لم يكن ثمة شخص يرتدي ساعة معصم غيري. – كم الساعة؟ سأل مرة أخرى، الآنسة بجانبي ربما لم تسمع، الرجل وزوجته يحدقان فيّ وفي ساعتي، أنا واثق أن كلا منهما يملك هاتفا محمولا، كلاهما يستطيع معرفة الوقت، لماذا ينظران إلى ولا يهمان بالمساعدة؟ هل يفكران أنني أنا من يملك ساعة معصم، واجبٌ علي إخبار السائق بالوقت؟ نشأ صراع لحظي بيننا وقررت ألا أرد. – كم الساعة؟ سأل السائق للمرة الثالثة بنفس الهدوء، وهو يتحرك بالسيارة، القمر مختف من السماء، نهتدي بأضواء كشافات السيارة.

ردت الآنسة: – لماذا تريد أن تعرف الوقت؟

قلت في نفسي: – ولماذا سألت عن المسافة؟

لم تنتظر إجابة. الزوج أجاب :ساعة هاتفي المحمول غير مضبوطة. لم تتكلم زوجته.

وجدتني أقول ناظرا لساعتي: – الساعة الثانية عشرة.

أخرج السائق علبة سجائر كيلوبترا سوبر، سحب منها سيجارة، يطرق بمؤخرة السيجارة على ظفر إبهامه المتصلب بقوة، يتأكد أن التبغ ضغط داخل الأسطوانة البيضاء، يشعلها آخذا نفسا عميقا منها، يخرجه ببطء.أطفأ السائق أضواء السيارة الداخلية، زفر الصمت هواء ثقيلا في السيارة، وضعت بأذني السماعات بعد أن أوصلتها بالهاتف المحمول، أسمع الحفلات الطويلة لأم كلثوم، جارتي منشغلة باللعب، الرجل وزوجته شاردان، لم يتكلما كلمة واحدة، ربما يفكران في حياتهما، في علامات الزمن التي تزاحمت على وجهيهما، وعلى شعورهما،أنظر لمرآة السيارة، مازلت في مقتبل العمر، وأين موضع مقتبل العمر من الموت؟ أبتسم، المرأة تسند رأسها إلى كتف الرجل، احتضنت يده ونامت قليلا، استيقظت مرة أخرى، تبتعد عنه، تكمل شرودها معه. أتوه في أحلام المراهقة التي تلازمني دائما، أغرق في أفكاري العبقرية، عيني تقع على الفتاة جانبي، عيناها تعلقتا بالقمر الذي ظهر للحظات بين الغيوم، وأصابعها لم تدع التحرك بمهارة على الآي باد.

السائق لا زال يدخن، الوقت يمر وأنا هائم مع أم كلثوم وخيالاتي والفتاة، فيما تفكر؟ هل تفكر في الجنس أم ربما الخوف من العنوسة؟ ربما تفكر في فلسفة الأخلاق وأصل الكون! أبتسم! تتوقف عن اللعب، تستدير إلىّ، تجدني أحدق فيها، أمد إليها يدي، تمد يدها مترددة، أقول لها: يدك دافئة! تقول: يدك باردة! تبتسم قائلة: ماذا تسمع؟ أقول: أم كلثوم. تكمل اللعب كأن شيئا لم يكن. أقرأ ما تبقى من مسافة على العلامات الضوئية، أقررأن أتابعها، وأحسب المسافة المتبقية والزمن المتبقي، مائتا كيلو متر بقيت، بقى أقل من ساعة، أنظر إلى الساعة في معصمي، قطعنا إلى الآن مائة كيلومتر في ثلاث ساعات، أي بمعدل…، أجري عملية القسمة على هاتفي المحمول، أي خمسة وثلاثون كيلومتر في الساعة تقريبا، لكن المؤشر في تابلوه السيارة ثابت ما بين المائة والمائة والعشرين كيلومتر، تأخرنا، لماذا؟ مرت ساعة أخرى، العلامة التالية مكتوب عليها: مائة وتسعون كيلومتر، هناك خطأ، وجدت علامة بعد عشر دقائق مكتوب عليها: مائة كيلومتر.

قلتُ: هناك خطأ في العلامات التي وضعتها الحكومة على الطريق.

أجابني الصمت لدقائق، ثم تكلم الرجل: – ربما يكون الخطأ في مؤشر السرعة بالسيارة، أو المشكلة في ساعتك، أو ربما غفوت. أمنت زوجته على كلامه.

قلت: – لكني لم أغف!

. قال: – بلي، غفوت.

قالت الفتاة: – لم يغف. ثم استدركت قائلة: – السائق هو من يعرف المسافة، هل أمامنا الكثير؟

لم تنتظر إجابةكالعادة، لكن لماذا وقفت في صفي، هى مشغولة طول الوقت عني، من أدراها أنني لم أغف قليلا، وجدت السائق يبحث خارج السيارة عن شيء، بعد خمس عشرة دقيقة من علامة مائة كيلومتر، وجدنا علامة مكتوب عليها: خمسة كيلومترات

قال السائق: – اقتربنا.

قلت: – لابد أن هناك خطأ.

قال الزوج: – ميزة العلامات التي تضعها الحكومة، أنها تطمئن المسافر أنه اقترب من وجهته.

مر وقتٌ طويل، لم ننتبه أن ضوء الشمس ابتلع سواد الليل، تعطلت السيارة فجأة، انتظرنا كي يصلحها السائق أو نجد سيارة أخرى مارة على الطريق، لكننا يئسنا، سرنا على الأقدام متبعين الطريق الإسفلتي، تركنا السائق عند سيارته،الفتاة لا تنظر أمامها، تلعب على الأي باد، الرجل وزوجته سقطا من شدة الإعياء.

هتف الزوج: – هناك مدينة على مرمي البصر. أمّنت زوجته على كلامه

أعرف ألاعيب السراب، تعبت أنا الآخر، توقفت قليلا، لم تتوقف الفتاة، قال الزوج: – ربما ستأتي الفتاة لنا بالنجدة. ابتعدت الفتاة كثيرا حتى اختفت، ظللنا لوقت طويل تحت الشمس، حاولت السير مرة أخرى، كلما أقترب من المدينة تبتعد، كأن المسافة ثابتة، ارتعشت قدماي من الإجهاد، سقطت هذه المرة غير قادر على المسير، لمحت الفتاة عند نقطة بعيدة، تسير بخطى ثابتة مستقيمة لا يبدو عليها التعب، لا تنظر إلى الأمام، تحدق فقط إلى الأي باد.

__________________________________________________-

القصة من المجموعة القصصية(الفتاة التي تريد أن تغرقني) الفائزة بالجائزة المركزية للهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية 2015

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق