تــريـكــو

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 

محمد فاروق

1

لم تستيقظ "كوكا" هذا الصباح على صوت الراديو. لم تسمع عبارة "بريد الإسلام برنامج يعده ويقدمه سيد المطعني". لم يضايقها أزيز الباب، ودعاء الحاجة اعتماد وهي تتوضأ لصلاة الصبح. لم يخترق الغرفة المظلمة سرسوب الضوء القادم من شُراعة باب الشقة المشروخة. لم تسمع الحاجة اعتماد وهي تصرخ: "يا غلبي يانا" عندما تفلت من يدها الهرمة المُطرزة بالشرايين طاسة، أو براد الشاي، أو فنجان القهوة ويهوي على الحوض المعدني، فمنذ أربع ساعات ماتت الحاجة اعتماد وهي تغزل التريكو، وحولها بكرات كثيرة من صوفٍ مختلفٌ ألوانه.

 

 

2

اقتربت “كوكا” من جثمان الحاجة اعتماد، وهي ترفع ذيلها، وتتثاءب، وتصدر مواءً معاتبًا. لم تلتفت إليها الحاجة اعتماد كالعادة. لم تقل لها في تودد : “تعالي في حضني يا كوكي”.

صعدت “كوكا” فوق كيس بلاستيكي أزرق كبير مليء ببكرات التريكو ومنه قفزت لحجر الحاجة، تحك ظهرها وتتقلب على فخذيها في دلع مستغربة في آن من تجاهل الحاجة لها. بسطت أقدامها الأمامية وشدت ظهرها للوراء لتتمطى، نظرت الي عيني الحاجة المفتوحتين. حكَّت رأسها في كفها، لعقت وجنتها لتستحثها على النهوض وإعداد الإفطار أو حتى النظر إليها. يأست “كوكا” من إيقاظ الحاجة بحسب ما تعتقد. ذهبت لتوقظ صغارها وهي عازمة أن  تخاصم الحاجة هذا اليوم.

 

3

 دلفت “كوكا” تتبعها قبيلتها ليلقوا نظرة على الحاجة. قفزت القطط على حجر الحاجة، أخذوا يموؤون دون جدوى. شهقت كوكا وتسارعت دقات قلبها. انتصبت شعيرات فرائها نظرت إلى عين الحاجة المحدقة لأسفل، لمست يدها الباردة، فأدركت الأمر. أطلقت مواءً صارخًا فزع له أبناؤها “بوكا”، و”بنورة” و”النمر” و”سمارة” فيما قفز أحفادها الثلاثة عشر مذعورين تحت الكنب والكراسي.

تحلقت كبار القطط بعد أن تمالكوا أعصابهم، حول جثمان الحاجة اعتماد الجالسة على الكنبة، وهي تنظر إلى البلوفر البنفسجي الذي تغزله في حجرها. لجمتهم المفاجأة بالأسى والوجوم. قطع صمتهم عودة التيار الكهربائي المقطوع منذ ليل أمس، ففزعوا مرة أخرى من أزيز الغسالة التي كان بها بعض الكيلوتات، وسونتيان، وجلبية كحلي. صدح الشيخ طه الفشني من الراديو: (ويقولون ثلاثة ورابعهم كلبهم…)، فيما أخذ التلفاز بضع لحظات حتى تظهر الصورة، ومرت هنيهة حتى سمع تكتكة الشريط في الفيديو، ثم ما لبثت أن ظهرت الحاجة اعتماد على شاشة التليفزيون متوسطة ابنها عمرو المهاجر إلى أمريكا وزوجته في ليلة عرسهما، حيث بدت أكثر نحافة، ثم طبعت قبلة على خد العروسين، وهي تذرف دمعَة فرحة، مع قرع الطبول، ونفخ المزامير، رقصت الأم مع العروسين. فيما جثمانها على الكنبة يميل ببطء للأمام حتى سقطت مع انتهاء الزفة على الأرض، بينما صغار القطط الذين لا يراعون للموت جلالًا، ولا يحفظون له مهابة، قطعوا الكيس البلاستيكي بمخالبهم وأخذوا يلهون ببكارات التريكو الملونة في شغف وجنون.

 

4

كان على “كوكا” وباقي كبار القطط أن يفعلوا شيئًا ليخبروا أي أحد من الجيران عن وفاة الحاجة اعتماد. صعدت كل من “كوكا” و أبنائها “سمارة” و”بوكا” و”النمر” و” بنورة” على سور البلكونة، وأخذوا يصرخون دون جدوى، لم يلتفت جار أوعابر لهم. الأسطى رجب الذي يمتلك ثلاثة ميكروبصات كان يجلس في البلكونة المقابلة يدخن الحشيش، أزعجه مواء القطط فقذفهم “بشبشب زنوبة” كان في قدمه حتى يصمتوا. أغلق بلكونته وهو يسب الدين لـ “كوكا” وينعتها بالشرموطة مما أثار حفيظة ذكور العائلة “النمر” و”بوكا”.

 

5

بعد وقت ليس بكثير من انتهاء الزفة وسقوط جثمان الحاجة اعتماد، دخل المدعوون القاعة فرحين. يظهر في الكادر الحاجة اعتماد وزوجها مبتسمين ملوحين بأيديهم للكاميرا. أطفأت أضواء القاعة فيما دخل عمرو وزوجته تحت دخان كثيف، وأضواء زرقاء وحمراء. صفق الحضور للعروسين، ورنت الزغاريد، ثم هدأت عندما رقص العروسان على إيقاع أغنية غربية. فيما يصدح من الراديو القابع على النيش يسار الجثمان صوت الشيخ محمود خليل الحصري وهو يتلو: “يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين” فيما الغسالة ما زالت تصدر أزيزها؛ لأن الحاجة لم تجد من يحملها لفتحي الكهربائي في آخر الشارع، لهذا فالغسالة لا تتوقف إلا بفصل “الفيشة” عنها.

في اللحظة التي كان جوقة الصغار يرددون خلف الشيخ الحصري نفس الآية من المصحف المُعَلِّم، دخلت “كوكا” الصالة فوجدت صغار القطط وقد حولوا المكان إلى فوضى من خيوط الصوف الملونة، خيط أزرق يمتد من النيش للكنبة عابرًا أنف الحاجة اعتماد، خيط أصفر وقد امتد من باب الشقة ملفوفًا حول أذنيها، بكرات من كافة الألوان ملفوفة على أجزاء من جثمان الحاجة، تحولت الصالة إلى شبكة من الخيوط مركزها جثمان الحاجة تخرج منه البكرات في كل ركن من الشقة. لو أن القطط كان لديها شيء من موهبة الحاجة اعتماد في الحياكة والتطريز لصنعوا  لها كفنًا زاهي الألوان والنقوش.

تأملت كوكا هذه المنظر الرائع، جثمان الحاجة تخرج منه بكرات الصوف الملونة .لمعت في ذهن ” كوكا ” فكرة وهي أن ترمي البكارات المربوط بعضها بالجثمان والمعقود بعضها في أرجل رجل الكراسي، وتقذفها من البلكونة والشبابيك حتى ينتبه المارة، ومن ثم يعرفوا بوفاة الحاجة. شخطت كوكا في الصغار حتى يتوقفوا عن اللهو فيما لم يعبأ القط الصغير الذي يدعى “التـِلمْ” وظل واقفًا على وجه الحاجة اعتماد، أصدرت ” كوكا” فحيحها محذرة “التلم” من مغبة عدم إطاعة أوامرها. فانطلق وهو يتأفف إلى الدولاب. شعر التلم برغبة في التبول، فصعد على الكومود الذي يوجد فوقه ورقة خضراء. الورقة عبارة عن تحويل بنكي بخمسة آلاف دولار أرسلته الحاجة اعتماد إلى ابنها في أمريكا؛ لتساعده على المعيشة بعد أن فقد وظيفته.

 

6

في شريط الفيديو، بينما يفتتح العروسان البوفيه والكاميرا تستعرض أجود الأطعمة، واللحوم، والديوك الرومية… كانت ” كوكا ” قد انتهت بعد جهد كبير في إلقاء ما يقرب من خمس وثمانين بكرة بمساعدة أبنائها “بوكا” و”النمر”، و”سمارة” فيما لم تساعدهم بنورة لأنها لا زالت في فترة النفاس. كانت بعض البكرات معقودة حول الكراسي، العشرات معقود في الآخر، جهد كبير بذلته “كوكا”؛ لكي تنتهي من هذا العمل الشاق هي وباقي القطط الكبيرة، خاصة مع عبث الأطفال ولهوهم الذي لا ينتهي ببكرات الصوف وخيوطها التي تسحر ألبابهم.

لو رفع المار في الشارع بصره نحو بلكونة الحاجة اعتماد لرأى خيوطًا ملونة كثيرة تتدلى منها كقوس قزح يتراقص في السماء. صغار القطط يلعبون بالخيوط على سور البلكونة بينما يستفزهم رقصها في الهواء. قفز أحد الصغار، الذي يتسم بالكثير من الرعونة ويدعى “الشريِّب” من البلكونة بعد أن شاغله خيط أحمر، كاد أن يلقى حتفه من الدور الرابع، لولا تعلقه بثلاثة خيوط صفراء معقودة، ظل “الشريِّب” معلقًا يتأرجح في الخيط يمينًا ويسارًا كالبندول لا يحسن الصعود أو النزول. ظنت أخته “شوقية” أنها لعبة مسلية، فقفزت متعلقة بخيوط أخرى. حاولت “كوكا” و”النمر” إثناء باقي الصغار عن القفز على الخيوط دون جدوى. تبع سبعة قطط آخرين القفز على الخيوط. نجح خمسة منهم في التقاط الخيوط فيما أنقذت العناية الإلهية “فايزة” التي سقطت على منشر غسيل أبلة سلوى في الدور الأول، بينما “حشمت” وقع على سيارة نقل بها عفش لعروسين جديدين في العمارة المجاورة، فجزعت ساقه الخلفية وأخذ يزك بها حتى أنزله أحد العمال من على المرتبة، ووضعه على الرصيف.

 

7

راح جهد ” كوكا ” هباءً منثورًا، الناس في الشارع لا ينظرون أمام عيونهم، ولا يسمعون مواء القطط الذي يبدو ككورال حزين، لم يلفت نظرهم سيرك القطط المعلقة في الخيوط الملونة التي تبدو كلوحةٌ مبهجة. طفلةٌ واحدة فقط أخذت تضحك وأمها تحملها عندما رأت لوحة القطط والخيوط. تقفز الدهشة في عينيها العسليتين، تضرب على خد أمها بأناملها الصغيرة تحاول أن تجعلها تنظر إلي أعلى وهي تقول : ماما… أوطّة… العَب… ماما أوطّة العب”. باستثناء هذه الطفلة لم يهتم أحد بالمشهد، لم يمسك أحد بالخيوط الملونة إلا هذه الطفلة العابرة.

رجب يحشش في البلكونة، “أبلة سلوى” في الدور الأول تتشاجر مع زوجها رغم أن معظم الخيوط تتجمع على شرفتها. المارة يمشون في سحابة من الغبار والعفرة، مقطبين، أو شاردين. بائع خبز يركب دراجة يختل مقودها في يده بسبب تشبك خيوط الصوف في السير. يقع على ظهره تحت البلكونة فلا يلفت نظره كغيره الخيوط الملونة والقطط المتراقصة، ولا يفطن إلى رسائلهم. يجمع الخبز ويضعه على السبت الخشبي ويمضي، يقود دراجة بيد ويسند السَبت بيد ويقول للمارة: بسسسس.

فرح عمرو أوشك على الانتهاء، المدعوون والأقارب يأخذون صور فوتوغرافية مع العروسين على إيقاع موسيقى سريعة. الحاجة اعتماد تتوسط العروسين اللذين يهمان بتقبيلها على خديها، لولا انقطاع التيار الكهربي بسبب احتراق موتور الغسالة الذي لم يتوقف عن الدوران لشاهدنا الحاجة اعتماد وهي تسبل جفنيها سعيدة مع قبلة العروسين، لم يتمكن الشيخ الطبلاوي أن ينطق حرف الراء في الكلمة الأخيرة من الآية : تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير.

ساد سكون بعد ما يقرب من ساعتين من الجلبة، والمواء، والرقص، والترتيل. أُرهق معظم القطط من التعلق بالخيوط الصوفية، فسقطوا تباعًا دون أن يلحق بهم أذى. لم تستطع كوكا النزول على الخيوط لكبر سنها، وعدم قدرتها على القفز. جلست بجوار جثمان الحاجة بعد أن اطمأنت أنه لم يصب أحد من أبنائها وأحفادها بمكروه. لولا أن الحاجة ملأت البانيو قبل وفاتها بسبب تكرر انقطاع المياه لماتت “كوكا” من العطش، اقتاتت في هذه الأيام على بقايا طعام أكلة سمك في القمامة، وحلة بها لوبيا على البوتجاز.

 

8

في اليوم الخامس. أبلغ الجيران الشرطة بعد أن لاحظوا غياب الحاجة اعتماد. كسرت الشرطة الباب لتجد الحاجة اعتماد ملقاة تفوح منها رائحة الجيف. لم ينتبه أحد من الجيران أو أفراد الشرطة لخيوط الصوف الملونة المعقودة بعضها في رجل الحاجة، التي تتدلى أطرافها من النوافد والبلكونة. رن جرس الهاتف. رفع الضابط السماعة. عمرو يتحدث من أمريكا ليطمئن على والدته. يعتقد أنه أخطأ الرقم. يغلق الخط. يتصل مرة أخرى. يخبره الضابط بوفاتها. حَوقلَ “عمرو”. خرجت ” كوكا ” منهكة من باب الشقة لتواجه في شيخوختها عهدًا جديدًا من الشقاء والتشرد والضياع، بينما كان أمين الشرطة يضع موبايل الحاجة اعتماد في جيبه ويدس ورقة بمئتين جنيه لمحها على النيش.

 

ــــــــــــــــــــــــ

محمد فاروق

قاص – مصر

ــــــــــــــــــــــــ

اللوحة للفنان: إبراهيم البريدى

ــــــــــــــــــــ

خاص الكتابة

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق