تعالوا نُجرّبْ غلاسة المحبة

عاطف عبد المجيد
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عاطف محمد عبد المجيد

ترتبط علاقتنا بالآخرين، وتتبرمج تصرفاتنا معهم، حسب محبتنا لهم، حسب قربهم منا، أو بعدهم عنا، حسب علوّ الحواجز بيننا، أو انعدامها، حسب حجم مقاعدهم داخل قلوبنا، وهل هناك مَن ينافسهم في ذلك أم لا.

هناك أشخاص نتعامل معهم بالشوكة والسكين، ببرتوكول رسمي خالص، وهناك مَن نتعامل معهم بشكل شبه رسمي، فيما نتعامل مع بعضهم وكأننا نتعامل مع أنفسنا: نتحدث، نمزح، نقول ما نريد دون أن نخشى أي تفسير خاطئ لما نقول، ودون أن نضع سوء الفهم في اعتبارنا. هؤلاء نتعامل معهم تعاملنا مع أنفسنا، ومهما قسونا عليهم في أحاديثنا، مهما كان مزاحنا سخيفًا، ومهما زادت غلاستنا، لكننا نعرف أنهم يفهموننا جيدًا، نعرف أنهم لن يفسروا ما نقول على محملٍ آخر غير هذا الذي نقصده.

قد يكون في حياتنا أشخاص كثيرون نحرص في علاقتنا معهم على الرسمية المفرطة، المبالغ فيها أحيانًا، حتى لا نضع أنفسنا على خازوق التأويل الخاطئ، أو المنعكس، لتصرفنا أو لكلامنا معهم. هذه الطريقة في التعامل متعبة للغاية، كأنك مجبر على ارتداء الزي الرسمي طوال الوقت، دون أن يُباح لك تبديله حتى في أوقات الراحة. إنها علاقة مضنية، تأثيرها النفسي لا تُضمن عقباه.

أما أولئك الذين نحبهم، أو تجمعنا المحبة معهم، فطريقتنا في تعاملنا معهم، أو تعاملهم معنا مختلفة ومريحة ومحبّبة إلى أنفسنا. ليس هناك أجمل من أن تشعر وأنت تتعامل مع شخص، وكأنك تتعامل معك أنت شخصيًّا، لحظتها لستَ بحاجة إلى انتقاء كلام بعينه، لستَ بحاجة لأن تتهيأ لاستقباله كما تقول بروتوكولات الإتيكيت الفرنسية، أنت معه كأنك معك، تضحك، تبكي، تمزح، تُظهر ضيقك، تأففك، تُبدي سعادتك، أفراحك، تفتح قلبك، تبوح بما في داخلك، كل ذلك يحدث دون أن تخشى شيئًا، بل تلجأ إلى فعل هذا معه كطريقة لعلاج نفسي يُخلّصك من كل ما تشكو منه من متاعب الحياة.

مثل هذا الشخص بمثابة كتفٍ حنون تحتاج إليها رأسنا، كي تستريح عليها، وكي يسحب منها كل ما يعكر صفو دمها. في حياتنا لسنا بحاجة، أبدًا، إلى أشخاص نفكر ألف مرة قبل أن نقول لهم أي كلمة، قبل أن يبْدُر منا أي تصرف تجاههم. لسنا بحاجة إلى أشخاص بعد أن نتركهم نُدخل أنفسنا في دوامة تفكير لا نخرج منها، خوفًا من أن يكونوا قد فهموا ما قلناه خطأً. لكننا بحاجة ماسة إلى شخص نقف أمامه كأننا نقف أمام مرآة، بملابسنا مهندمة، أو غير مهندمة، بشَعرنا وهو في أبشع حالاته، بوجهنا ونحن ننفض عنه غبار النوم. نحن بحاجة إلى شخص نقول له أنت أنا وأنا أنت، شخص لا تفصل بيننا وبينه حواجز، أو بروتوكولات، أو رسميات تحوّل الكائن الحي إلى جماد، لا يبادل الآخرين مشاعرهم ويتعامل معهم ببرود انقطع نظيره منذ القرون الخوالي.        فتعالوا نبحث معًا عن شخص يفهم جدنا ومزاحنا، يتحمل غلاستنا عن طيب خاطر، ولا يمل مهما زادت هذه الغلاسة أو تكاثرت، بل يراها ضريبة للمحبة التي تجمعنا به، فنتعامل معه باطمئنان يريح أنفسنا ونشعر معه بأمان لا يتاح لنا الشعور به مع سواه.

تعالوا نبحث عمن يقرأنا صامتين أو متحدثين، غاضبين أو مسرورين، عمن لا يُغضبه مزاحنا وإن زاد عن حده، عمن لا نندم على أننا فتحنا قلوبنا له وانتقيناه من بين كثيرين لم نرَ أحدًا منهم يصلح لأن نتخذه مرادفًا لأنفسنا.

تعالوا نبحث عمن نحبه ونحب وجوده في حياتنا، نحب غلاسته قبل لطفه، قبل ذوقه وظرفه، تعالوا نبحث عمن نحبه ويحبنا دون انتظار لمقابل، عمن يحبنا وفقط دونما سبب، وقبل كل ذلك تعالوا نجرّب كيف تكون غلاسة المحبة!       

مقالات من نفس القسم