تصريح بالغياب

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

فصل من رواية : منتصر القفاش *

… والجيش

نبات له قضبان طوال خضر،

مملوء حبًا صغيرًا. والجمع جيوش.

" لسان العرب "

1

لم يكن الدخول سهلا.

ربما لأنني تعثرت في درجة حجرية من السلم الصغير. لأنني كنت مسرعا فاصطدمت بأحد يهم بالخروج، أو توهمت أن هناك بابًا.

ظننت الأمر كله في متناول يدي. أن أستعيد تلك الرواية و أرحل.

لن يوقفني شيء سوى ملابسهم الميري و البيادات و الطواقي و صواني التعيين. سأظل أزيحها، وأدفس يدي بينها حتى أصل إلى روايتي عند أرضية الدولاب الإيديال.

لن يكون أحد مستيقظا، منهم من يفترش أرض مكتب السرية، وآخرون توزعوا على فصول المدرسة محيطين أماكن نومهم بالدكك الخشبية على أمل أن يختلسوا مكمنا دافئا، والباقي

- القدامى غالبا – أغلقوا على أنفسهم باب مخزن الكتب، وراحوا في نومهم العميق.

حاولت ألا أحدث صوتا، وأنا أسير في الطرقة. لم أكن أعرف بماذا أجيب لو رآني أحد وسألني : ” انت مين؟ “.

اقتربت من الدولاب في ظلمة مكتب السرية، مهتديا بضوء مصباح النيون الآتي من الخارج، متحسبا ألا أصطدم بالجسد الممدد قربها والذي تغطى كله بالبطانية الصوف الفيراني.

ماذا حدث بعد ذلك؟

أصبحت الدنيا كلها بما فيها – وبخوافيها – صوته. صوته فقط، و هو يزعق فيّ، مؤكدا

” حدوَّرك مكتب ” و أشار ناحية الباب ” اطلع. استلم خدمتك ” و لاعنا « أبو العساكر » و أنه لن يخدم أحدا منهم بعد ذلك.

فهمت أنه سمح لي بالخروج لشراء السجائر لكنني تأخرت، ” وكمان لابس ملكي “. حاولت – أو صرخت – أن أفهمه انتهاء مدة خدمتي في الجيش، وأنني لم أعد على قوة المدرسة، ولابد أنه يبحث عن أحد آخر. أخرسني بترديد اسمي، وشدني من يدي « حتستلم خدمتك ولا أحطك في السجن ».

استيقظ عدد من العساكر، نظرت مستنجدا بهم. التفوا حولي، ودفعوني إلى السير معهم والصول خلفنا، ” خدمة وتعدي ” يقولون ذلك مرددين اسمي مرات، وكأنني من يقصدونه، من يعرفونه، من يجب أن يستبدل بحذائه البيادة الثقيلة المغبرة، وبملابسه البدلة الزيتي التي ضاقت عليه حتى بانت فانلته الداخلية.

كأنني العسكري الذي يجب أن يستلم خدمته الشنجي الآن.

كأنني…

2                     

 مثل من يغني أغنية، ويحاول تذكرها أثناء غنائه، يحاول أن يوجدها كما كانت من قبل. ودوما وهو يغنيها، يحاولها، تأتي أغنيات و أغنيات.

مثل من؟

ألم تكن في خدماتك السيّارة، حاملا النص آلي، ومشط الطلقات في جيب الزنط، قاطعا سور المدرسة من بدايته إلى نهايته، تفرح حينما تنسى أغنية موسيقاها في داخلك، وتظل تحاول تذكر كلماتها وتخطئ. تحاول مرة أخرى وأنت فرح بمضي الوقت دون أن تشعر بثقله.

مثل من؟

ألم تكن في خدماتك الليلية تخوض هذه اللعبة: أن تداوم على فتح تلك الأبواب. كم لانهائي تثق في انتظاره خطواتك، تثق في أنه لن يختفي، وستقدر على اجتيازه دائما.

أبواب تتواجد أمامك، تفتحها وتدخل، لن تسمع صوت الغلق، تجد الباب يظل مفتوحا أو يحل في مكانه الجديد حتى تفتحه في خطوة أخرى. أحيانا كنت تطيل السير في المسافة التي تفصل بين بابين، تظل تسير حتى تشتاق لفتح باب آخر ، وربما تنفتح أبواب متلاصقة دفعة واحدة، فتشعر وقتها بالإجهاد، تقف. لا تهنأ بوقفتك، تفكر في الظابط النوبتجي الذي يعني ظهوره معاودة فتح الأبواب على مدار السير.

بداية كلما هممت بتذكرها، استحالت إلى نقطة ضمن نقاط عديدة. نقطة ربما تتصدر المشهد كله أو تكتفي بدور الكورس أو بتذكر أنها كانت بداية فقط في يوم من الأيام.     

بداية – ربما – كانت في صوت صول مركز التدريب، قبل ترحيلك إلى وحدتك التي تم توزيعك عليها، أشار إلى مدرسة التمريض ” خلي بالك. شهادة قدوة حسنة أو محاكمة عسكرية “.

عرفت أن الخطوات الأولى داخل المدرسة، لم تكن خطواتك خالصة، بل خطوات صوت الصول، خطوات تنظمها قدماك بعيدا عنك وعن جسدك.

قدمان بلا طريق سوى أن تخطوا خطوة ثم تنظرا إلى الوراء لتتأكدا أنهما لم تخلفا أثرا واضحا عميقا، في هذا المكان.

مكان كلما نظرت إليه من بعيد أو قريب، وجدت أنه على رغم اكتماله وحسن بنيانه، كأن كل جزء فيه مقتطع من بناء أخر، كأن كل جزء فيه، وإن استقر هنا، فتاريخه موصول بما يخفى.

ترى الآن أنك تدخله دون أن يتبعك ظلك. ينتظرك في الخارج. يراقبك. قد يدخل، أو يرحل ممنيا نفسه بآخر لا يهجره.

3

على الرغم من جلوسك عند الباب، كنت تشعر بوجودك في وسط المخزن، وهم ملتفون حولك، يصلك كل منهم بحديثه، بخبرته في هذا المكان.

ظننت في البداية أنها ستكون كلمات متداولة بينهم، متفقا عليها من الجميع. ستقال لك أنت العسكري المستجد، تهبك مفاتيح تعينك على الأيام القادمة في المدرسة، إلى أنها استحالت إلى أنهر طويلة بعدد الجالسين و التي إن اتحدت في مجرى واحد أحيانا، لا تلبث أن تشق مساربها الخاصة، مشفوعة في كل مرة بقول كل واحد منهم حينما يهمّ بالكلام ” زي ما قلتم “.

كنت مازلت في أيامك الأولى.

في تلك الأيام التي كانت وجوه من حولك تتخاطفك، ولا تدعك مستقرا فيما توهمته طريقا لك داخل المدرسة. اعتدت أيامها ألا تقاطع أيا منهم و هو يسرّ لك بالحقيقة كلها عن هذا المكان، ولا ترددها لنقض حقيقة أخرى- الحقيقة كلها أيضا – وجدت أن تصغي لهم، وتهز رأسك، أفضل من أن تجابه بصمتهم، بتركهم لك دون حقائقهم و إن كانت متضاربة.

جالس عند باب المخزن.

متناثرون في الداخل، ظهورهم مسندة إلى الحائط. إلى المخل المكومة فوق بعضها، إلى أكوام الكتب. لم تظن أن سؤالك عن طريقتهم في تكدير الطالبات، سيشغلهم كل هذا الوقت، سيدفعهم إلى أن يقاطع كل منهم الأخر، يذكره بما نسى و يتمادى في الكلام حتى يقاطعه آخر ثم آخر و آخر، و أنت وسطهم.

لم تقدر على الإصغاء تماما لهم، عرفت أن سؤالك دخل دائرة حقائقهم التي لا تنتهي. وتخيلت نفسك فيما سيأتي من أيام، تضيف حقائق جديدة، وتنضم إلى حلقتهم،

و ترغب في مقاطعة من يتكلم.

انتبهت على إجماعهم، بأن المقدم لن تكلفك بالتكدير، فما زلت في قعر المخلة، لم تعرفك بعد. حاولت أن تجعل الكلام يطمئنك، لكن إجماعهم المفاجئ أقلقك.

أكدوا من قبل استحالة تنظيف المدرسة في وجود الطالبات، حتى دخل الصول شاهين مكتب السرية في يوم، وأشار إليكم نحو الطرقة. أن تمسحوها قبل مجيء لجنة التفتيش المفاجئة.

أسرع هريدي، ودلق أكثر من جردل مملوء بالماء، و دفعها أمامه بالممسحة. كانت المقدم واقفة أمام مكتبها، تتابعكم، ثم دخلت وأطلت برأسها فقط عند اقتراب الماء من قدميها. توزع عدد منكم على طول الطرقة، يسلم أحدكم ما يدفعه بممسحته إلى آخر حتى تصل إلى من يدفع بها إلى الحمام، حيث هريدي ومنه إلى البلاعة. و اختار الصول مجموعة لتمسح أبواب الفصول، وبابي السرية والمقدم. وقبل أن تنتهوا، اندفعت البنات من أحد الفصول، والمدرس في الداخل : « الجرس ما ضربش ».

 تراجعن سريعا عند رؤيتهن المقدم، وتناثر رذاذ الماء على الحائط.

أشارت بيدها، وهي متجهة صوب فصلهن نحو آثار أحذيتهن المتضامة و المتباعدة والمتقاطعة وقالت :

-بسرعة

قليلة الكلام، تكتفي بإشارات من يديها أو رأسها. إشارات تحسن استخدامها

و كأنها جمل كاملة واضحة، إلى حد أنك لم تشعر بندرة سماعك صوتها، و تظل تلك الإشارات بين العساكر في جلساتهم، يتذكرونها. يقلدونها ” كان قصدها… “

لم يمنعهم اتفاقهم على مغزى كل إشارة، من أن يتركوا أنفسهم أحيانا، ليختلفوا حول مقصدها في واحدة منها، ويستند كل منهم في هذه اللحظة إلى حدث أشارت فيه نفس الإشارة، وكانت تقصد وقتها ” كذا “، ولا يتوقف اختلافهم إلا حينما يملّون اللعبة، ويعيدون الإشارة إلى معناها الأول.

لم ترها وهي تطل من هذا الشباك. أتيت بعد اختفائه خلف الدولاب الخشبي،

و يظهر لك واضحا من ناحية الحوش. شباك على خلاف باقي الشبابيك، له شيش لم يُطل، و تُرك على لون خشبه الطبيعي، و إن حال اللون بمرور السنوات. شباك كما حكوا لك وجد بأمر منها، وكانت تراقب منه طابور الصباح، وتكدير الطالبات المذنبات، وفي أحيان كانت تطل منه دون أن يكون هناك شئ. كل من في المدرسة، كان يحرص على عدم الوجود في الطرقة لحظة وقوفها عنده، وكأنها لم تكن ترغب في أن يراها أحد، وتحاول إخفاء كل هذا بجدية تخونها بارتفاع صوتها دونما سبب أو في نسيانها لما كانت ستقوله أو لما كان يقال.

لم تتردد وهي تشير نحو الشباك، ليوضع الدولاب عنده، وصارت تخرج إلى الحوش إذا أرادت حضور الطابور، وتقف أعلى السلم فجأة لمراقبة التكدير. وإذا رأت الشيش مغبرا أو علته خيوط العنكبوت تشير إليه غاضبة، حتى أصبح الشباك ضمن ما يوزع على العساكر من أماكن لتنظفيها و صار اسمه بينهم:

-الست.

كنت جالسا قرب باب المخزن.

و هم في الداخل، حينما سمعت ” هتعمل إيه معاهم “. لم تكن مهيئا لأن يسألك أحد رأيك في شيء، ولا أن تسمع صوتك وأنت تتحدث عما تشعر به، تفكر فيه منذ دخولك هذا المكان. كنت غير راغب في أن تصبح صاحب أقوال، وحقائق تقولها واثقا، وهم يسمعونك، في أن تصبح ” عسكري قديم ” لم يعد اسمه « لسه مكتوب بالطباشير ».

-مش عارف.

كيف ستصبح مسؤول عن تكدير طالبة، و تنتظر اختيارك إما أن تحمل حجرا كبيرا و تظل في وضع انتباه أو تسير به رايح جي بامتداد السور أو تقف في وضع انتباه دون حمل شئ و الشمس فوق رأسها؟

تمنيت ألا تتعرض لهذا، لكن ” هتعمل إيه معاهم ” شعرت به في مباغتته سؤالا عما حدث، عما فعلته. شعرت به سؤالا اعتدت عليه منذ زمن.

4

لم يكن هذا دائما.

كان متوقفا على الصول شاهين. يأتي الصبح، ويتفقد أنحاء المدرسة ليطمئن على نظافتها،

و غالبا ما يشير إلى الطرقة « تتنضف تاني ». و يجلس خلف مكتبه و ينظر إلى هريدي      « إزيك يا مستر ». إذا لم يلقها أول مجيئه، يرددها في أية لحظة من اليوم، بابتسامة تتحول إلى ضحكة مع « عال. لسه معطلين ترقيتي ».

لا يعني انشغاله بالحديث مع هريدي أو غيره من العساكر انتهاء الأمر. يوقف الكلم فجأة، ويشير لكم أن تخرجوا، وتجمعوا الورق من الحوش. ويستبقي واحدا، يجد كلامه، وجوده معه، بداية مناسبة لليوم.

تتناثرون في أرجاء الحوش. وتبدون كائنات تتحرك في بطء شديد. كائنات تقف، تنظر إلى الهدف – الورقة- ثم تتجه إليه وكأنها لا تصدق أنه هدف حقيقي. فتقف ثانية عند حدوده، ثم تنحي لتلتقطه، و تقبض عليه بكفها أو تمسكه بأطراف أصابعها،

وتتطلع إلى صندوق الزبالة الضخم، وتتحرك صوبه، تصل إليه بعد حين من السير والتوقف، وتضع الورقة في جوفه، ثم تستدير في موضعها لتبحث عن هدف آخر. يشترك اثنان من تلك الكائنات في الهدف، فيتقاسمانه، و يصطحب كل منهما الآخر في رحلة إلى الصندوق، وقد يتنازل أحدهما للثاني عن تلك الورقة، حينما يلمح هدفا جديدا قريبا منه.

وتتبدل حركة الكائنات، فتتسارع عمليات رؤية الأهداف و التقاطها ووضعها في الصندوق، تتسارع نظراتها إلى بعضها وعملية اختفائها من الحوش، بمجرد أن تسمع صوت الطالبات القادمات من السكن إلى طابور الصباح.

 

5

طالما التوت في أغصانه فلابد أن تتلاقى الأكف.

تتناول الطالبات المتناثر منه أسفل الشجرة، الممتدة فروعها فوق السور المقام بين المستشفى والمدرسة. يلقين بكتبهن نحو الأغصان، و يتدافعن لجمع المتساقط منها، و تهرس حبات تحت أقدامهن فتمزج بالرمل المفروش به الأرض ناحية المدرسة، أو تتساوى بالأسفلت في جهة المستشفى وتصبح رأس إحداهن هدفا للأيدي عند سقوط حبة. حبتين فوقها، و يصير الرصيف الضيق كراسي موسيقية  يندفعن نحوها ما إن يلمحن حبات تسقط فوقه. و يتقافزن نحو غصن يخايلهن بقربه من أيديهن الممتدة عن آخرها، فتتوامض أفخاذ، يجهد العساكر القريبون منهن في صيدها بعيونهم.

لا يؤكل كل التوت، تبقى حبات في الأكف و يكملن الرحلة إلى طابور الصباح، يعطين حبات للصولات اللاتي غضضن الطرف عما فعلنه قرب الشجرة، و يتسلل الباقي إلى عساكر المدرسة في حركات سريعة، تتلامس فيها الأصابع، تتشابك،

و تقذف حبات نحو واحد بعيد، و تصعد إحداهن في غفلة عن الصولات درجات السلم الصغير، لتعطيها لمن يقف عند المخزن. تلوح الأكف محناة بحمرة التوت، وقمصانهن البيضاء أسفل الجاكتات الرمادية تناثرت عليها بقع حمراء تزيد و تنتشر طالما التوت في أغصانه.

6

تبدت وهي تسرع نحو الحمام. طويلة، تمشي كأنها تدفع الهواء أمامها.

كل من في مكتب السرية رآها، وتابعها. وتبادلتم الابتسامات والهمسات، وأنها المرة الثالثة التي تخرج فيها من الفصل.

عند عودتها كانت تبطىء مشيتها. وتلتفت إليكم بابتسامة ونظرة تفضح ما يسره أحدكم للآخر، وتشعر بها تتمنى لو شاركتكم في الحديث الهامس والتعليقات مكتومة الضحك على الطالبات المسرعات إلى الحمام، ومعاناتهن مع آلام الدورة الشهرية.

7

” اشرح لهم حبّة عربي “

قالتها لك المقدم قبل أن تدخل الفصل، وتقف أمامهن بزيهن الرصاصي، ونظراتهن المستفهمة عن حكايتك والعليمة أيضا أنك مثلهن تخشى من فتحها باب الفصل فجأة.

ظللت فترة طالت، تتحدث عن يسر القواعد، وتنفي بصوت عال ما يقال عن صعوبتها، ثم سكت وفي كفك صباع الطباشير تكاد أن تفتته. التفت ناحية السبورة، لم يكن سوادها تاما، فجوات بيضاء تناثرت في أطرافها وتاريخ الأمس مازال مكتوبا. كتبت ” مراجعة ” وضغطت على كل حروفها ونقطها.

– نراجع إيه؟

لابد أنهن لاحظن عينيك رمقتا الباب المغلق فبل أن تتوجها نحو مصدر الصوت. وظللت

– متظاهرا بالبحث عمن تكلمت – تعود إليه حتى بعد رفع إحداهن ذراعها.

لم يخفين ابتساماتهن أثناء كلامك عن أهمية مراجعة ما سبق دراسته، واضطررت في النهاية إلى تأكيد انك ستذكرهن فقط ولن تسأل أية واحدة، والى تأكيد معرفتك أن كل هذا لن يفيدهن في عملهن بالمستشفيات، ولن يرسل أيا منهن إلى المقدم، وحصتك هذه هي الأولى والأخيرة، وسيأتي مدرس جديد غدا. رحت تؤكد حتى لمحت وجوههن تمنحك بعض الأمان، وأن الحصة ستمر على خير.

– مؤهلات عليا؟

-أيوه

-درّست قبل الجيش؟

-أيوه

– من القاهرة

-أيوه

-خطَّك جميل

-شكرا

-المقدم راحت تشوف اللي نزلوا عملي

–           …

-والمدرس كمان مش جي

قطعت كلامهن، بتوضيح ركني الجملة الأسمية و علامات إعرابهما، و طلبت أن يفتحن الكراسات ليكتبن تلك الأمثلة…

سألت كثيرا متى يأتي المدرس الجديد. ولم تكن هناك إجابة واضحة و عرفت بعد شهور، أنك كنت المدرس الجديد، دون أن يعلمك أحد سواهن.

ظللت بديلا لمدرس وهمي كان يراقبك، وتحرص على إنجاز عملك ليرضى،

ويخبرها أنك أديت الدور كما ينبغي. ظللت بديلا دون أن تنعم بإحساس أنك في مكانك، و لست على الهامش، لست ظلا لمن سيأتي و يتصدّر المكان. كنت توقف حوارك معهن حينما تتذكر أن هناك مدرسا جديدا قادما، و يجب أن يجدك ” ماشي مع المنهج “، يجب أن يشعر أنك لم تكن مدرسا ” بجد “، له حضوره في الفصل، بل كنت منفذا عظيما كما يتوقعه هو و لست أنت.

شعرن بهذا، و أكدن أنك ستظل معهن. و لم تصدق، و تسرع في قطع تأكيداتهن لتكمل الشرح.

8

عند رجوعها من التفتيش على الطالبات في تدريبهن العلمي بالمستشفى، لمحتْ كرة من الورق تُلقى من شباك أحد الفصول. ورقة مقطعة عدة أجزاء و كُوِّرت بشدة. أعطتها لإحدى الصولات التي عادت بالرسالة ملصقة على ورقة بيضاء.

وقفت الطالبات « انتباه »عند دخولها.

-تعالى. و معاك كراستك

اندفعت نحوها الطالبة الواقفة أسفل الشباك، و كادت أن تنكفئ على وجهها إلا أنها استندت على كتف زميلتها

أخذت تقارن بين الخطين، و تقلب في صفحات الكراسة.

– تعرفي صاحبة الجواب ده؟

– لأ يا فندم

– انت لسه شفتيه؟

– شفته في إيد حضرتك

– بالمقلوب؟

– باين يا فندم

– مكتوب فيه إيه؟

– ما اعرفش

– وقلت لأ إزاي؟

– باين يا فندم

– باين إيه؟

– ما اعرفش صاحبته

في هدوء، نادت المقدم على خدمة مكتبها. وطلبت منه أن يجمع كل الكراسات،

ونظرت إليهن ثم سارت بين صفوف المقاعد

ـ ما فيش نزول بكره… خميس و جمعة في السكن.

9                                 

 أمامك، تنتظر، تعقد ذراعيها فوق صدرها، و قد انثنى طرف الطاقية إلى أعلى، واسمها لا تعرفه.

اتخذتَ سمت الجدية و الإدراك السريع لـ “المقدم عايزاك تكدرها” قالها الصول محدقا في وجهك على غير عادته. دوما يتكلم و عيناه تنظران إلى شئ آخر : أوراق أمامه. كفى يديه. برواز على الحائط.

لم تسأله: ماذا يجب أن تفعل، و لماذا اختارتك. لن يجيبك بما تريد، سيظل في « أنت خايف» «مش عارف تكدرها»  « مش مؤهلات عليا برضه». يظل يسألك وابتسامة لا تبرح وجهه. ابتسامة من لا يرغب أن يكون معلمك، ابتسامة من يذكِّرك بـ « أنت مش عارف».

تناولت طاقيتك و خرجت مسرعا. لم تُعطِ نفسك الفرصة لأن تلتفت إليه، تنتظر قليل ربما يدلك على ما تفعله. لم تبطئ من سرعتك، وجدت من الأفضل ألا تتمهل،

و أن يمضي الأمر كله كأنك معتاد عليه، وتتعامل معه كمحترف للتكدير، لا يقلقه سوى أن يخطئ و هو المشهود له بالقدرة.

كانت تقف جوار مكتب المقدم، و يداها خلف ظهرها. لم تنتظرك. سبقتك إلى الخارج. إلى الحوش في سرعة تتجاوب مع اندفاعك نحوها. فكرت في مناداتها لتقف و تسير أمامها، ربما هذا هو المعتاد حينما تلمح إحداهن العسكري المسؤول عن تكديرها، ربما تستخف بك لحداثة وجودك بالمدرسة، فكرت في ضرورة ترك ما سيحدث يحدث دون تردد.

– شرحت كويس قوي

أشرت نحو حجر كبير مركون جنب السور. نظرت إليه.

– تقيل قوي. إيه رأيك في ده؟

أعدت الإشارة إلى نفس الحجر دون الالتفات إليها أو إلى الحجر الأصغر الذي أرادته. ستضطر في مرة أخرى، على أن تبطئ من سرعة إشارتك باتجاه هذا الحجر. لن تجده. و ستظل صامتا، تبحث عن حجر جديد، عن وسيلة أخرى للتكدير. و ستعرف أن عددا منهن، رفعنه معا، و رمين به خارج السور.

استندت إلى جدع الشجرة، ونظرت إلى الشارع.

– هتشرح لينا تاني و لا خلاص؟

– باين كده

– خلاص يعني ؟

– لأ. جايز

– كويس انك تفضل معنا

اقترب منك هريدي يطلب ولاعتك، أشعل سيجارته و هو ينظر إليك و إليها. وددت لو قال كلمة، تعليقا، لكنه انصرف و دخان سيجارته يعلو و كأنه يخرج من رأسه.

– ايديّ اتسَلَّخت

– هانت

– أحطه على الأرض شويه

ضغطته نحو بطنها، فبان تكور صدرها أكثر مرتكزا على الحجر الذي بدا لك طفلا صغيرا احكم لفه بأكثر من طية من الأقمشة التي وارت رأسه اتقاء من أية نسمة لا يتحملها جسده الصغير. الطفل نائم لا تصدر عنه نأمة، مطمئن قرب بطنها، مطمئن أنها لن تفلته، و لن تقدر على تغيير وضعه فجأة. سيحملنه الكثيرات بعد ذلك و سيبقى في أقمطته لا يستيقظ.

اتخذتَ سريعا وضع الانتباه حينما وقفتْ أعلى السلم. نظرتْ إليكما قليلا ثم أشارت لك أن تدخلها.

ألقت الحجر، وحرَّكت يديها في بطء. اضطررتَ ألا تسرع، ألا تعود كما أتيت منطلقا. محترفا. اضطررت إلى أن تنتظرها.

 

10

الخدمة السيَّارة هنا. من بداية السور عند الحائط الذي يفصله عن المستشفى إلى منتهاه عند شجرة الكافور، يستطيع رؤية الجزء العلوي من سكن البنات.

يعرف عسكري الخدمة أن الجزء العلوي من السكن مخصص لطالبات الصف الأول، من لم يزلن يكتشفن العالم الجديد، و لم تتضح لهن بعد الفروق بين المبيت في منازلهن أو النوم في السكن. ممنوع عليهن الاقتراب من هذه الشبابيك، ويكتفين بأن يطللن منها سريعا ثم يتراجعن  إلى الداخل، ويلوحن في اتجاه السور بأيديهن وقد توارين وراء الستائر. أما طالبات آخر سنة، فغرفهن قريبة من مكتب النوبتجية. ولا يفكرن في المغامرة مع الشبابيك، فرؤيتهن أسهل، ولا يكسرن قواعد السكن، فهو للنوم. للأحاديث. للمذاكرة. لتوطيد الصداقات مع الصولات، وتجريب كل الحيل معهن، ليسمحن لهن بالخروج « ساعة. ساعتين ».

حينما تكون الخدمة برنجي، يجد كل الغرف مضاءة. تظل هكذا حتى لو كن نائمات أو خلت بعضها بذهاب من فيها إلى غرف أخرى ليقضين وقت قبل النوم.

النوافذ القريبة من هنا، تكشف عن المصابيح المتدلية من الأسقف، وتمنح العين أن تروح في ضوئها، وتبدل المصباح إلى نقطة مكثفة الضوء غائرة في السقف، وممتدة حتى السارح معها في آن، وتتناقص تلك النقاط كلما ابتعدت تلك النوافذ وعلت، ولا تتبقى للعين المتطلعة إلى أعلى إلا عتمة ضلفتي الشباك المفتوحين، وهذا الضوء المكتفي بمكانه والمستقر عند قاعدة النافذة.

ويشهد الخدمة الكنجي، إطفاء المصابيح الساعة الحادية عشرة. تطفأ غرفتان. ثلاث. أربع… معا في وقت واحد. يتتابع إطفاء غرف متباعدة في طوابق مختلفة. برهة سكون يشقها إظلام ما تبقى، و إن ظل ضوء فسرعان ما سيطفأ لحظة أن تقترب الصول النوبتجي، أو تسمع دقات تحذير على الحائط من الغرفة المجاورة.

ويستلم الشنجي خدمته، وأعمدة الإنارة العالية في المستشفى تسقط ضوءها على السكن،

و الشبابيك الموصدة خانات داكنة تفضي إلى الداخل.

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق