تراكمات زمنية

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 

 

 

قصة .. محمود الغيطاني

ينبثق وجهها فجأة من بين عشرات الوجوه المتداخلة في زحام ميدان التحرير. أراه وكأنه يتماهى ثم يتشكل لينبثق جليا بتقاسيمه الجميلة التي آلفها وأحفظها عن ظهر قلب. أضواء لمبات النيون المزدحمة التي تنير الإعلانات الضوئية كانت تنطفئ لتنير مرة أخرى ملقية عليه ظلالها الملونة فتكسبه دفئا حميميا كثيرا ما افتقدته. أتأمله مليا من خلال لذعات المطر الخفيفة التي بدأت في التسارع فيبدو الأمر وكأنه كرنفالا احتفاليا. لا شك أنها هي. أسرع باحثا عنه كالمجنون بعد أن خرج من مدار رؤيتي. إني واثق من رؤيته بتلك التقاسيم الحلوة التي يطلق عليها صديقي الفنان "بروفيلا". أجل، فكم أحببته هائما في رحلة أبدية على تقاسيمه لاثما إياه. ولكن أين ذهبت؟ أحث الخطو باحثا عنها كالمجنون. أصطدم بأحدهم في غمرة انشغالي بالبحث عنه فأعتذر له، إلا أني أسمعه يسبني ويسب الدنيا بمن فيها. ألتمس له العذر قائلا:

–           علّه مضغوطا. 

تقع عيناي عليها فأتنفس بعمق. أجل، إنها هي. مدة طويلة كالدهر مرت عليّ مذ رأيتها آخر مرة. أقترب منها مترددا. ماذا سأقول لها؟ وهل ستقبل أعذاري؟ أحسم أمري مقتربا منها لأقول بهمس مرتبك:

–           أوحشتني بسمتك الجميلة.

تلتفت نحوي ذاهلة. تتلون وجنتاها كعادتها. تتجمع الدموع في مقلتيها لتنتبه وكأنها أفاقت من غيبوبة لتقول بلا وعي:

–           غير معقول.. بعد كل هذه السنين؟

تندفع نحوي متلهفة. بها الكثير من الشوق، الكثير من العتاب. تكاد أن تلقي بنفسها بين ذراعيّ لولا انتباهها للازدحام حولنا. تهمس:

–           بل أوحشني عنادك الحاد.

ما زال صوتها الدافئ يوحي بالكثير من الشوق فتسري نعومته في جسدي. أحاول تأمله متذوقا إياه حتى آخر رنة فأستدفئ به من البرد المحيط بنا. لم تسألني عن وجهتي ولم أفعل . كأنما كان هناك موعدا بين روحينا فسرنا متعانقي الأكف دون كلمة. كانت يدانا في حديث أبدي لا ينتهي. بينهما الكثير من العتاب واجترار الذكريات. لم نتفوه بكلمة واحدة لكننا شعرنا وكأن جسدينا في حالة عناق متلهف. أشعر بذراعها يلتف حول خصري كعهدها القديم؛ فأطوق عنقها بذراعي. صرنا ملتحمان بينما خطانا تأخذنا إلى اللاجهة. أعرف جيدا أننا لا بد وأن ننتهي في مكاننا المعهود. كأن الأمس هو الحاضر. نتوقف لا شعوريا أمام مقهى “ريش”. ندلفه وكأننا تركناه بالأمس فقط. خلف الواجهة الزجاجية المطلة على شارع طلعت حرب جلسنا على مائدتنا المعهودة. بهمس:

–           تشربين شيئا؟

ببسمة عاتبة:

– أنسيت شرابنا المعتاد؟

أحول نظري محاولا الهروب من عينيها طالبا زجاجتين من البيرة الباردة. أتأملها كثيرا فأجدها تكاد أن تأكلني بعينيها الضيقتين المغرورقتين بالدموع. علامات الاستفهام المرتسمة على وجهي تجعل دموعها المحبوسة تنساب على وجنتيها. تتعانق يدانا فينتقل إلىّ دفئ جسدها حتى أكاد أشعر بالجو المحيط لهيبا رغم برد يناير القارس. أقول بصوت حيادي:

–           لم هذه الدموع؟

تتأملني فترة لترتفع أناملها مجففة دموعها. تقول بعد فترة طويلة:

–           خمس سنوات غير مبررة من الغياب الدائم ثم تأتي لتستفسر عن دموعي؟ يا لجفاف قلبك.

أصمت منسحقا. أهمس لنفسي:

– وما أدراك أني كنت سعيدا؟ ظروفنا دائما تفرض علينا نفسها.

أضحك ساخرا في سريرة نفسي. “كذب سارتر كثيرا فأوهمنا بالإرادة الإنسانية المتغلبة على كل شئ”.

أشرد بنظراتي هائما متأملا الشارع الذي كاد أن يخلو من المارة بعد هطول زخات المطر. أرى بخار الماء يتكاثف على الواجهة الزجاجية أمامنا فأمسحه بيدي لتتضح لي المرئيات خلفه. شاب وفتاة يسيران متخاصرين رغم المطر الكثيف والبرد القارس. أراهما وكأنهما في عالم آخر فأنبهها:

–           تأملي..  كأنهما نحن..

ببسمة فيها الكثير من الحسرة:

– علّه يتغيب عنها فجأة سنينا طويلة غير مبررة.

برجاء هامس:

– كفاك تعذيبا.

ضاحكة:

– لم تتغير مطلقا، ما زلت ترفض أن يحاسبك أحد كأنك دائما على صواب.

أتأمل شفتيها المكتنزتين ترشفان السائل الأصفر ذا الرغوة الغزيرة. رغبة قصوى تنتابني لتقبيلها. تقول بإغواء:

–           أما زلت ترغب في ذلك؟

–           لم أنس مذاقهما لحظة واحدة.

–           أكنت أرد على خاطرك؟

–           لم تفارقني صورتك لحظة.

–           إذن ما رأيك؟

تقولها وقد اقتربت بوجهها كثيرا بينما شفتيها في حالة استسلام متوهج. أقول باسما:

–           لقد تغير الحال.. لم أعد الفارس القديم.

ترتد قائلة:

– أفقدت حبك للمغامرة؟

–           بل فقدت الأرواح نقاءها.

–           أراك صرت يائسا وتخليت عن أفكارك القديمة.

–           لم أفعل، لكني فهمت الواقع كما ينبغي.

بضيق:

– أي واقع هذا؟ الواقع البرجماتي الوقح؟ أين ثوريتك؟

–           خمدت جذوتها مع كثرة الهموم والبحث عن طريق.. ألا تصدقي؟ انظري لمن حولك وسوف تقتنعين.

–           كان اقتناعي بك أنت.. أنسيت يوم طاردتك الشرطة عندما قبضوا على زملائنا جميعا ولذت يومها بأبي خادم المسجد؟

أضحك متذكرا:

– يومها أفهمته أنهم يطاردونني كي أشي بأحد زملائنا الملتحين فأسرع بي إلى أحد الأبواب الجانبية وأخبرني أنه يفضي إلى سلم المئذنة العتيقة فأسرعت بارتقائه حتى وصلت إلى قمتها.

–           علّه يومها لو علم أنك ماركسيا لقتلك نتيجة خداعك أو كفرك.

–           يومها كانت معي الكثير من المنشورات، وكنت خائفا، فأسرعت بإخراجها من ثيابي الداخلية ولم أدر ماذا أفعل بها، فأسقطتها من قمة المئذنة.

تنتابها نوبة ضحك عاتية تجعل الأنظار تتجه إلينا. تقول:

–           ما زالت بسمتك تجعل الحياة تضحك حولي.

أقول:

– كيف حاله الآن؟

ترتسم ظلال الحزن على وجهها فتكسبه بهاءً مضاعفا:

– مات منذ عامين.

أقول آسفا:

– ومن يتكفل بك؟

ساخرة:

– أتكفل بنفسي أيها الهمام.

أتأملها مليا لتهبط عيناي على نهديها النافرين اللذين توسدهما المائدة بيننا فيبرز بينهما خط منحدر شديد الإغواء يزيدهما ألقا وفتنة. أقول:

–           الشوق جامح.

–           إذن فهيا بنا نطفئ لوعته.

بعد صمت:

– لم يعد ممكنا.

تلتقي يدانا لتنسجما في التحام دائم. تقول:

–           صرت غامضا كثيرا.

أتناول كأسي المثلج بيدي الأخرى متجرعا إياه. أنتبه على دمعتها المنسابة على خدها بينما أصابعها متقلصة على خاتم الزواج الذي يكاد أن يخنق بنصري. تقول:

–           متي حدث ذلك؟

–           منذ عام أو أكثر.

مغالبة دموعها:

– هل استطعت؟

–           الحياة تتغير، كان لابد منه.

–           لكنك أنت لم تكن قابلا للتغيير… أمن أجل بضعة آلاف؟

–           صدقيني، لم أكن جاحدا حين تركتك؛ لكن الفقر بشع.. كان سفري مستحيلا دونها، الإعارة كانت لها هي.

–           كنت مستعدة للاحتمال.

–           يخيل اليك، الحاجة تقتل الحب… كنا شابين تحركنا الشعارات الجوفاء.

–           كنت أومن بقولك يا عشاق العالم اتحدوا.

–           كان الأصح أن نقول “يا مجانين العالم اتحدوا”.

بهمس:

– أتذكر آخر ليلة؟

–           أرجوك، لا تؤججي الشوق.

بتأفف:

– هو متأجج فينا منذ الأبد.

أحتضن يديها. أسحبها بهدوء لننسل خارجين. يتلقفنا الشارع برياحه الباردة فنتدثر ببعضنا. ألتحم فيها سائرين إلى اللاجهة. تنقلنا الطرقات إلى العديد من أماكن الذكريات. ينتهي بنا الأمر إلى بيتها. بهمس:

–           كانت الليلة الأخيرة عندك، أما الآن فهي عندي.

أقف صامتا فتقول مشجعة:

– أرجوك، فلتدخل.

–           متخوف.

–           مم؟

–           من سنوات الجفاء.

–           فلنجرب.

تجرني إلى الداخل. كل شئ كما هو وكأنني كنت هنا بالأمس. تجذبني بعنف لتنقض على شفتيّ ناهلة منهما وكأنها تستقطر منهما آخر قطرة. تؤججني فأعيد اكتشافها مرة تلو الأخرى حتى لكأني أتعرف عليها للوهلة الأولى. سحرها ما زال آسرا فيسلبني إرادتي. يلتحم جسدانا حتى نضحى جسدا واحدا. في العديد من العوالم المخملية تجولنا ممتزجين حتى لكأن الزمن قد توحد باللحظة الآنية فوصلنا إلى سر الأسرار الكبرى. أوتكون لحظات تهجد صوفية؟ لا بد أنها كذلك. أقول بعد مرور دهر من الزمن:

–           لابد أن أذهب.

–           ألن تبقي قليلا؟

–           كفانا عشقا؛ علّها تكون ذكرى جميلة.

–           لكنك لم تتغير… ما زلت أحب فيك تناولك إياي بعنف.

–           لم يعد هناك شيء ثابت.

–           أأراك ثانية؟

–           لا أظن..

تقول دامعة:

– أرجوك، لا تجزم.

أتأملها فيغلبني الشوق. أحتضنها منطمسا فيها بقوة. تلتقي شفتانا بعمق لأخرج إلى عرض الشارع متلقفا رياحه الباردة في صدري…

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق