بين معمار طارق إمام وروايات زها حديد!.. قراءة في سردية طعم النوم

فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام
محمد سمير ندا 
مقدمة ضرورية
بداية، استوقفتني كثيرًا جرأة المغامرة لدى الكاتب المصري طارق إمام، حين قرأت لأول مرة عن رواية طعم النوم، وكيف يطرح هذا النص معارضة روائية لروايتي “الجميلات النائمات” لكاواباتا (نوبل ١٩٦٢)، و”منزل غانياتي الحزينات” لماركيز (نوبل ١٩٨٢). قلت لنفسي: ما هذا العبث؟ كيف يمكن لنا أن نكتب معارضة روائية لعملين من كلاسيكيات الأدب العالمي، تناولا مرحلة الشيخوخة والتمسك بالحياة بصورة غرائبية بديعة؟ ماذا يمكن أن يقدم إمام في هذا المغامرة المحفوفة بالمخاطر، والملغومة بنقد استباقي تفرضه قداسة الاسمين؟ طيب، خلينا نشوف! هكذا همستُ لنفسي، ولكنني قبل أن أشرع في قراءة طعم النوم، عدتُ لقراءة روايتيّ كاواباتا وماركيز، مرة أخرى، كنوع من التحضير لقراءة رواية إمام، انشغلت قليلًا عقب قراءة الروايتين، ولكنني كنت حريصًا على كتابة انطباعي عنهما، ممهدًا لنفسي الطريق نحو تقييم شامل لرواية مصرية استفزتني جرأتها قبل قراءتها. ومنذ أيام، انتهيت من قراءة طعم النوم!
تصوروا معي نحّاتًا شاب، وقد دُعي إلى ساحة تُعرض فيها أهم تماثيل العالم خلال القرن الأخير، وما بين نظرات الانبهار ودموع الانتشاء والأنامل التي تمتد في رهبة صوب التماثيل وكأنها تنشد ملامسة الحجر الأسود، يجلس نحاتنا هذا القرفصاء، ككاتب فرعوني أصيل، ليناظر الهنات، ويتفحص النتوءات والتقوسات والمنحنيات غير المكتملة، فيعري تشوهات التمثالين، ويفضح عوراتهما، قبل أن يشيد إلى جوارهما تمثاله الخاص، التمثال الذي يُعبّر من خلاله عن الحقيقة الغائبة، الحقيقة التي آمن إمام أنها حُذفت عمدًا من الأعمال الخالدة، وقد آن الأوان لنزع رداء القداسة عن جسدٍ يراه هو هزيلاً معيبًا. فالمعارضة الأدبية هنا، تصوروا معي، تحمل نقدًا لروايتي كاواباتا وماركيز، بل إنها تحمل معولاً يهدم مقدسات أدبية خالدة، هي في حد ذاتها ثورة على الموروث الأدبي، ثورة في بنيانها السردي الفريد، وثورة ضد كتابة الماضي وسطوتها الموجهة لأقلام الحاضر.
البناء الروائي
ما بين أدب الميتافيكشن، والثوب الشهرزادي العتيق، يقدم لنا إمام معارضته من خلال مشاهدة الروايتين المعنيتين من زاوية أخرى، ومن خلال عين جديدة بكر، تفصح عما طُمر عن عمدٍ في الروايتين السابقتين، الروائي هنا يتدخل بشحمه ولحمه في الرواية فارضًا حضوره، محاورًا ومستجوبًا ما بين السطور وما وراء القص، جاعلاً من القارئ شريكًا أساسيًا في بناء النص.
والحكاية تحكيها النساء والفتيات، اللائي لم يكن يومًا نائمات، كن فقط راضخات لسطوة الذكر، وسطوته المشهرة على الدوام في وجوههن من خلال قلم، أو مسدس، أو عضو بشري. حكاية متخيلة معجونة بماء الواقع الفاسد، مدفوعة بشهوة الحكي غير المنقطع، المتدفق كشلال من الحروف، ليكوّن معمارًا سرديًا فريدًا، له بنيان عجيب، يمزج ما بين التراث الشفاهي المنقول، والتاريخ الحديث، والفانتازيا، والأدب الحداثي، فطعم النوم، نص مراوغ يزاوج بين روايتين في رواية واحدة؛ (مدينة العجائز) وهي حكاية من الماضي تتصل زمنيًا وسرديًا بالرواية الثانية (منزل النائمات)، يقدم لنا إمام من خلال الراويتين؛ إسكندرية مغايرة لإسكندرية إبراهيم عبد المجيد وكفافيس ولورنس داريل، إسكندرية/بلد مغمضة العينين، تحلم بنهار لا يأتي، إسكندرية محاصرة يجثم عن أماسيها حظر التجول، ويعيش فيها أطفال عجائز يطاردون حلم طائرة ورقية، وتنتشر على أطرافها المقابر، ومكفوفين يعبرون الطرق، وفتاة تقود دراجتها مغمضة العينين، بحثًا عن سرير يستضيفها، وقد غاب عن واقعها طعم النوم، مدينة مظلمة احتلت أرجائها الشيخوخة، وتسربت من مسامها الحياة. مدينة ممسوخة مشوهة تحفل بشخوص لا ملامح واضحة لهم، يرتحلون بخفة بين الواقع والخيال. الإسكندرية/الوطن هنا مدينة فقدت طفولتها وبراءتها، فظلت نائمة يضاجعها المارة، فيما هي تحلم، وتكتب حكاية يرفض الجميع الإقرار بحدوثها. ولعل من الضروري هنا أن نتوقف أمام التواريخ التي تم تضمينها في هذا النص الذي يستحضر روح ألف ليلة وليلة، فتاريخ الجريمة الأولى للأم (روزا الصغيرة/مدام شهرزاد)، المقرون بانتحار روزا الكبيرة، هو الخامس من يونيو لسنة ١٩٦٧، فالنكسة هنا مرتبطة بوقوع الجريمة والتعري (روزا الصغيرة)، واندثار الأمل في عودة الابن الغائب (روزا الكبيرة). وبذات السياق، جاء تاريخ دخول الفتاة النائمة إلى منزل التعري ليوافق يوم فض اعتصاميّ رابعة العدوية والنهضة، والأمر هنا مقصود به -مرة أخرى- ربط التعري بالهزيمة، هزيمة حرب، أو هزيمة ثورة، او هزيمة هوية. هذه البيوت هي إفراز الهزائم، وكم لدينا من هزائم تصلح لخلق مثل هذه البيوت؟ فهل يعتبر إمام أن انحراف مسار الثورة يمكن اعتباره نكسة جديدة؟
في بدايات النص، قفز إلى ذهني طيف رواية دعاء الكروان، إثر تشابه حيثيات الرغبة في الانتقام وتحور هذه الرغبة إلى حالة من التعلق الجنيني بمشيمة الحلم بميلاد حقيقي تأخر كثيرًا، ولكن، بتوالي الفصول تنجلي الفوارق على كافة الأصعدة.
الحكاية المعلنة
شهرزاد/روزا الصغيرة التي ورّثتها روزا الكبيرة منزل النائمات، تقرر ان تنتقم من كل العجائز، تريد أن تثأر لابنتها التي راحت في سبات طويل غيّب عقلها وجسدها تاركًا لها يدًا حرة تكتب الحكاية، أو تستكمل فصولها التي بدأتها أمها منذ قرابة أربعة عقود، الفتاة الاتي أرادت الثأر لشقيقتها المطوية في الروايتين المعنيتين، تكتب فيما هي نائمة كليًا، تبحث عن وجودها وقد عاشت فاقدة للهوية، مقهورة مبتورة الانتماء، لا تعرف لها أبًا، ولا تجده حتى بين قبور الغرباء، والأم مغتَصبة تنشد الانتقام، تقتل الكثير من العجائز، إلا عجوزًا واحدة قررت ألا تقتله قبل أن تطلق صوتها المطموس، وتنهي حكايتها، ذلك العجوز الذي استخدم -على مر العصور- جسدها وجسد ابنتها لكتابة حكايته. تكتب فتاة إمام النائمة، تكتب حتى تلد حكايتها فتتوقف عن الكتابة، تضع النائمة حكاية ناضجة تتجسد في هيئة فتاة تولد فيما هي تستقبل حيضها، لتفض بدمها بكارة العالم الصامت، فتاة أخرة تولد بعينين لن تعرفا طعم النومَ!
الحكايتان قسمهما إمام إلى تسعة أقسام متفاوتة الحجم، تسعة فصول في مدينة العجائز، وتسع ليال في منزل النائمات، لم أعرف دلالية الرقم تسعة، إن كانت له دلالة، ولكن؛ بما أنني قرأت الرواية في سنة 2020، فسوف أفترض أن الرقم تسعة يعبر عن الفارق الزمني بين الثورة وقراءتي للرواية 🙂 
ما وراء الحكاية
يهاجم إمام المنطق الذكوري، فيستميت في دفاعه عن النائمات المقهورات، المسلوبات من حق الحلم وحق والوجود الحقيقي باسم وهوية واضحة. هي كتابة ضد العجائز الذين ينفردون بإدارة حيوات الشباب، وتشكيل حدود أحلامهم، وامتصاص شباباهم كأسير خلود يطيل من أعمارهم فوق كراسيهم، حتى باتت المدينة برمتها وطن للعجائز، ولا أحد سواهم، هم من يقبضون على كل خيوط الحياة، والمراوغين للموت، والمتحكمين في المصائر، والكاسرين لقيود حظر التجوال، طواويس هائمة فاقدة للقدرة والفحولة، وما الفتاة النائمة الضائعة سوى نتاج لزللهم، وغرس لبذورهم المشوهة، والنبت الذي لا تدمي أشواكه غيرها! فالعجائز لا يموتون، خصوصًا حين يكون العجوز منهم قوادًا، مساهمًا في الجريمة، شاهدًا على الهزيمةَ! ولدينا هنا نموذج القواد الأول، والقواد الثاني/صاحب المصنع، القاهر للموت، وكلاهما نموذج واضح لسلب إرادة المرأة في المجمل، واستئثار العجائز بالسلطة، وتجاهلهم للشباب ما بين الإقصاء والاستغلال، فهم -أي العجائز- وحدهم القادرون على القتل والإخفاء والاستمرار، وحتى الابتلاع! هم أصحاب الوطن الذي لا يرحب بالشباب!
الترميز حاضر بقوة خلف السطور، كحضور صورة عبد الناصر وصوت خطاب الهزيمة بالتزامن مع خيانة جبريل لأولى لروزا الصغيرة مع روزا الكبيرة، التي شيعت ابنها في قلادة تتأرجح بين ثدييها. اختيار اسم جبريل للعجوز الذي يحاول أن يستمد طاقة الحكي من أجساد النائمات، جبريل هنا يجسد حالة من الوحي الذي لم يكتمل، الوحي المراوغ والمحايل في ٦٧، والوعي العجوز المتشبث بالخلود في ٢٠١٣، جبريل، هو صاحب الحكاية الأصلي الذي بدأ كتابتها في عام ٦٧، نعرف جميعًا أن رواية كاواباتا الصادرة عام ١٩٦١ ترجمت لأول مرة للعربية في مطلع هذا القرن، وبذلك يتواطأ إمام ضمنيًا مع جبريل بمنحه صك ملكية الحكاية الأصلية. حفلت الرواية كذلك بثنائيات غرائبية بديعة أراد الكاتب مرادَفَتها بِصفِّها توازيًا في جمل قصيرة امتدت بطول الرواية، كالعري والقتل، الحكي والموت، الحكاية والفناء، الشهوة والأمومة، الحب والإظلام، الدم والوجود، النوم والكتابة، الدنس والطهر، الذنوب والخيال. شحنة من الكتابة المتدفقة الفريدة، التي تستجوب في حد ذاتها أسباب الكتابة! البيوت كنموذج مصغر للأوطان، والنوم كمرادفٍ للأمان والانتماء، والجندي شهيد النكسة الذي لا يتوقف عن الموت، في إشارة إلى هزيمة مستمرة مستديمة،
حكايات الكتب
كما أسفلتُ؛ هذ النص قائم ومشيد على حكايات تلتم عبر الصفحات لتتبلور من خلالها الحكاية الأصلية؛ لدثنا حكاية عن سارق العجائز، حكاية عن طفل الطائرة الورقية، حكاية عن اختفاء البنات، ثم الحكايات المتعددة عن الكتب، التي تصلح كل منها لأن تكون قصة قصيرة منفصلة، أجاد إمام تطريز هذه الحكايات في ثوب سردي متماسك رغم اتساعه، ثوب واحد فضفاض، محكم الصنع، يكفي لاحتواء أجسد البطلات جميعًا، بطلات كاواباتا وماركيز، وبطلات إمام. فيها نجد كتابًا لا يقبل أن يقرأه أحد، وكتابًا آخر تضيع سطوره بمجرد قراءته، وكتابًا لا يُقرأ إلا في الظلام، ومخطوطة كتاب تراوغ كاتبها فلا تصدر في صيغة مكتملة، وكتاب فارغ من صفحة واحدة، وآخر يكتب حكاية قارة تلقائيًا، كل ذلك من خلال شخص واحد يدعى الرملي، وكتب الرملي هنا تجئ أشبه بالرمال متحركة، وتصور لي كقارئ أن كل الكتب جاءت عبر الصحراء، في إحالة أخرى إلى ألف ليلة وليلة! ذلك البائع الغريب، الذي يجلب لها كتبًا لم توجد يومًا، يبدو كنسخة مذكرة من شهرزاد، يمنح مدام شهرزاد الحكايات، فيما تؤجل هي قتله بغية الحصول على المزيد منه. كانت تلك الكتب تخلق حالة من دمج الأحبار بالأخبار في بوتقة واحدة، تنتج لنا بطلة الحكاية النائمة.
لدينا كذلك كم هائل من روايات لا تكتمل، ولعل لنا في حكايات مدام شهرزاد الغزيرة أبلغ مثال، فهي مبتورة وكأن صياحًا ما يقاطعها، ولكنه صياح وجع، وألم أم تفقد ابنتها تدريجيًا بين أوراق الحكاية.
العتبات الافتتاحية
العنوان لافت للانتباه، والغلاف شديد التميز، يعلن مبكرًا عن منح دور البطولة للفتاة الذي تناوب على ظلمها كاواباتا وماركيز، الاستهلال جاذب، والاقتباسات في مقدمة الحكايتين كانت موفقة ومناسبة إلى حد بعيد.
ملحوظة
اقتحام طارق إمام للنص من خلال نصوصه ومحاوراته الصحفية والرسائل، لم أجد فيه إضافة للنص، أعرف أن هذا التكنيك قد تم استخدامه من قبل في عدة نصوص، والبعض ذهب إلى خلق مواجهة بين الكاتب وبطل روايته، في إحالة واضحة إلى مواجهة الخالق للمخلوق، ولكن؛ في طعم النوم، هذا النص الخيالي بأجوائه السحرية، كان ظهور الاسم المؤلف بين السطور، يردني إلى الواقع فيعطل الانسيابية التلقي، ويبطل الخيال، ليسلب من النص أحد أهم ركائزه..
خلاصة القول
كما أسلفت، أرى أن الخيال أو والتخييل هو المكون الأساسي المتحكم في عناصر السرد الأخرى كالأسلوب والمعنى والعاطفة، الخيال لدى طارق إمام هو المحرك لدمى الماريونيت فوق مسرح السرد. لذلك يشيد طارق إمام عبر نصوصه السردية معمارً روائيًا غريبًا، جريئًا، ولكنه شديد الجمال والتفرد، ولهذا برق في ذهني اسم المعمارية العراقية العظيمة زها حديد، تلك المرأة التي تفوقت على الجميع، والتي كانت لتسعد بقراءة هذه الرواية، فهي من قالت: “حاربني الغرب لأني عربية وحاربني العرب لأني امرأة!”
التفرد المعماري الذي نفذته زها حديد، والتفرد في البنيان السردي لطارق إمام، يتماسان بطريقة أو أخرى، كلاهما امتلك الجرأة والشجاعة، كلاهما خرج عن المألوف، كلاهما ابتعد عن مساحة الأمان أو الـ comfort zone، كلاهما ابتكر ووضع لنفسه مسارًا مغايرًا، بهذا التماس الفني، أستطيع أن أشير إلى روعة وتماسك بنيان/معمار طارق إمام الروائي، وتفرد زها حديد من خلال الحكايات التي صاغت منها تصميماتها الهندسية التي تنضح برغبات التحرر، والخروج من عباءة الموروث، والابتكار، والانسيابية!
ختام
عمل جريء، متقن ومتفرد، أتمنى أن أكون قد نجحت في عرضه دون أن أحرق تفاصيله، رواية مختلفة، تحمل أسئلة واستجوابات للمفاهيم، وتطرح سؤالً ضمنيًا: هل يُقدّر لنا، نحن الذين تدفق مخاض أحلامنا من رحم الربيع العربي جنينًا ميتًا، نحن أبناء الهزيمة ممن حمّلوا عنوة إرث النكسات، أن نعرف طعم النوم، وهل بمقدورنا أن ننام بسريرة هادئة، أم نظل مستلقيين فوق أسرّتنا، بعينين مغلقتين على اتساع بعرض سنوات الانكسار؟
عمل يستحق المزيد من العرض والتناول النقدي ممن هم أقدر مني على تناول عناصره. أنصح به عشاق الأدب، ومحبي التجريب والتطوير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روائي وناقد مصري 

مقالات من نفس القسم