بين النملة وشعاع الشمس

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

هناء كامل

يتطلع لكفِّه، بعد أن ملَّ الجدران..كفُّه متسخة، لا يذكر متي غسلها آخر مرة..زفر بحنق.."اف..لا أدري ماذا أفعل أيضًا؟"

كان قد انتهى من عدِّ ذرات الشمس المتدفقة داخل هذا الشعاع الرفيع، كما ملّ التطلع من نافذته الضيقة، وصديقته النملة لم تخرج اليوم.

"لابد أن أفعل شيئا قبل أن أُجنّ"

إلى الجدار من جديد..كل من مرّوا هنا، تركوا بصماتهم فوقه..

بالكاد، وجد لنفسه مكانًا..لوحته التي رسمها أمس -أهو أمس؟!- مازالت أجمل الرسومات على الحائط، وإن كان لا يدري هو نفسه معناها!

تهلل وجهه حين لمحها خارجة من أحد شقوق الجدار..

كيف حالك؟!

ردت تحيته بفتور حاول أن يتجاهله:

تأخرتِ اليوم!

نظرت له دون أن تجيب..لابد من الاعتذار..هو يعرف كبرياءها

أ..أعلم أنكِ غاضبة..كنت أصلي حين خرجتِ أمس..لم أقصد أن أتجاهلك

لم تجبه رغم اعتذاره..استدارت عائدة للشق..حاول استبقاءها، لكنها لم تمنحه فرصة..ضرب يده بالجدار بعنف وغضب..سيعاني فراغًا قاتلًا حتى تسامحه..عاد إلى شعاع الشمس..وقف معه طويلًا..اكتشف- لدهشته- أنه لا يستطيع الإطباق عليه..حاول كثيرًا..لا فائدة..بدأ يتطلع لكفه من جديد..الرسم على الحائط، لم يضرّس أسنانه فقط، بل كسر ظفره أيضا..”كل هذا من أجل لوحة لا معنى لها!” ضحك متخيلًا محاولات القادمين بعده لتفسيرها..لاريب أنهم سيقضون وقتا ممتعًا في هذا..تمنى لو أنه وجد مثلها في لوحات سابقيه الغبية. عاد إلى النافذة..الدلو مازال مقلوبًا تحتها..حتى مع الوقوف فوقه، مازالت النافذةُ بعيدة..النظر منها يؤلم عنقه، لكنه يتسلى بسماع أحذيتهم الثقيلة تضرب الأرض من حين لآخر، وربما أسعده الحظ بالتقاط كلمة من هنا أو هناك..عاد يرفع عنقه..السماءُ كئيبةٌ خلف هذه الشبكةِ المعدنية، لكنها تكون فاتنة؛ إذ تتحول للبنفسجيّ..طيلة عمره يحب هذا اللون..أسند رأسه علي الجدار متنهدًا..هاهو يذكرها من جديد..عادتْ تطلُ بعينيها الثرثارتين علي عزلته الخرساء..”موعدك ليس الآن حبيبتي ..موعدك ليلًا، حينها أحتاج لهذا النور

لا..لايريدها..أمس-تراه أمس!- حلم بها حلمًا مشينًا..لا..هو لا يريد مزيدًا من الخجل..

نزل من فوق..

بدا أكثر تعاسة..مازال اليوم طفلًا..الليل بعيد، وهو كفَّ عن العدِّ..أفلتت أيامه من بين أصابعه كشعاع الشمس هذا، لكنه واثقٌ أنهم بالخارج يحسنون العدّ..

بالتأكيد لم ينسوه..سيأتي عم (رضوان) قريبًا ليعيده لرفاقه. الأوغاد. أوغاد، نعم، لكنه اشتاقهم كثيرًا؛ اشتاق سحناتهم الشرسة ودعاباتهم الفاحشة، اشتاق حتى سبابهم وتحرشاتهم..

أقسم أنني لن أعود هنا أبدا..أقسم أنني سأتقبل منهم أي شيء”..ينكسر حماسه دومًا علي حافة الكلمةِ الأخيرة..كان يعلم أنها لا تعني(أي شيء)..دومًا سيبقى شيءٌ يعيده إلى هنا..”أف”..عاد إلى شق الجدار..

– “اسمعي..لا يوجد معنى لما تفعلين!”

-“حسبت أننا أعقل من هذا!”

لم يتلق ردًا؛ فعاد يقول بإغراء:

-“سيُزَّج بالإفطار الآن.. يوجد كثيٌر من الفتات بانتظارك

-“تبًا لك يا غبية!”

هذه طبعا لم يجهر بها..لا يريد تصعيد الموقف..خفض رأسه بحزن

جذب نظره شعاع الشمس الرفيع، ذهل لأنه لم يسع لاستكشاف مصدره من قبل..مدّ بصره لأعلى..يااااه..إنه يأتي من فتحة صغيرة بأحد أركان السقف..ركن بعييييد..هذه المرة لن يفيده عشرون دلوًا مقلوبة..أخذ يدور حول نفسه باحثًا عن شيء يصلح.

ألا يوجد حبل؟!”

حبل! أية سخافة؟!”..فكر بتسلق الجدار..أخذ يتحسسه.

إنه متساوٍ..ليس فيه بروز واحد..لن يستطيع تسلقه ما لم يصر نملة..ضحك حين تخيل نفسه معتليًا ظهر نملته ليصل!

فقط لو تصالحني تلك اللعينة!”

أتعبه التفكير..جلس فوق الدلو المقلوب، وتنهد بحسرة، نازعًا عينيه من الفتحة المشعة:

لافائدة..لن أصل إليك حتى لو شنقتُ نفسي!”

فكر هنيهة، ثم عاد برأسه لأعلى..

ـــــــــــــــــــــ

 من مجموعة (كرباج سعاد) الصادرة مؤخرًا عن دار ممر بالقاهرة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق