بورخيس وأنا

بورخيس
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

خورخي لويس بورخيس

ترجمة: عبد الغني محفوظ

الشخص الآخر الذي يدعى بورخيس هو الذي تجرى عليه الأحداث. أما أنا فأتسكع في شوارع بيونس أيرس وأتوقف للحظة، ربما بصورة آلية الآن، لأطالع العقد الذي يتصدر دهليز المدخل والقضبان المتعامدة في البوابة. أعرف عن بورخيس من خلال البريد الذي يصله وأرى اسمه مدرجا في قائمة تضم أساتذة الجامعة أو في معجم للأعلام. أعشق الساعات الرملية والخرائط وأشكال حروف الطباعة في القرن الثامن عشر ومذاق القهوة وكتابات ستيفنسون(1)، ويشاركني بورخيس الآخر في تفضيل كافة هذه الأشياء، ولكن بصورة لا تخلو من الغرور مما يميل بها إلى خصال الممثل. وقد يكون من قبيل الإسراف أن أقول إن علاقتنا علاقة عدائية، فأنا أحيا وأمضى في غمار الحياة حتى يتسنى لبورخيس أن يبدع أدبه وهذا الأدب يبرر وجودي. وليس مما يشق على أن اعترف انه قد سطر بعض الصفحات الصحيحة ولكن هذه الصفحات لا تكفل خلاصي ربما لأن الكتابات الجيدة لا تنتمي لأحد ولا حتى إليه هو نفسه ولكن للغة أو التراث. فضلا عن ذلك فأنا محتوم على الفناء كأمر لامحيص عنه ولن يبقى الموت منى إلا على برهة من نفسي تحيا في ذاته. ورويدا رويدا سأتخلى له عن كل شيء رغم إدراكي التام لعادته الفاسدة في تزييف الأمور وتضخيمها. وقد عرف سبينوزا (2) أن كل الأشياء تتوق إلى البقاء في كينونتها فالحجر يود إلى الأبد لو يظل حجراً والنمر نمراً وسوف أبقى أنا في بورخيس وليس في ذاتي (إذا كنت أنا حقيقة شخصا ما). ولكني لا أتعرف على نفسي في كتبه إلا بأقل القليل مما أتعرف عليها في كتب أخرى عديدة أو حتى في مداعبة أوتار القيثارة بصورة غير حاذقة وعسيرة. لسنوات خلت جاهدت أن أحرر نفسي من إساره وتقلبت بين أساطير الضواحي إلى اللهو مع الزمن والأبدية ولكن هذا اللهو ينتمي الآن إلى بورخيس وعلي أن أتخيل أشياء أخرى. وهكذا فإن حياتي تعد هروبا أفقد خلاله كل شيء وينتمي كل شيء إلى النسيان أو إليه.

لا أدري أينا هو الذي كتب هذه الصفحة.

—————

(1)  روبرت لويس ستيفنسون.

(2)  باروخ سبينوزا.

مقالات من نفس القسم