بشندي

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة : محمد ربيع *

في يوم ما، و أنا أشاهد مسلسلا مملا، مر أبي أمام التلفزيون، شاهد عبد الحفيظ التطاوي، بوجنتيه البارزتين المكورتين، قال لي أن عم بشندي كان ليشبهه إذا ما تقدم به العمر.

بحسب أبي، أتى بشندي إلى دكان جدي طفلا في العاشرة من العمر او نحو ذلك. يجلس أمام الدكان متفرجا على العمال و هم يخرجون أجولة الأرز و القمح، و يدخلون الأخرى الممتلئة بالذرة و الشعير. ينتظر بشندي حتى أذان العصر، ميعاد إغلاق الدكان، ليجلس أمام الباب منتظرا الليل لينام.

في أحد الأيام تقدم بشندي و أمسك بالمكنسة ليكنس الدكان، كانت الكناسة على الرغم من وضاعة الفعل ذات قيمة كبيرة، خلطة معتبرة من الحبوب المتفرقة، يربو وزنها على الرطلين في أقل الأحوال، تباع إلى أصحاب الخيول الأصيلة فقط، تلك الخيول التي تتغذى على خليط الحبوب المعتبر. راقب جدي بشندي و هو يكنس الدكان في همة خرقاء، بذل مجهودا إضافيا، و أضاع وقتا ثمينا حتى أن جدي أخرج ساعته الفضية من سيالته و تابع عقاربها. لكنه انتظر بشندي الذي جمع الكناسة في شوال صغير و خرج من الدكان مسلما على جدي بحرارة شاكرا إياه على الكناسة. أمره جدي بالبقاء في الدكان حتى الصباح، حتى يأتي الغد ليقرر ما سيعمله بشندي، و أمر أحد صبيان المحل باللإتيان بخبز و جبن و زيتون لبشندي، انتظر قليلا. ثم أقفل الدكان و بشندي مستقر بداخله.

 في عام 1949 استقر بشندي في الدكان، كان ظهره طريا في البداية، لم يتحمل وزن الأجولة، فاعتاد على كنس الدكان، و الإتيان بطعام الغداء لجدي من المحلات المجاورة، و الشجار مع أطفال السوق. استمر هذا مدة طويلة، سنين متعددة و هو لا يقوى على حمل شيء. كبر من كان يتشاجر معهم في الشارع، فاستبدلهم هو بآخرين أصغر سنا، مع الوقت أدرك العاملون في الدكان أن جسد بشندي ينمو، لكن عقله بقي متوقفا عند سن العاشرة.

لم يكن طموحا، لم يطلب زيادة في الأجر، لم يفكر في الزواج، لم يتحرش بفتاة، لم يدخن سيجارة، لم يفعل شيئا على الإطلاق، حتى إنه لا يسمع الراديو. و بالتدريج، فقد العاملون بالدكان الاهتمام ببشندي، كانوا يكبرون بينما هو ما زال صغيرا في أعينهم، لم يحاول مشاطرتهم رزقهم أبدا، لذلك لم يحاولوا مضايقته، و تمنى جدي أن يصبح كل العاملين بالمحل مثل بشندي.

في الوقت الذي تكورت فيه وجنتي بشندي، و أخذ وجهه يقترب شيئا فشيئا من وجه عبد الحفيظ التطاوي، بدأ جدي يشعر أن بشندي يفتعل الغباء، كان الأمر محيرا، فلا سبب حقيقي لمثل هذا الافتعال. لكن حوادث قليلة أثبتت أن بشندي يتصرف بحكمة و حرص حينما يتحرك على سجيته، أو حينما يواجهه موقف ما و هو وحيد، بعيدا عن أعين من يعرفونه. أخذ جدي يختبره الاختبار تلو الآخر، راغبا في التيقن مما يظنه، لكن تصرفات بشندي الخرقاء تغلبت على تصرفاته الحكيمة. أرجع العاملون بالدكان الامر لذكاء الاطفال الذي قد يلتمع في لحظات قليلة، ليعود الطفل مرة أخرى للهو و الحماقة. في النهاية ترك جدي الأمر برمته، لم يعد يراقبه و لم يعد يختبره، مع ذلك ظل قلبه في شك.

مع سفر أبي لخارج البلاد، اختفى بشندي من الدكان. كانا صنوان، من عمر واحد تقريبا، ينظر جدي إلى بشندي و حاله التي لا تسر احد، و يحمد الله على نعمه الممثلة في أبي النابه. أبي كان رفيق لعب بشندي، أدرك أن بشندي مختلف قليلا، شرح له جدي الموقف بهدوء. صار أبي مذبذبا بين العطف على بشندي و بين الكره له. بدا لجدي أن سفر أبي كان سببا رئيسيا لهروب بشندي. في أحد النهارات خرج ليقضي حاجته و لم يعد، بحث العاملون عنه، بحث جدي عنه، و لكنه تبخر، لم يعثر له أحد على أثر. كان جدي في أواخر أيامه، شغله المرض و حال عياله عن بشندي، اقتنع جدي أخيرا أن بشندي لم يكن عاقلا قط كما ظن هو. أخذ المحيطون بالدكان يتذكرون بشندي، نوادر بشندي أكثر من أن تحصى، صدقه و إخلاصه كانا نادرين، و نكاته و تصرفاته الطفولية مثيرة للضحكات، بعد أسابيع قليلة، فقد الجميع الأمل في العثور على بشندي أو عودته.

ورث عمي إدارة الدكان، بحكم مرافقة جدي و معرفته بأسرار التجارة. عاد أبي مسرعا إلى البلاد لحضور جنازة جدي، ثم سافر مرة أخرى إلى الخارج، لم يهتم أبي بأمر تجارة الحبوب، لم يشارك عمي في تعلم تلك التجارة، هناك اتفاق بينهما على ترك الدكان لعمي في المستقبل، و ها قد أتى المستقبل. لم يشعر أبي بالظلم، اعتدنا ذلك في العائلة، أحد الذكور يتولى إدارة الدكان وحيدا، يرث التجارة بمخاطرها و مكاسبها، بينما يرث الآخرين مالا أو عقارا، تجارةا لحبوب لا تحتمل الشراكة. عاد أبي الى البلاد بعد عدة سنوات، بعد استقراره زار الدكان ليقابل معارفه من العاملين، و لما علم أن بشندي اختفى منذ مدة حزن كثيرا، ألقى باللائمة على عمي لأنه لم يخبره. كانوا يقولون دائما أن تقارب عمري أبي و بشندي هو ما حنن قلب جدي على الفتى. اعتبره إبنا ثالثا له، لذلك حزن أبي كثيرا على اختفاء بشندي، و أخذ كما فعل العمال من قبل  يتذكر نكاته و ضحكاته، بل أنه فكر في التقصي و السؤال عن بشندي، تسائل عن بلده في الصعيد، لكنهم أقنعوه بأن يتفرغ لحياته. مر على اختفاء بشندي ثلاث سنوات، و لا أمل في عودته أبدا.

بعد عدة سنوات وصل خطاب الى الدكان. كان مرسلا إلى جدي، انتظر عمي حتى عاد إلى المنزل، و فض الخطاب في وجود أبي. كان بشندي هو من أرسل الخطاب.

قرأ عمي أن بشندي في الحقيقة مسلم ، و أن اسمه بيومي عبد اللاه، قامت أمه بتهريبه من ديروط خوفا من ثأر ما يلاحق رجال العائلة، عاش طوال الوقت و هو خائف من فكرة الثأر، أمرته أمه بتغييراسمه و دينه و الاستقرار في دكان جدي، قالت له أن كشف سرك في الصلاة، ما أن يراك احدهم تصلي حتى ينكشف سرك، احذر ذلك. ادعى هو الغباء و توقف نمو العقل حتى لا يلفت الأنظار، و لما تكورت وجنتاه و برزتا، و أوشتا بفرع عائلته المشهور رجالها بالوجنات المكورة، قرر ترك الدكان و الهجرة إلى محافظة أخرى بعيدة.

خلال تلك السنوات، تعلم بشندي تجارة الحبوب شيئا فشيئا، لم يمارس المهنة قط، لكنه تابع كل ما يحدث في الدكان و هو جالس في الزاوية، متعللا بغبائه و توقف نمو عقله. علم الصواب و الخطأ، بل علم كيف يحول الصواب إلى خطأ، فشل في تعلم الكتابة لكنه كان يجمع و يطرح الأرقام بسرعة كبيرة. علم فائدة القرش فادخره، كان جدي يتفاخر فيقول ” الفلوس في جيبي و الحمير في السوق” ، لم يقصد أنه غني و يستطيع ابتياع الحمير، بل قصد أنه يدخر ماله و ينميه، بينما “الحمير” يمرحون في الأسواق يبتاعون كل ما تقع عليه أعينهم، مبذرين، صارفين قروشهم القليلة، التي لو ادخروها لزادت و استطاعوا شراء السوق بما فيه. ترك بشندي المحافظة و انتقل إلى أخرى. فتح دكانا خاصا به، بدأ في تجارة الحبوب التي وفقه الله فيها، فأصبح تاجرا ذا مهابه و شأن. ابتعد تماما عن التجارة في محافظة جدي، هناك عرف سائد بين التجار، إذا تعلمت الحرفة مني، فكافئني و اترك مكاني و مارس الحرفة بعيدا عني، فلا تضرني. لم يقم جدي بتعليم بشندي، لكنه كان يعلم العرف و يحترمه تماما، لم يجرؤ على منافسة جدي في رزقه. احتفظ بشندي بمكانه سرا، فلم يخبر جدي بمكانه في الخطاب. كان واضحا أنه لم يعلم بوفاته.

في أحد الأيام، نشرت جريدة الأخبار تقريرا ملأ نصف صفحة، متضمنا صورة ضخمة لبشندي بعمة صعيدية و سنوات تربو على الخمسين. كان واقفا أمام دكان جدي، مبتسما مكورا وجنتيه أكثر فأكثر، حتى يظن الناظر أنهما مستقلتين عن وجهه تماما. بينما كان جدي جالسا على كرسيه و قد انحنى ظهره و اتكأ على عصاه “العويجه” الصفراء، تبدو على وجهه سنوات عمره التسعين. بشندي يحيط كتفي جدى بذراعه في حنو محدقا في الكاميرا، و جدي ينظر الى زاوية الصورة متأملا شيئا ما. كان ذلك زمن الوحدة الوطنية. أفطار الوحدة الوطنية، عناق الهلال و الصليب، سلام شيخ الازهر على البابا، و احتضانهما المفتعل بعد ذلك بسنوات قليلة.

أظهر كاتب التقرير كيف أن جدي يستأمن بشندي على دكانه و رزقه و ماله، منذ أن عمل معه في عام 49 و حتى اليوم. في كل يوم يرافق بشندي جدي صباحا، من بيته للدكان و من دكانه للبيت، متابعا الحسابات، مطمئنا على راحة جدي في كل ساعة، سائلا إياه عما يريد او يشتهي، ملقيا نكاتا ظريفة في كل وقت ليضحك العاملون بالدكان بينما يبتسم جدي في هدوء، يرافقه إلى الجامع القريب، منتظرا إياه حتى إتمامه لصلاته ليرافقه مرة أخرى إلى الدكان. بينما يستأذن بشندي جدي في إجازة يوم الأحد ليصلي في الكنيسة، لم يستطع جدي ادارة الدكان وحده بدون وجود بشندي، و هكذا صارت إجازة الدكان يومي الأحد و الجمعة، و كأن بشندي شريك جدي في الدكان و رأيه يحترم مثل رأي جدي. و في آخر اليوم، بعد صلاة العشاء، يعودان معا الى البيت، فينتظر بشندي جدي أمام باب البيت، حتى يصعد جدي الى الشقة، يفتح الشباك و يطل منه مشيرا بيده إلى بشندي، فيطمئن و يمضي إلى بيته. مثال صادق للوحدة الوطنية.

و هكذا، ابتاع أبي عدة نسخ من جريدة الأخبار، احتفظ بها في أماكن متفرقة، و قطع من إحداها التقرير ووضعه تحت زجاج مكتبه، كان عمي قد مات منذ سنوات طويلة، و بيع الدكان بعد وفاته مباشرة. كان أبي ينظر إلى الصورة و يقول: أنظر إلى طربوش جدك، أنظر إلى عصاه، كان حنونا فلم تلمس جلدي قط. أنظر إلى صحته و نور وجهه على الرغم من سنوات عمره الخمسة و تسعين. شف عمك بشندي، مسيحي أصيل و الله، ليس متشددا كما هم اليوم، أخي الذي لم تنجبه أمي.

اعتبر أبي أن صورة بشندي الخمسيني مع جدي التسعيني هي أفضل ذكرى قد يحصل عليها. فبشندي اختفى من حياته في الثلاثين من عمرهما ، و مات جدي و هو في السادسة و الستين.

بعد أيام طويلة من التأمل، أدرك أبي الشبه اللافت للنظر بين بشندي و عبد الحفيظ التطاوي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* قاص من مصر

[email protected]

 

 

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق