بشرى خلفان ترسم بطلاً عالمياً بخصوصيةٍ عُمانية

بشرى خلفان
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

ليلى عبد الله

يذهب الروائي أورهان باموق في كتابه” الروائي الساذج والحساس” إلى أن “الروائي الناجح هو من يخلق بطلاً لا يُنسى، مثل توم جونز، إيفان كارامازوف، مدام بوفاري، آنا كارنينا أو أوليفر تويست”.

لقد سمّى هؤلاء رواياتهم بأسماء أبطالها، واشتهروا بشخصياتهم المخترعة، كما أنهم نجحوا في خلق تلك الرابطة الحسيّة العالية ما بين القارئ والشخصية الروائية، فأصبحوا شديدي الصلة بالواقع؛ وهذا تماما ما فعله دلشاد، بطل الكاتبة العمانية بشرى خلفان في روايتها الثانية والتي تحمل اسمه (صادرة حديثًا عن منشورات تكوين).

دلشاد هو الذي يرسّخ سيرته عبر مسيرات الجوع والشبع بهوّية مركّبة في بلد متعدد الهوّيات، ولد عرب غير أنه تربّى وترعرع في وسط عائلة من البلوش.

لا يمكن أن نحكي عن روايات بشرى خلفان بمعزل عن مشوارها الروائي، فهي مذ روايتها الأولى “الباغ” حملت على عاتقها الكتابة عن مسقط كمكان، وكذاكرة مستفيضة بالحكايات، وخلق تلك الصلة التاريخية في ذاكرة قرائها، عبر سرد معنيّ كل العناية بالتفاصيل وحتى أدقها من خلال استدعاء شخصيات عمانية خام، استطاعت أن تخلق تصورات متمكنة وهواجس معبأة بالوهج التراكمي لمنح الآخرين لمحة من لمحات تاريخ بلاد كعُمان في قالب روائي متخيّل؛ فصارت مسقط كغيرها من مدن العالم يُستدل عليها من روايات كُتّابها، النساء بوجه أخصّ.

سيرة الإنسان

وهنا تحديدًا تأتي خصوصية رواية “دلشاد”. فالكاتبة بشرى خلفان تجاوزت المحلية وقدمت شخصيات انسانية بحساسية عالمية مع احتفاظها بخصوصيتها العمانية، من خلال استدعاء شخصيات وفدوا كأفراد وكقبائل من خلفيات متباينة كالبلوش الذين هاجروا إلى عمان من مكران، وهناك من جاؤوا من بلاد فارس، بندر عباس، ومن وفدوا من الباكستان والهند أيضا…

وجد هؤلاء في عُمان- في تلك المرحلة التاريخية- مكانًا قابلاً للاختلاف والاندماج. فهي تسعى في مغامرتها الروائية المغايرة إلى توثيق تأثيرات هذه الهجرات على بلد كعُمان، وبيان كونهم جزءًا لا يتجزأ من التركيبة السكانية ومن مواطنة البلاد وذاكرتها أيضا.

وباتخاذ مسقط لتتبع سيرة الجوع الإنساني، يجعلنا نستعيد تجربة الروائي السعودي عبد الرحمن منيف في روايته “النهايات”، التي تحكي بدورها عن القحط الذي ضرب المملكة العربية السعودية، في مرحلة مهمة من تاريخها المتدفق بتحديات هائلة ومدى التأثير الذي طاول البشر والحيوانات والطيور… واتخذ بدوره من “الطيبة” منبعًا مكانيًّا لاستعراض تبعات الجوع من خلال شخصية عساف، الذي بدا كحامل راية تلك الحقبة التاريخية ورمزها الوطني. ودلشاد، تمكن بدوره من خلق هذا التأثير بأبعاده المختلفة.

وما يُحسَبُ للكاتبة هنا في رحلتها السردية، هي أنها لم تغفل دور النساء، ففردت لكل واحدة منهن صوتا مستقلاً، رابطًا بارزًا، وممّتدًا في كل طور من أطوار الصراع العماني، في فترات جوعة وشبعه وأزماته الكونية، كان للمرأة كيانها واستقلالها وشجاعتها من أية خلفية كانت، كعمانية خام أو كتركيبة منبثقة من منبت الهجرات.

في حين يبدو دور النساء في سرد الروائي عبد الرحمن منيف غائبًا أو غير فعّال وهنا تحديدًا ينكشف لقارئ التاريخ كيف أن لكل منطقة جغرافية في خارطة الخليج خصوصيته، لا سيما في ما يتعلق بدور النساء ومدى صلة مسيرتهن الواقعية في الحياة بأدوارهن في الروايات المتخيلة التي تسعى إلى التوثيق، وإلى استدعاء وحفظ الذاكرة التاريخية لفهم الحياة نفسها.

لم تبتكر الروائية بشرى خلفان بطلاً واحدًا بل أبطال وبطلات، ومنحت كل شخصية (على غزارتهم في الرواية) صوتًا وفكرًا وحلمًا وجوعًا وشبعًا.

قدمت شخصياتها بغاية الذكاء والخفة في آن، تستدعيهم وفق أدوارهم؛ فكان القارئ يتفاجأ بعد أن يقلب صفحة هيئة تبرز كبطل، فلا يوجد في سرد بشرى خلفان شخصيات ثانوية أو هامشية أو مهدورة، بل قامت باستدعاء شخصيات لها دورها الفعال وكأنها تعود لتبرز الدور الحيوي لجميع تلك الشخصيات، للهيئات البشرية، برجالها ونسائها وخلفياتها وبيوتها العالية وخيامها في المسيرة العمانية.

 

هيبة المكان

المكان في روايات بشرى خلفان هي بطل من نوع آخر أيضا، لا يضاهيه شيء. مكان باسط هيبته وقوته، متمدد بفتنة، لدرجة أن روايتها الأولى حملت اسم مكان “الباغ”، رامزة لمسقط بكل عنفوانها وغموضها، لتعود في روايتها الثانية بعدما صار المكان مألوفًا في سردها لكي تحمّل شخصية من شخصياتها راهن هذا المكان وقوته وفتنته أيضاً.

“دلشاد” هو رمز تلك الحقبة التاريخية، متمثلاً بمسيرة الجوع في بدايات القرن العشرين، حيث كانت مسقط بل عُمان كلها تقاوم بأساليب شتى في وجه أزمات قرنٍ خلّف تأثيرات شديدة الوقع على البشرية.

هي تحكي هنا عن الجوع والفقر المدقع، عن بيع الأبناء والتخلي عنهم مقابل لقمة مشبعة. ومن المدهش أنها تفض سير الأوجاع الجارحة بخفة أيضًا، بل بروح ساخرة في كثير من الأحيان، بضحكات من قلوب شخصياتها.

نعم، لقد انحازت الى الضحكة، وطوال الرواية تصطدم كقارئ بضحكةٍ من ضحكات “دلشاد” وهي الشيء الوحيد الذي أورثه لنسله؛ الناس الفقراء في ذاك الزمان كانوا يورثون سيرهم الطيبة لكنّ دلشاد الغبن لم يكن يملك سوى ضحكته وسط بشاعات الجوع والحاجة، وفي أعنف لحظات الحياة تتماهى ضحكة “مريم دلشاد” كدرع تداري به أوجاعها الروحية، وضحكة “فريدة” التي تحتمي بطياتها عن يتم مبكر، ضحكاتهما التي تتسرب بدورها إلى الشخصيات الأخرى لتخفف عنهم أعباء الوجود.

الذاكرة العُمانية

ولأن أورهان باموق يرى أن “قراءة الرواية تعني البحث في العالم من خلال عيون وأرواح وعقول الشخصيات الروائية”، لجأت الكاتبة الى بيان الأبعاد السياسية للمرحلة دون اقحام عبر شخصيات بعينها.

فالتصورات السياسية لوضع البلد في ذلك الحيز الزماني الراهن جاء على لسان التجار ورجالات السوق. ولعلّ من أبرزهم عبدا للطيف لوماه وصديقه حميد بن عبدالله. فالسياسة التي خلقت ظروفًا كانت لها تأثيرات جمة على أوضاع البلاد ككل  (على التجار وشح البضائع المتوفرة عبر السفن المحملة من مومباي ومن البحرين…)، كان لها التأثير ذاته على حركة النساء أيضًا خارج بيوتهن، في ابتكار الأساليب الممكنة لمحاولات النجاة في زمن القحط، فكنّ يفترشن خارج الأسواق، لصناعة وبيع كل ما هو متاح من صناعات يدوّية ومأكولات، حتى أصبحن أولئك  البائعات في زمن الرغد يشتهرن بألقاب ما كن يقمن ببيعه في زمن الفاقة، غدون لصيق ذاكرة الأجيال، فهي امتداد حتمي لتاريخهن الشخصي وهويتهن كذلك.

نجحت بشرى خلفان في اختراع شخصية ذات خصوصية عالية، قدمتها كواجهة مهمة لتحمل حيّزًا مغويًّا من الذاكرة العمانية وتاريخها الثري… شخصية تمكنت الكاتبة من تشكيلها والعناية بتركيبتها الداخلية وهواجسها الوجودية، لتنسل بخفّة، رغم ثقل الواقع المتقشّف من مكانها المحلي العماني إلى مكان أكثر اتساعًا وعمقًا، ستبقى طويلاً شاغل عقول القراء وأفئدتهم، ما يجعلنا كقراء نترقّب حضوره عبر تكوينات الشبع، في الجزء الثاني من الرواية كما وعدت الساردة.       

 

مقالات من نفس القسم