برَكة حسين عبد العليم: الرّاصِد على يسار العالَم.. قراءة في رواية (موزاييك)

محمد سالم عبادة
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمد سالم عبادة

     من قُدِّرَ له أن يشاهد الفيلم الوثائقي التجريبي (بَرَكة) للمخرج (رُن فْرِكْ Ron Fricke) – من إنتاج عام 1992- ربما يستعيد هذا الفيلم بسهولة مع قراءة هذا النص السردي. (موزاييك) نَصّ يتحدى المألوف والمتعارَف عليه عن الرواية. لسنا أمام أشخاصٍ يتطورون مع أحداثٍ تتصاعدُ من فصلٍ إلى فصل. بالأحرى، الفصول أقرب إلى قصص قصيرة لا ترتبطُ شخصياتُها بشكلٍ مباشِر. اثنا عشر فصلاً في هذا الموزاييك، تأتي العشرة الأولى منها على هذه الشاكلة التي أسلَفنا القولَ عليها، وتشتركُ في سمتين أساسيتين:

– أنها جميعًا مستقاةٌ من قاع المجتمع، حيث الأبطالُ يعانون أزماتٍ ماليةً طاحنةً ومعها منظومةٌ خُلُقِيّةٌ وضيعةٌ غالبا. ففي (1) عبد الله لا يجد مالاً يتزوج به بعد أن زوَّجَ إحدى أُختَيه، ويلاحقُ جنسيًّا جارتَه المتزوّجة (شيماء) ، وفي (2) يلجأ المريض الريفيّ الفقير هاشم أبو محمود إلى بيت أخته جمالات – الفقيرة هي الأخرى – في القاهرة ليبيت عندها ليلةً قبل الذهاب إلى مستشفى الحكومة، وفي (3) يترك الراوي العليم دفّة الحكي لبطلة القصّة التي تخرج من زيجة فاشلة إلى استغلال جنسي إلى زيجة ثانية على الورَق -تذكِّرُنا بزيجة فيلم (القاهرة 30) وإن كان الديوث والزوجة وعشيقُها جميعًا من قاع المجتمع- إلى عمل مؤقت إلى نفس الزيجة الثانية، وفي (4) يكتشف رمضان خيانة زوجته عفاف مع السائق عربي ويلاحقهما ثم يفضحهما وينتهي الأمر بقعدة عُرفية تُعيد عفاف إلى رمضان الذي يرضى هذا الحُكم العلني في بساطةٍ، كأنه ينتمي إلى منظومة قِيَم يتحدد فيها مفهوم كرامة ونخوة الرجولة بمحدِّدات مختلفة جذريًّا عمّا ألِفَه معظم المنتمين إلى مجتمعنا على الأقل … وهكذا!  

– أنَّ الجنس مُحَرِّكٌ أساسيٌّ لدفّة الأحداث، كما تبيّن في ثلاثة من الأمثلة السابقة.

     القصة الحادية عشرة تبدو كأنها بلسان الكاتب نفسِه، فهو يتحدث عن مثقّفٍ موسوعيٍّ مهتمٍّ بالأدب والسينما والموسيقى ويعاني غربة المثقفين المعروفة في مجتمعه. بينما تأتي الثانية عشرة – الأخيرة- في صورة المَثَل Parable الفانتازيّ، حيث البطل دِيكٌ مُؤَنسَنٌ كأنه قادمٌ من كليلة ودمنة أو حكايات الجَدّات.

     في فيلم (بَرَكة) يمرُّ بنا (رُن فْرِكْ) على الأماكن المقدّسة لدى البوذيين واليهود والمسيحيين والمسلمين، ويمرّ على عدد من مظاهر الطبيعة الخلاّبة، كما يمرُّ على مظاهر مختلفة لتسارُع نبض الحياة مع الحضارة الصناعية. كلُّ ذلك من خلال كادرات بديعة تشهد على حِذقِه وحساسيتِه البصرية العالية وانتقائيِتِه المُعَبِّرة كذلك، حيث يصل إلينا مع نهاية الفيلم شعورٌ قويٌّ بأنّه يُتابع مسارات تلك البرَكة الإلهية أو النفَس الرُّبُوبِيّ الساري في كل مظهر من مظاهر الحياة على الأرض. هذا عن بَرَكة. فماذا يُحاول (حسين عبد العليم) أن يُتابِع بمواقفِه الإنسانية المُختارة من مجتمعِه في هذه الرواية؟!

ثَمّة ملاحظاتٌ أسلوبيةٌ وسياقيّةٌ على حكايات هذا الموزاييك، تنضافُ إلى السمتين المهيمنتَين على العشرة الأولى منها، والمُشار إليهما آنفًا:

     1- يوجد اختلافٌ بين لغة سرد (موزاييك) من ناحيةٍ، وبقية أعمال المؤلف من ناحيةٍ أخرى. فالحوار الواقعيّ العامّيّ المُحتَفِي بكل الشتائم والتابوهات اللفظية مشترَكٌ بين أعمالِه كافّةً، إلاّ أنّ السرد يَجنَح إلى التفاصُح في هذه الأعمال بدرجاتٍ متفاوتة. أمّا في (موازييك) فالسرد نفسُه عامّيٌّ لا يحاول الاقتراب من الفصحى خطوةً واحدة. هكذا يقول الراوي العليم في مطلع (6): “إستعمل قلم جاف بيك إسود. مشى بيه على إسمه المكتوب على المِخلة كإنه بيحفر: عبد الستار بيومي بخيت من كفر كلا الباب مركز السنطة محافظة الغربية”، كما يقول في مطلع (7): “ودنو كان قاعد مفرود ع القهوة بين اصحابه – وطبعا واحد بيحب وعشرة بيكرهوا – نكشوه زي العادة فالمعلم اتفرد”.
     2- طبيعة الصوت السارد في الحكايات الاثنتي عشرة: الراوي العليم لم يترُك دفّة الحكي للبطل إلا في ثلاث حكاياتٍ، هي (11) وهي فيما يبدو بلسان المؤلِّف نفسِه كما قُلنا، و(3) و(5) حيث الراوي امرأةٌ هي البطلة، وهي بطلةٌ جاهلةٌ فقيرةٌ كما في سائر الحكايات. لم يترك المؤلف دفة الحكي أبدًا لبطلٍ رجُلٍ إلاّ لنفسِه.
     3- كل أبطال الحكايات ينتهون بهزيمةٍ أخلاقيّةٍ أو مرارةٍ وانكسارٍ أمام المجتمع، ففي (1) يُحبَط (عبد الله) لفشل خطتِه في الظفَر بعلاقة حميمة مع جارته شيماء، إلا أنه مازال مؤرجحًا بين الرغبة فيها والتعلق بالأفلام الإباحية، وفي (3) يستمر الاستغلال الجنسي للبطلة رغم نجاح زيجتِها الثانية على الأقل في إنجاب طفلة، وفي (4) نكتشف نحن من موقع القارئ مدى تَرَدِّي (رمضان) ومنظومة قِيَمِه حين رضي الفضيحة لنفسه -كرجُلٍ خانته زوجتُه- على رءوس أشهاد المجلس العُرفي، وفي (5) نشهد كذلك تردّي البطلة الراوية في التحايُل لإثبات نسب طفلتها إلى زوجٍ خانته، وفي (6) يستمر (عبد الستار) في تخيُّل سيناريو الإغواء من السيدات الثريات اللاتي يعمل في بيوتهن في الخليج بعد أن بدأ معه في مصر قبل سفرِه، دون أن يتحقق بالطبع، وفي (7) ينكشف رهان (ودنو) مع رفاقه في المقهى أمام رئيس المباحث ويصبح مهددًا بالإهانة والحبس، وفي نهاية (8) تقطع البَغِيّ تأملاتها بشأن رزق أيامها القليلة القادمة لتستقبل طالبًا آخر في شقة طَلَبة في بين السرايات، وفي (9) يوحي إلينا الكاتب أنّ بطلَه (عبده بعلاش) أقام علاقةً آثمةً مع (رجاء) والدة التوأمتَين (إسراء ومروة) اللتَين هام بهما مِن قبل، وفي (10) تنهار أمُّ البنات باكيةً أمام ضغوط الجيران الفاسدين الذين يلاحقونها وبناتِها بالإيذاء والتحرُّش اللفظي. حتى في (11) ينتهي المثقف إلى القلق والشك في صحة وجدوى مسلكه الاجتماعي والأُسَرِيّ حيث يقول: “خلينا قافلين الجرح وخلينا كل مهمتنا نكسب قرشين يعيشوا بيها العيال واهي أيام بتتقضى. ساعات باقول احنا غلطانين إننا ما سبناش العيال عايشين زي منهم أهو على الأقل يقدروا يتواءموا. عيشتنا وأفكارنا دي هتعمل عندهم شرخ جامد. ربنا يستر عليهم وعلينا”.
     4- تلحق هذه الملاحظة بسابقتِها، حيث البطل الوحيد الخارج منتصِرًا ملتحفًا بالمجد من حكايته هو الديك المؤنسَن في مَثَل الحكاية الأخيرة. مختصر الحكاية أنّ الديك نكش في الكوم فوجد قمحة وشعيرة، ثم بدأ يلعب لعبةً ماكرةً مع سلسلةٍ من الصانعين المنهمكين في أعمالهم، تبدأ بامرأة تطحن بالرَّحَى، مرورًا بامرأةٍ تعجن الدقيق وتخبز، وفلاّح يأكل بصلاً في حقلِه ويستريح من عمله تحت شجرة، وناس يطبخون في وليمة، وانتهاءً بناسٍ يقيمون عُرسا. مع كُلٍّ منهم يُبدي الديكُ كرمًا منزّهًا من الغرَض ويُهدي الآخَر ما معَه (من أول القمحة والعشيرة)، ثم يعود إليه بعد وقتٍ ليأخذ شيئًا أكبر، يبدأ بحفان دقيق وينتهي بأخذ الجمَل بما حمَل من عروس!
     5- يَظهر من موقع المثَل الفانتازي في نهاية (موزاييك) أنّ المؤلّف يَنحو نحوًا مضادًّا لما يمكن أن نجده في كثيرٍ من منجزات السرد المعروفة. ففي الأعمال القصصية الكاملة لفرانز كافكا مثَلاً – ذلك الكتاب الشهير الذي جُمِع بعد وفاة كافكا – يبدأ السرد بمثَلَين فانتازيين Two Introductory Parables ليتنزّل بعد ذلك إلى العالَم القصصي الكابوسيّ لكافكا بكل تفاصيلِه المُحَوِّمة في واقعيةٍ سحريةٍ مبكرة. أمّا في (موزاييك)، يصعد حسين عبد العليم من الحكايات التي تعُجُّ بالتفاصيل الصغيرة – لدرجة تكرار أسماء الأعلام بين القصص مُشيرةً إلى أشخاصٍ مختلفين لا رابط بينهم، فنلمح شخصين باسم (إسلام) وشخصين باسم (عزت) مثلاً – إلى المثَل الفانتازي المُتعالي على الواقع.

 

     خروجًا من هذه الملاحظات، نصل إلى نتيجتَين:

أولاً- تصبُّ هذه السمات الأسلوبية والمضمونية في تكريس موقفٍ يساريٍّ أصيلٍ للكاتب. لا يقفُ فيه على يسار المشهد السياسي الاقتصادي فقط كما يبدو في انحياز حكاياته لقاع المجتمَع الغارق في الفقر والجهل والمرض، وإنما يتعداه إلى يسار المشهد الاجتماعيّ بتراتُبيّتِه التي تجعل من النساء جنسًا ثانيًا – كما تقول سيمون دو بوفوار – حين يرفض التخلّي عن دفة السرد كراوٍ عليمٍ، إلاّ لاثنتين من بطلات حكاياتِه. والأهم من هذين اليسارَين والأعمقُ منهما وقوفُه على يسار المشهد الثقافيّ كُلِّه، والذي يتجلى في الاستدعاء الوسواسيّ للجنس – ذلك المُحرَّم – كمحرّك لأحداث معظم الحكايات إن لم يكن كلّها، كما يتجلى في الحرص على اللغة العامية في السرد والابتعاد عمدًا عن أي أثرٍ للتفاصُح، وفي إعطاء أولوية العرض على القارئ للحكايات الواقعية الغارقة في التفاصيل والاحتفاظ بالمَثَل الفانتازيّ لذيل الكتاب، وأخيرًا في طبيعة المادّة المسرودة نفسِها من حيثُ الترابُط، فنحنُ أمامَ روايةٍ لا نكونُ مُبالِغين إذا قُلنا إنها سُمِّيَت روايةً قَسرًا، ولُوِيَت ذِراعُها لتكون كذلك، حيث ضرب مؤلّفُها بعرض الحائط كل تقاليد البناء الروائي كما عرفناه مستقِرًّا منذ ما قبل ثرفانتس!
     وجديرٌ بالذِّكر أنّ هذا اليسار يسارٌ متشائمٌ فيما يبدو، فلا مَخرَج من الهُوّة المُظلمة التي يتردى فيها أبطال الحكايات والمثقفُ الذي كتبَها، والمنتصر الوحيد كيانٌ خارج الإنسانية برُمّتها!

ثانيًا- يبدو أنّ الحلّ الأكثر وجاهةً للُغز الديك المؤنسَن في الحكاية الأخيرة يكمُن في اعتبارِه -من وجهة نظرٍ ما – رمزًا للكاتب نفسِه! نحنُ أمامَ ديكٍ قليل الفعل، يتلخص منجزُه في النبش والعثور على قمحة وشعيرة. لكنّه بإلحاحِه بالزيارة على مَن مرَّ بهم وأخذِه منهم صُنعَ أيديهم بسيف الحياء – “اتلخبطت الست واحتارت واتكسفت وبعدين سلِّمِت وادّتُه حفان دقيق” – يقتربُ في دورِه من الرّاصِد الذي أصرَّ المؤلّف على أن يَكونَه في (موزاييك). لقد عرض المؤلّف مواقف مجتمعيةً وجوديةً عاريةً أمامَنا. لم يتدخل كخالقٍ نموذجيٍّ ليربِطَ بينها بأي طريقةٍ أو ليفرض عليها رؤيةً متعاليةً من خلال سردٍ فصيحٍ يُراوِح الحِوار العامّيّ ويخلقُ معه توتُّرًا وتعدّدًا في الأصوات Heteroglossia، وهو الشرط الذي اعتبرَه الناقد الأدبي الروسي باختين ركنًا مهمًّا من أركان البناء الروائي. عرض حسين عبد العليم مواقفَه بلُغةٍ شديدة العامّية إن جاز التعبير، فظهرت أمامنا بلحمها الحَيّ. وهو بهذا المثَل الأخير يتنصل من صفة الخَلق المتعالية – في تجاوُبٍ مع يساريتِه المُشار إليها في النتيجة السابقة – ويقدّم نفسَه هو والديك كمُعادِلٍ أدبيٍّ للتاجر الشاطر الذي لا يخلُقُ سلعةً وإنما يعرف كيف يقايض وينتصر ويُثري. هذا، في الوقت الذي يُلمِحُ فيه مِرارًا خلال حكاياتِه إلى احتقارِه للتجارة كنشاطٍ حقيقيٍّ (كما في طفيلية الجالس أمام دكّانِه في 10 وفي تسفيه الشُّطّار في مِهَنِهم في 11). كأنه يقولُ: “أنا هذا الدِّيك، أنتصر أخيرًا رغم هزيمتي الفادحةِ أمامكم، حين أبتكرُ تجارتي الخاصة التي تشبه تجاراتكم ولا تشبهها في آن”!
     إذا كان لنا أن نُجيب عن السؤال الذي استحضرناه من فيلم (برَكة) في مقدمة هذه القراءة، فإنّ حسين عبد العليم من خلال حكاياته في موزاييك يحاول أن يتابع انتصار الراصد الواقف على يسار العالَم. يقولُ لنا: “رغم كل هذا القبح، فإنّ الجمال يكمُن في دِقة العين الراصدة وإخلاصِها للحكاية، ولا شيء بعد هذا”.

 

عودة إلى الملف

 

     

مقالات من نفس القسم