برعاية القديسة فيلومينا ومعتصم بيه

مريم حسين
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

مريم حسين

امتقعت.. لو أن أبي هو الذي يفتّش حقيبتي وأعلم أنه في الثانية القادمة سوف يجد علبة سجائر وولاعة لما ارتعدت هكذا وتمنيت أن أتلاشى كالسبرتو قبل أن يجد معتصم بيه علبة سجائري. اعتصرت ذاكرتي محاولة التخمين هل تركتها في المنزل، هل في الدرج أم أسفل المخدة، متى أخر مرّة شربت أصلا، ودعوت في سرّي وأنا أشعر جيدا بارتعاشة أنفاسي: يارب تكون وقعت مني في عملي أو في ميكروباص!؟ اختلط عليّ الأمر ولم استطع تذكر أي شيء. 

أسند معتصم بيه حقيبتي التى كانت تشبه حقائب المدارس بجيبين كبار ويلحق بها جيبين صغيرين ويحاصرهم من الجانبين جيوب بأستيك. أسندها على كبّوت سيارة لادا زرقاء قديمة نعس عليها تراب رمادي منذ فترة. تلوّى في صدري شيء كالدودة الطويلة المتخشّبة بعض الشيء. تلوّى لأن السيارة غارقة في التراب ولأن الحقيبة عميقة وصعب إخراج كل ما بها وهذا سوف يغضبه أكثر وتلوّى لأن قماش الحقيبة من الداخل كان يشبه جلباب بائعة خضار، دارت عيني بسرعة في المكان أحاول رصد كم شخص يقف في الشارع يشاهد أمعائي وهي تنتزع من ثباتها في قاع الحقيبة الموغل وارتحت لأنه من حدة صوت معتصم بيه والضابط الذي معه والحركة العنيفة للأمناء لم يجرؤ أحد على التوقف ولو عن بعد للفُرجة أما المشاهدة من الشرفات فقد حَسَمَتها لفّه برأسه وهو يمسك سائق التوك توك من ياقة قميصه المهترئة. التقط معتصم بيه المحفظة كأنه عثر على الدليل الوحيد على ما حدث. ألقى الحقيبة بإهمال وهو يفتش المحفظة بشهوة الغنيمة – بينما أتتبع أنا أثناء ذلك أصابعه الغليظة الطويلة الداكنة اللون – بدءاً من الظفر-عن باقي الكفّ بسبب تدخين كثيف، وفي وعيي الموازي أقارن بينها وبين دقة ونحافة أصابع ناجي – وهو يعزف على العود أو البيانو بينما أجلس أنا إلى جواره أدقق في أصابعه وملامح وجهه التي ينعكس عليها أثر النغمات بكل سهولة.

 وكلما ألتقط معتصم بيه شيئا من المحفظة ينظر له باستغراب ويلقيه على الكبوت. خمسة وثلاثون جنيها وتذاكر مترو وريشة حمامة رمادية وصور عديدة لأطفال ممن أدرّس لهم. صورة لي مع أبي وأنا طفلة، صورة للعذراء مريم وحدها بدون طفلها أعطني إياها جدتي منذ عشرة أعوام. ورقة خضراء مطبوع عليها الآية الخامسة والثلاثين من سورة النور التي تصف نور الله كمشكاة في مصباح والمصباح في الزجاجة والزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة. وحقا تمنيت أن أصير شجرة، فبعد أن التقط بطاقتي وأعطاها للضابط الثاني الذي ذهب بها للجانب الأخر من الشارع، إلى الميكروباص الذي كانوا يستقلونه – وقد لمحت قبلها بعض الشفقة في عينيه -. فتح الجيب الصغير في الحقيبة وأخرج مناديل ورقية مكرمشة مستعملة ونظيفة في كبشة واحدة وعدد أربعة قلوب من اللبان السمارة المغلّفة ولبان عادي ممضوغ ومتكوّر في كتلة عجين خضراء متحجرة بعض الشيء، ودقق النظر في فرشاة أسنان في حجم الإصبع لها ذيل مسنون وفرشاتها مثل الفرشاة التي تنظف بها الزجاجات ورقاب الشِيَش. نظر لما في يديه بقرف ونظر لي بغرابة من أعلى لأسفل وهو يسألني عن طبيعة عملي. أجبته وأنا أتصنع الثقة والهدوء ممزوجا ببعض الخوف البريء حتى لا أعطيه انطباع أنني جريئة ولا يهمني أحد. أجبت أنني أعمل في مركز قريب من هنا يدرّسون فيه الموسيقى وبيتي في الشارع الذي يقع في امتداد الشارع الذي نقف فيه، ليس فيه بالضبط بل في نهايته إلى اليسار. وأكملت في سرّي وإذا وددت حضرتك المجيء لتفتيشه تفضّل وإذا أردت تناول الغداء معنا ” فتنوّرنا حضرتك والبهوات ” مع العلم أنني وأمي لا نجيد الطهي على الإطلاق. فقط أتركني ألملم محتويات حقيبتي السخيفة. فقد مررت بيوم جارح. بالفعل أصدر لي أمر لملمة محتوياتي وهو ينظر إليها مرّة أخيرة  بقرف. لملمتها بهدوء وببطء مُتجنّبة إعطاء انطباع إنني ماصدّقت أو أنني أخشى اكتشاف شيء لم يحط به خاصة بعد تأكدي من تبخّر علبة السجائر، بينما أتابع بأذني صوت صفعات معتصم بيه على قفا ووجه سائق التوك توك وهو يوجه له سؤاله عدة مرات ” بتجري ليه يلا، بتجري لييييه؟ “.                                          

تورّطت في الأمر من بدايته.. فبعد أن نزلت من ميكروباص في شارع الهرم وعبرت الشارع في لا مبالاة متجهة لأول “توك توك” يقابلني أصبّر نفسي بأنني في دقائق سوف أكون في غرفتي وحدي أبكي كيفما أشاء أو أنظر لنفسي في المرآة بتبلّد محاولة تقبل الأمر، فجأة وجدتني متورطة في مشاجرة بين ثلاثة أو يمكن أربعة من أصحاب “التكاتك” على الدور في تحميل الزبائن  بينما يحاول “توك توك” آخر الاقتراب بحذر من موقع المشاجرة وانتشالي بعد أن حملق بي للحظة. لم أتبين سوى أنه “توك توك” يتحرك وحده إلى أن دققت النظر فلمحت سائق عجوز للغاية وقصير بشده، لا يظهر سوى رأسه، كان غريبا ! بعضا من جبهته ووجنتيه فقط ما يظهران ويلف رأسه بعمامة بيضاء مرتديا نظارة مقعرة وذقنه طويلة وبيضاء ويرتدي جلبابا أبيضا ويلفح عليه شالا أبيضا أيضا. اتجهت للملاك الذي سينقذني من تلك المشاجرة فإذا بكل السائقين يدفعون بأيديهم “التوك توك” وهو بداخله حيث تدحرج بسهولة للخلف وسط برطمة غير مسموعة من الملاك فقط تتحرك ذقنه البيضاء بتشنّج. وقفت حائرة بصبر نافذ إلى أن اتفقوا على من سوف يبدأ الدور وكنت أنا الزبونة إضافة إلى شخص أخر يعرفه السائق معرفة سطحية. شخص نحيف للغاية زائغ العينين.                                        

اليوم.. أيقنت بعد عشرون عاما معنى تصرّف أستاذ صلاح مدرّس الموسيقى في مدرسة جمال عبد الناصر الثانوية بنات.. اليوم فعلت مثله تماما.. بدون وعي وبعد انتهائي تذكرته وفهمت.                                                                  

أغلقت باب قاعة تدريس البيانو عليّ، جلست على كرسي البيانو البني الداكن ماركة ياماها فاردة ذراعيّ حتى نهاية غطاؤه المغلق بينما غاصت رقبتي ورأسي للأسفل بين جناحيّ. ظللت على هذا الوضع لثوان ثم فتحت غطاء البيانو وظللت أعزف بانفعال شديد وحاجبيّ مضمومين في غضب مستخدمة البدّال القابع أسفل البيانو ناحية اليمين ضمانا لتداخل النغمات باستمرار. حينها تهرول النغمات خلف بعضها، تتعثر في بعضها وتنهض لتهرول وتتعثر ثانية وهي تحاول رفع ذيول فساتينها البيضاء والسوداء. إلى أن أرفع كفيّ عن أصابع البيانو. تداخلت أحشائي كالنغمات تماما ملتفة حول بعضها بقوة كادت تمزّقها حين دخل عليّ ناجي القاعة قبل ساعتين وأخبرني أنه اتخذ قرار الهجرة.          

أنهيت اللحن بعنف وأغلقت البيانو ووقفت أعدل ملابسي وشعري مبتلعة غضبي وحينها حضرتني صورة أستاذ صلاح وهو يعدل ملابسه وسماعة أذنه اليمنى وهو ينهض كاظما غيظه الذي خف قليلا بعد انتهاؤه من العزف.

أستاذ صلاح.. أدركت الآن فقط سبب تصرفك الغريب. برغم لا مبالاتك المخلصة بِعَدوُ مس التزام مدرّسة الفلسفة طوال اليوم في المدرسة رائحة غادية تبالغ في انفعالاتها وصوت ضحكتها لكي تؤكد لك ولزملائها أن طلاقكم تركها سليمة كما هي إن لم تكن أقوى.، تنزعج أنت من إعطاء الأمور أكبر من حجمها، تنزعج في هدوء..  كنت تترك كل منا منهمكة في تدريبها على الآلة التي اختارتها. ومع أن تلك المدرسة العريقة تمتلك ثلاثة ألات بيانو لكن جميعا نخشى الاقتراب منه. نادرا ما نذهب له. تجلس أنت في سكون بمحاذاة الشباك تتابع بملامح ممتعضة معظم الوقت وعيون حادة شجرة التوت التي بدأت في رَميِ ثمارها و بجوارك كوب قهوة صغير. بينما تتلصص علينا فتاتين برابطة عنق وأزار قميص مفتوحة حيث تؤكد لي زميلتي وهي تعزف المندولين أن إحداهن تجرأت بالأمس وعملت ” حلاوة ” في الفصل المهجور.

تنهض فجأة من جلستك، تقف في وسط الغرفة بقامتك الطويلة وبنطالك السُكّري وقميصك البنّي والبلوفر البيج ذو الرقبة السبعة، تتجه نحو البيانو المفضل لديك غير عابئا بانتباهنا، تظل تعزف بغضب متنقلا بسرعة شديدة بين الأصابع السوداء والبيضاء تريد اللحاق بالنغمات قبل أن تسقط وتتناثر على أرض الغرفة، وفي أخر خمس ثواني تبطيء إيقاعك، تختتم الأمر فجأة لكن بهدوء. ثم تقف غير عابئ بانبهارنا تطلب منا المغادرة.

طلب مني معتصم بيه المغادرة ثم تراجع. أمرني: استنى. أمرني بالانتظار وفي عينيه العسلية لمعة خبيثة أدركتها وكانت مأزق خطر. الأمر هكذا بالانتظار وراءه تفتيش موبايل.                          

كان الأمناء أجهزوا على سائق “التوك توك” والرجل النحيف الذي معه واقتنصوا قطع الحشيش من جيوب البناطيل  والملابس الداخلية  لكل منهما. أمسك معتصم بيه الحشيش في كفّه ثم نظر إلي متسائلا كأنه وجد الحشيش في الجيب الجانبي من حقيبتي : وإنتي بأه كنتي بتجري ليه؟ أجبته بهدوء شديد وعقلانية أنني أردت الابتعاد عن الضرب. خُفت.

 تركت الحقيبة كما هي على كبوت السيارة اللادا حتى لا أوحي له أنني أتعجّل الرحيل أو أخشى أي تفتيشات أخرى بينما أسبّ سائق التوك توك سباب تمنيت لو سمعه، لا، تمنيت لو أوسعته ضربا معهم. ولمت نفسي لأنني لم أركب “توك توك” الملاك. فبعد أن ركبت مع هذا السائق انطلق يسير بخطوط شديدة الالتواء. وعند الملف ظهر بجوارنا ميكروباص يطلّ من شبّاكه رجل بوجه غاضب وشفتين بنفسجيتين من شرب السجائر. وما أن لمحه الرجل النحيف الجالس بجواري حتى نطق اسمه مذعورا: ده معتصم بيه. وأخرج شيء لم أتبينه من جيبه بسرعة شديدة وألقاه في ملابسه الداخلية بينما انتبه سائق “التوك توك” للميكروباص مرتبكا وهو يدرك المأزق الذي غَرَس فيه. أمر معتصم بيه الميكروباص أن ” يزنق “على “التوك توك”، بالفعل زَنَق. حتى أصيب السائق بهلع ورجع إلى الخلف واستدار عائدا، أمرته مذعورة أن يتوقف خاصة بعد أن رأيت غضب شرس في ملامح معتصم بيه وصوته يدوّي : وراه، هات أمه. بينما ظلت تتردد في عقلي جملة جزع ساذجة  : مطاردة مع البوليس مطاردة مع البوليس.                                                                                                     

كَسَر الميكروباص على “التوك توك” مما اضطره للوقوف بعد فرملة صنعت عفاراً أعماني وأنا أخرج منه وأجري بعيدا مُنصِته إلى أصوات الأمناء وهم ينقضّون على السائق وشريكه. وصوت معتصم بيه يأمرني بزعيق : أستني هنا، أنتي بتجري ليه؟ بتجري ليه؟ هاتي الشنطة دي.

وارتكنا إلى السيارة اللادا..

شعرت بألم في كعب قدمي لوقوفي فترة في انتظار أيّة أوامر تفتيش أخري.. ثنيت وفردت مِشط رجلي محاولة تبديد الألم. شعرت بتيه شديد وأنني أقل حجما من النمل الذي يتمشّى بجواري غير عابئ بشيء مما يحدث. للحظة ظننت أنني فقدت حاسة السمع، لم أجزع، على العكس، تقبّلت الأمر وأنا أدقق النظر في الوان الستائر العديدة في الشرفات واستدعي المقطوعة التي ارتجلها ناجي وعزفها لي. كنّا المدرسين الوحيدين حينها في المكان. وكنت على وشك الرحيل. فجأة وجدته يدخل القاعة مبتسما بجسد متناسق مرتديا قميصا لونه أخضر داكن و يثني أكمامه حتى مرفقيه. جلس على كرسي البيانو ورفع غطاؤه وارتجل لحنا متنوعا ظهرت أثار حركته اللحنية على حركة رأسه وكتفيه والثواني التي ينتشل فيها إحدى كفيه من على البيانو ثم يعود ليغرسها  بين الأصابع مرة أخرى. كان وسيما بأصابع قمحية نحيفة وساعة متوسطة الحجم سوارها من الجلد البيج، وحظاظة بنّية مضفّرة بقفل فضي في يده اليمنى تزيد من جمال شكل يديه. دائما ما أتسمّر أمام أيّ كفين على أصابع البيانو..                                                                                                       

شكل مفصل الكف وهو يتحرك بليونة يمينا ويسارا، شكل الذراع وهو يبتعد  وينضم للجسد،  والأصابع التي مهما صعدت أو هبطت، انفردت وأو انثنت تعود دائما للوضع المستدير.. وضع الخلق.. وضع ارتخاء الأوتار والأعصاب.. فالإنسان حين يموت ينتهي به الأمر بكفّين يتلمّسان جسده أو الأرض بجواره ساكنين مرتخيين بهدوء و في وضع شبه دائري أو ينتهي الأمر بكفّين بأصابع مضمومة ناظرة للسماء في وضعها الدائري وكأننا خُلقنا قابضين على يدي الله بكفوفنا كي نظل نشعر بالأمان وحين جاء وقت نزول كل منا للأرض أزال هو كفوفه من كفوفنا برقّه كي نتمكن من الانفصال لكنه أوصى أصابعنا بنفس القبضة كي نعلم أنه مازال موجودا.. كي نأمن.. أحضرت كرسي إضافي وجلست بجوار ناجي بينما استمر هو في عزفه إلى أن قاطعته واضعة يدي اليمنى على يده اليمنى. كف فوق كف، خمسة أصابع فوق خمسة أصابع، ابتسم وأكمل عزفه بشكل أبطأ. لطالما أتمنى أن أفعل ذلك منذ طفولتي. أن أتسلق كفوف وأصابع عازف بيانو وأترك أصابعي تتحرك أعلاه بسرعته هو. أو أن أتحسس حنجرة مغني بأصابعي مستشعرة ذبذبات صوته، بل وأوافق أن أتضاءل بشدة، أن أصبح إنسانا صغيرا للغاية وأتسلّق الأحبال الصوتية إمعانا في استشعار الغناء بينما أكاد أقع مع كل عُربة تُغنّى.

تطلّب انتقال اللحن للصوت الغليظ في البيانو أن احتك بكامل ذراعي وجزء من جسدي بجسد ناجي الذي انسحب من العزف ببطء تدريجي إلى أن توقف تاركا لي كفّه أسفل كفّى بينما يده اليسرى تعدّل خصلات شعري. وشفتيه الدقيقتين شديدتي الرقة والنعومة تقبّل كل مللي في وجهي وللاحتياط تُقبّل نفس المكان ثلاثة قبلات متتالية بطيئة قبل الانتقال لمللي أخر إلى أن التقى فمّينا، مما استدعى أن يخرج ساقه اليمنى خارج الكرسي ليحتضنني بذراعيه وساقيه وذلك سهّل عليه الإمساك بكفيّ وتقبيلهما مرارا عُقلة عُقلة وهو يلحس عرقهما وصولا لأظافري الطويلة المطلية بالأحمر، ذلك لأن أصابعي الطويلة الرفيعة أجمل أصابع شاهدها في حياته تلعب بيانو. حينها فقدت حاسة السمع. تماما كما فقدتها وأنا في انتظار أوامر معتصم بيه.      

اليوم أخبرني ناجي أنه قرر الهجرة لأنه لاجدوى من العزف هنا !! أخرجت مناديل أجفف فيها دموعي المنهمرة، وأعطيته منديل. مسح دموعه وعدلّ ياقة قميصه وذهب. وبدلا من أذهب لبيتي وغرفتي لأبحث مع نفسي كيف نتجاوز ذلك أجدني تورطت مع سائق “توك توك” جيوبه ممتلئة بقطع الحشيش. وظابط لا يحب اللبان السمارة والمناديل المكرمشة. وعندما طالت وقفتي افتقدت ناجي أكثر وامتلأت عيناي بدموع مكتومة. ولمحني الضابط اللطيف الذي كان منشغلا في تفتيش “تكاتك” وسيارات أخرى. أمر أخر سيارة معه بالتحرّك ثم اتجه لمعتصم بيه. لم أسمع ماذا قالا لكني رأيته وهو يشير لمعتصم بيه تجاهي وتجاه حقيبتي بإهمال، نظر لي معتصم بيه عن بعد وأشار لي بالذهاب. تقدم ناحيتي الضابط الأخر وأعطاني بطاقتي قائلا لي مطمئنا ومبتسما أن أذهب.                                   

 شكرته بعيني الدامعة وحملت حقيبتي ونفضت التراب عنها متصنعة عدم التعجل في الذهاب، عبرت الشارع في بطء شديد وتعمدت المرور تجاه وبجوار الميكروباص الخاص بهم ودخلت في الشارع الموازي للشارع الذي أقف فيه لأجد “توك توك” الملاك في انتظاري ! نظرت له مندهشة وابتسم هو كأنه يقول : معلش.. اركبي.. ركبت. انهمك السائق في عدة محاولات لتشغيل المحرّك. مما أعطاني وقت معقول لمشاهدة الصور الملصقة على الزجاج. تعرّفت على بعضها. المحارب الوسيم الذي يصرع التنين هو القديس مارجرجس، والحكيم ذو الجلباب وبجواره أسد هو القديس مارمرقس. بحثت عن صورة لمريم العذراء، أردت رؤية سيدة.. أردت البكاء في حضن سيدة ما.. بحثت مدققة ولم أجد لها صورة، لمحت صورة فتاة صغيرة نحيلة بشعر بني طويل مفرود على كتفيها ومقسوم من المنتصف ويتكئ عليه طوق ورد زهري اللون. كان وجه الفتاة حزين بعيون حائرة تلوم كل من ينظر لها، واقفة في عتاب طيب  وهي محتضنة جريدة نخل خضراء نضرة  طويلة  بالضبط كما كنت أنا أثناء عبوري الشارع ذاهبة لبيتي ومحتضنة حقيبتي الخضراء المغبرة، دققت أسفل صورتها أتهجى إسمها بصعوبة ” القديسة فيلومينا “. قديسة ! بهذا السن الصغير للغاية ! أطلت النظر لها مبتسمة. ولمحنى السائق الملاك. ابتسم وهزّ كتفيه. وقد تحرّك بالتوك توك وهو يرفع صوت الكاسيت الذي يصدر منه ترانيم لا أفهم منها شيئا. أدركت أنه تصوّر أننا أصحاب عقيدة واحدة وأنني اخترت التبرّك بالقديسة فيلومينا وعيناي دامعتان بعد موقف التفتيش. وجدعنة منه رفع صوت الترانيم وهو يتراقص بالتوك توك يميناً ويسارا ويميل برأسه الأبيض الصغير عكس اتجاه سير “التوك توك” وهو يضحك ضحكات خشنة قصيرة  فيها انتصار تلذذه بالفوز على كل سائقي المَوقف، مما جعلني أراقب وجهه في المرآة اليُسرى وأضبط ملامح وجهي في المرآة اليمنى لأجدني أضحك أنا أيضا.!!!  

مقالات من نفس القسم