انتصار الحداد على “الأيدلوجيا”

مؤمن المحمدي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

مؤمن المحمدي

إنها معادلة تصعب استقامتها، ويعد الخلل فيها قديما قدم الشعر ذاته.

هكذا نظن فيما يخص العلاقة بين الشعر والفكر. ومهما تطورت أشكال هذا الجدل، واتخذت أسماء أكثر حداثة، وارتبطت بمصطلحات أكثر عصرنة، فإن الخلاف يظل في جوهره واحدا. فطبيعة الشعر، والمشاعر، أنها أكثر تعقيدا وأقل تحديدا من الفكر، والعقل. ومن ثم، فإن هناك افتراضا أزليا بأن المنطق ينتقص من شاعرية القصيدة، على اعتبار أنه يحد من أدوات الشاعر التي يعد الخيال أهمها.

لكننا نعتقد أن كل تلك التصورات راجعة بالأساس إلى افتراض أن هناك “طبيعة” و”جوهرا” للأشياء والظواهر والإنتاج الإنساني كافة أشكاله، وكذلك الافتراض بأن هذه الطبية وذلك الجوهر ثابتان مهما مر الزمن، ومهما تعقدت العلاقات بين الموجودات، ومهما تعقد النشاط الإنساني ذاته.

حسنا، إننا نعتقد أن هذا المدخل مناسب جدا للحديث عن تجربة محمود خير الله الشعرية التي توجها بديوانه “كل ما صنع الحداد”؛ فعند ظهور خير الله في أجواء الشعر المصري في منتصف التسعينات، والعربي بعد ذلك بقليل، كان هناك توجه بين الشعراء والنقاد يذهب إلى أن هناك خصاما بين الشعر والأديولجيا، وأن أدلجة الشعر تؤدي إلى فقدانه لمميزاته، وربما لشاعريته نفسها، ومن ثم حدث ما يمكن تسميته بـ”المراجعة” بين شعراء تلك المرحلة. لم تبدأ هذه المراجعات في التسعينات وإن كانت قد تبلورت واستقرت، وتحولت إلى ما يشبه “الأدلوجيا”. لم تقتصر المراجعة على التفتيش في الشعر المكتوب حديثا في التسعينات والثمانينات، وإنما امتدت إلى شعراء ما قبل ذلك، وهكذا انتقص الكثيرون من شاعرية أمل دنقل والأبنودي وغيرهما من الشعراء الذين اهتموا بالشأن العام في قصائدهم، بل إن الشاعر الواحد تعرض إلى تقسيم شعره، والاحتفاء ببعضه إلى حد الهوس، ورفض بعضه إلى حد الإنكار (محمود درويش على سبيل المثال)، وكان كل هذا قائما على فكرة التفرقة بين الشعر الأدلوجي والشعر الإنساني، وكأن الأدلوجيا عقيمة وغير قادرة على إنجاب “مشاعر” تحفظ للشعر “طبيعته” إن كان له طبيعة.

وما زاد هذه النظرة استقرارا واستمرارا هو وجود شعراء دخلوا المعركة، ولكن على الجانب الآخر، بمعنى أنهم اعتبروا أن الشعر هو المرتبط بقضايا الوطن والأمة والمقاومة وما إلى ذلك. ورغم أن الجانبين كانا على طرفي نقيض إلا أنهما تعاونا معا على ترسيخ هذه الهوة وتوسيعها بين الهم الخاص والهم العام. والتأكيد على أن خروج الإنسان من عالمه الشخصي يعني بالضرورة تخليه عن مشاعره والاستسلام لعقله، بصرف النظر عن تفضيل البعض للأول وانحياز البعض للثاني.

من يقرأ محمود خير الله يدرك منذ اللحظة الأولى أنه لم يقحم نفسه ولا شعره في تلك المعركة، فقد افترض تلقائيا أنها معركة صورية مفتعلة. وبالتالي وضع قصائده في مرمى سهام الطرفين من المولعين بالتصنيف، وهكذا أجبر الشاعر على خوض المعركة التي لم يكن له فيها ناقة ولا جمل، فصعوبة الحياد لا تقل عن صعوبة الانحياز، وهكذا تحول حياده تجاه المشاعر إلى انحياز ولكن إلى طرف ثالث، وما يزيد تجربته تفردا هو أنه وقف موقف هذا الطرف الثالث تقريبا وحيدا.

عند صدور ديوان خير الله الأحدث “كل ما صنع الحداد” كتب حلمي سالم وعبلة الرويني (مع حفظ الألقاب والمقامات) مقالتين عن الديوان، لم يكن من قبيل المصادفة أن يحتفي بهما الشاعر دونا عن بقية ما كتب، ولم يكن غريبا أن يكون المقالان هما محور الحوارات التي جرت مع الشاعر، فكلاهما يتحدث عن مفتاح شعر خير الله، وهو علاقته بالموقف الأدلوجي لخير الله الشخص. وكلاهما خط ما يمكنه مراجعة للمراجعة السابقة، حيث اعتبرا الديوان نهاية لفكرة أن الأدلوجيا ضد الشاعرية وإن اختلف الأسلوب.

غير أن سالم كتب مقاله انطلاقا من كلمة ظهر الغلاف التي تقول: “إنه ينتصر للشعر على الأدلوجيا”، معتبرا أنها عبارة متجنية على الشعر والأدلوجيا معا. ولأن كاتب هذه السطور هو كاتب كلمة ظهر الغلاف للديوان، فإننا نؤكد هنا على أننا نعني ما كتبناه هناك حرفيا، فالأدلوجيا لا تكمن فقط في الأفكار السياسية، وإنما كذلك في أي إطار فكري يفترض ثوابت نظرية، ويفترض جدارة هذا الإطار بالتقوقع داخله، وعلى هذا فإننا نعتبر رافضي تماس الشعر مع الواقع السياسي يمارسون نوعا من الأدلوجيا المضادة لفكرة الشعر الحنجوري (التعبير السائد عن الشعر الذي يتذيل السياسة).

وهكذا فإننا نرى أن خير الله قد واجه ميليشيتين شعريتين لا واحدة، الأولى تقيد الشعر بالسياسة وجودا، والأخرى تقيده عدما، وكلاهما أدلوجيا، تفترض يقينا وثوابت وربما دينا يتوجب على الجميع اتباعه.

هذه هي الأدلوجيا التي نرى أن خير الله قد انتصر عليها، بتقديمه نموذجا لشعر يحمل أفكارا سياسية ويبقى شعرا، منتصرا على الفريقين معا.

وأخيرا، نعتذر عن استخدام تلك المجازات الحربية في معرض حديثنا عن ديوان شعر، ولكن ماذا نفعل إذا كان الديوان نفسه يحمل عنوان “كل ما صنع الحداد”؟    

 

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم