امرأة ومدينة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

نص : زياد خداش *

لا اطأ ارض هذه المدينة الا واتعرض للاختطاف ، الهي انها الرؤيا ذاتها : ثمة امرأة تنتظرني هنا ، قد تكون أتت وذهبت لاني ، تأخرت عليها ، بسبب الحواجز الاسرائيلية ، قد تأتي بعد قليل ، لاني وصلت مبكرا ، قد تكون ميتة ومدفونة هنا ، لاني تخليت عنها ، قد تكون موجودة هنا ، لكنها غاضبة ولا تريد رؤيتي لاني خذلتها ومت ، قد تكون عقدت صفقة مع زقاق ضيق من ازقة المدينة ،فتبادلت معه الادوار ، تصبح هي زقاقا تتدافع فيه عربات الباعة و اكتاف المؤمنين والجنود والعشاق ، ويصبح هو امرأة ، تفيض فيها انهار الرغبات الهاربة ، يشتاق هو الى الرغبة ، تشتاق هي الى الذاكرة ، في كل مرة اهبط فيها الى القدس ، و

لا ادري لم احس ان الطريق الى القدس من رام الله يشبه طريقا منحدرا ؟ ، احس ان القداسة ما هي الا اخت الخطيئة ، وان المعابد والاديرة والطرق القديمة والاضرحة والمقامات لا تكتسب هيبتها ومعناها السماوي وعمقها الا في حضور الانثى ، حولها او فيها ، وان انوثة النساء لا تتجدد ولا تتعمق وتزداد سحرا وغموضا وظلالا الا في حضور الاسطورة او المعبد ،

قبل الانتقاضة الثانية ، كنت اذهب الى القدس باستمرار ، سائحا في طرقها وتاريخها ، او زائرا لصديق مريض في مشفى او طالبا في رحلة مدرسية ،

في كل زيارة من هذه الزيارات القديمة ، كنت احدث اصدقائي عن شعور غريب يتلبسني هناك : ثمة كائن هنا ينتظرني ، يحبني ، سيأخذني من يدي ويطوف بي الشوراع والحواري ،

لو قسمت المدن الفلسطينية حسب درجة اتنوثتها وذكورتها لكانت القدس سيدة انوثة هذه المدن ، فالهمس الذي ينز من الاسوار القديمة العالية ، اضواء الكنائس الخافتة ليلا في المساءات الصامتة ، نعومة الادراج ، خطوات الزائرين المتأملة ، دموع المؤمنين ، امام الايقوانات الموغلة في السكون ، كل ذلك يضعني امام امرأة من نوع خاص ، امراة سائلة مثل زمان ومتجمدة مثل مكان ، انا في القدس الان ، قبل قليل وصلت ، قاطعا طريقا ترابيا بعيدا عن اعين الجنود ، اتعرض لانخطاف جديد ، لكنه غريب هذه المرة ، بدأت احس بالدوار الخفيف ، ارض القدس ثقيلة تحتي ، قدماي خفيفتان ، هل بدأت افقد الان احساسي الطبيعي بالاشياء ، عند باب العامود ، شعرت اني سألتقي بها بعد قليل ، قالت لي انها ستكون مع عائلتها الكبيرة ، الاب والام والجدة والجد والاخوة والاعمام والعمات ، وانها ستجد صعوبة في رؤيتي بسهولة ، امشي الان في الازقة ، كاني امشي فوق اجساد بشرية ، خائفا ، محاذرا ان ادوس على ضحكة فارس من فرسان سالم اليبوسي ، ملك يبوس او على ذاكرة عظام ضحايا مجزرة يبوس التي قام بها المحتلون الفرس ، لا استطيع ان انسى تلك الواقعة ، فقد كنت احد شهودها ، اختبأت في مغارة قريبة من بركة ماميلا ، قتل الفرس الالاف من اهل يبوس ، فقد فتحوا ثغرة في السور وهجموا على الناس اطفالا ونساء ورجالا ، وثقت ذلك في مخطوط سيعثر عليه بعد الاف السنين ذات ظهيرة كاتب فلسطيني من رام الله ، خبأت المخطوط في ثنايا حجارة الغرفة الثانية من برج كنيسة قديمة تقع بالقرب من كنيسة القيامة ، سيكتشفها الفلسطيني بينما كان يهم بتقبيل حبيبته ، سيستغرب ،من طرف قطعة قماش يطل من شق ضيق جدا بين حجرين كبيرين ، سيشد القماشة وسيقرأ هو وحبيبته المذهولة : مخطوطة الراهب انديقوس سترايتوس 614 بعد الميلاد ، سيصيب الرجل والمراة ما يشبه الغيبوبة الوحشية وتختلط عليهما الازمان ، وتسيل الاماكن ، من هما ؟؟ ، يتعانقان ، تعضه من عنقه ، يعضها من اصبع يدها الصغير، فعلا ذلك حتى يصحو حاضرهما ، بلا جدوى ، فصحيا فجأة على بكاء قريب لرجل ما ، هبطا من البرج ، كان ارميا النبي حزينا ، يمشي ببطء نحو بيته ، سألته الحبيبة : الى اين يا نبينا الحزين ؟؟ ساذهب الى البيت يا ابنتي فلم يكترث احد لنصائحي ، لقد يئست من غباء قومي ، قلت لهم لا تثوروا في وجه البابليين ، فلم يستجيبوا بل سخروا مني واتهموني بالجبن ، وها هو نبوخذ نصر يسبي قومي وينفيهم الى بابل ، كنت معه قبل قليل وقد اطلق سراحي قائلا لي : بئس قوم عصوا رسول ربهم ، ما زلت انتظر صديقتي هناك ، هاتفتني قائلة : زياد ليس هناك الا طريقة واحدة ، هي ان تأتي مع صديقة لك لتنتشلني من اهلي ، اقف الان امام الاف الناس من قومي ، اننا نحتفل ببناء يبوس وتخطيطها الجديد ، انا كاهن الرب الاعظم ، اسمي ملكي صادق ، ملك يبوس ، لم ارق دم احد يوما ، لم اغش امراة قط ، بعد الاحتفال سأجتمع مع ابراهيم ، فهو في طريقه الى مصر عبر يبوس ، سأقدم له الحمر والخبز كهدايا ، يبوس ستبقى محصنة امام الاعداء ، فقد بنيتها فوق اربع تلال : تل صهيون ، وتل موريا ، و تل بزيتا ، وتل اوفل ، على تل اوفل وقفت معها ، كانت مندهشة من قرب ايادينا من السماء ، صحت بأعلى صوتي : مدي يدك ، الى الاعلى ، الا تحسين بيد الله ، كانت تتراكض بين مداخل الغرفة الرابعة والاخيرة في البرج كظبية مجنونة تطارد مفترسها ، اخرجت كاميرتها وصورت قبة الصخرة ، يبوس تحتنا ، كنا نراقب جلسة في قلعة قريبة من البرج ، ثلة من قادة يبوس مجتمعين حول صخرة صغيرة ، يناقشون فكرة ارسال رسول الى فرعون مصر لينقذهم من غارات بني اسرائيل المتزايدة ، على ارض كنعان ، في سرير غيابي الاخير ، ما زلت انتظر موتي وانتظرها ، هي تعرف اني منذ شهرين في مشفى مار الياس القديم ، مشفى المحتضرين ، الذي يقع بالقرب من فندق نيوتردام ، امام باب الخليل ، اعيش ايامي الاخيرة ، بعد ان نهش السرطان كبدي ، الصمت والخوف هما اميرا المكان في هذا المشفى ، البارحة غاب رجل كان ينام بجانبي ، عن الوجود بعد اسبوع من حضورة الى هنا ، لا اعرف متى سأغيب ، لكني اعرف اني احضرت الى هنا تمهيدا لغياب قريب ، لم يزرني احد منذ احضروني الى هنا ، حتى هي ، المراة التي سكنت ضلوعي ، قالت انها ستأتي ، لكنها لم تفعل بعد ، بشكل عام لا احد يزور احدا هنا . لا وجود لباقات ورود او حلوى ، او اطفال يتحركون في الحديقة .

من الجنوب كان وادي حنوم يلمع بمائه المتدفق ، من الشرق بدا وادي قدرون ناحلا وحزينا ،

امسكت يدها وركضنا باتجاه باب الخليل ، كنا نلهث ،فقد هجم داوود على يبوس قاصدا احتلالها ، امامنا الالاف من الناس يركضون ، ثلاثون الف مقاتل بقيادة ابن اخت داوود واسمه يوأب ، يفتكون بالناس ، ذبحا وتشريدا ، فرسان يبوس يقاومون بقوة ، لكن المعتدين تمكنوا من احتلال تل اوفل ، المطل على قرية سلوام ، اخذتنا اقدامنا المنهكة الى عين روجل ، النبع الوحيد الذي يستقي منه شعب يبوس ، وفجأة رأينا مجموعة من المعتدين يهجمون على النبع ، ويغلقونها ، حتى يعطش الناس ويموتوا . في كنيسة القيامة ، سألتها : اتشعرين برهبة في الكنيسة مثلي ،؟؟ اجابت بنعم ، لم لا نشعر بذلك في اماكن العبادة الاخرى ؟؟ اطرقت ولم تجب ، بعد ايام ستتصل بي من مدينتها البعيدة ، لتقول : فكرت في سؤالك ، ان رسومات الجدران في الكنائس تحكي قصصا كثيرة ، الصورة والحكاية ، هنا الرهبة ، احنيت رأسها على كتفي ، قبلت شفتيها بهدوء لص واثق من خلو الشقة من اهلها ، ضغطت على نهدها فارتشعت ، وفجأة دخلت هيلانة ام الملك قسطنطين ، كان يحيط بها العشرات من الحراس الاشداء ، ارتبكنا ، من المفاجأة ، لكن ابتسامة ام الملك طمأنتنا ، سمعنها تسأل من معها : اين موضع الصليب : فأخبرها شخص اسمه الاسقف مقاريوس ، ان اليهود اهالوا عليه التراب والزبل ،فأمرت امامنا باحضار رجال الكهنوت ، وطلبت منهم ان يرفعوا الزبل، ثم استخرجت بيدها ثلاثة من الخشبات ، خشبة المسيح والخشبتين اللتين صلب عليها المسيح ، وسألت الاسقف : اين خشبة المسيح ؟؟ فأشار عليها بيده ، وامرت ببناء كنيسة القيامة على الموضع ، رن هاتفي الخلوي ، انها هي ، تقول لي : انا قادمة اليك انتظرني ، فقد هربت من اهلي ، وهم الان يبحثون عني ، كنا نسير مع الاف المسبيين مصفدين بالاغلال ، كانت خائفة وكنت مرعوبا ، اننا منفيون الان الى بابل مع اهلي واهلها ، ثمة رجل مجنون اسمه نبوخذ نصر يأخذنا الى هناك ، عقابا لنا على انتفاضتنا ضده ، وداعا يا اور سالم ، يا مدينة الحب والمجازر والتلال ، نهبط الان درج باب الخليل ، دفؤها في بردي ، تحمل في يديها سترتها السوداء ، منديل ازرق حقيبة جلدية صغيرة ، كاميرا ، وتفاحة حمراء ، ضعنا في الدروب ، قادنا تلاميذ المدارس الى طريق تقود الى البرج ، لا احمل انا سوى ارتباكي ، جلسنا على مقهى شعبي ، ذهل صاحب المقهى لوجود امراة عربية جميلة في مكان مخصص فقط للرجال ، اهدتني خاتما ، اهديتها قلما ، التقطنا صورا لنا ، على باب المقهى كان يقف رجل اشوري قاسي الملامح و غريب ، انه احد محاربي جيش شلمنصر ملك اشور ، القدس تحت احتلال جديد ،! صاحب المقهى يعتذر منا ، يريد ان يغلق مقهاه ، ويذهب الى البيت ،

فستنشب معارك لمقاومة الاشوريين بعد قليل ، يا الله ! الا يمل الغزاة من غزو هذه المدينة ؟ هاتف غزالتي يرن ، انهم اهلها : اين انت يا مجنونة ؟؟ نضحك ونركض في ازقة القدس ،

ما زلت انتظرها ، وحدي في القدس ، نصعد درجات البرج القديم ، قال لنا الحارس : معكما فقط نصف ساعة ، الدرجات لوبية وضيقة جدا ، نسمع اثناء الصعود صوتا يشبه محركات طائرة ، تقلع للتو ، انه الريح ، اقول لها بينما هي صامتة تواصل الصعود اللولبي ، حين نصل الى سطح البرج ، اتراجع الى الخلف ، ارتعب انا من هول الارتفاع ، تضحك هي وتتهمني بجبن ، فاسرع الى شفتيها ، احتمي بمنخفضاتها ، في الغرفة االاولى ، انحني على نهدها ، اخرجه ببطء مذعور ، تشهق هي ، فتعضني من عنقي ، مرتين ، نمشي باتجاه باب العمود ، نفاجأ باهلها ، يتسوقون ، نراهم ولا يروننا ، تصعق هي واهرب انا ، وبعد لحظات تمطر السماء بقوة ، انظر خلفي لأ راها ، فلا اراها فقد غطت المشهد رؤوس واكتاف كثيرة يزدحم بها الزقاق ، سألني حارس البرج : اثناء خروجي : ما هذه الصخرة التي تحملها بين يديك ،؟؟

انها احدى صخور كثيرة سقطت امامي من السور ، اجبته استغرب الحارس ، واصل اسئلته : لا تؤاخذني يا استاذنا ، بعض السياح قالوا انك كنت تقبل جدران الغرف ، وكنت تتحدث مع نفسك ، لم اجبه ، واصلت طريقي الى رام الله ، هاربا من الجنود الاشوريين الذين يطاردوني منذ الصباح لاني لا احمل تصريحا للدخول الى يبوس ، بيدي خاتم فضي ، على عنقي عضتان

ــــــــــــــــــــــــــ

* قاص فلسطيني

 

خاص الكتابة

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق