الوصول إلى الكابوس

فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

ربما كان (كافكا) مدركاً للاستفهامات التي يمكن أن يخلقها المنطق: هل كان الرجل الريفي مجنياً عليه ويريد أن يأخذ حقه؟ .. هل ارتكب ذنباً ويريد الاعتراف؟ .. هل كان مظلوماً ويسعى لإعادة محاكمته؟ .. 

ربما كان (كافكا) مدركاً للاستفهامات التي يمكن أن يخلقها المنطق: هل كان الرجل الريفي مجنياً عليه ويريد أن يأخذ حقه؟ .. هل ارتكب ذنباً ويريد الاعتراف؟ .. هل كان مظلوماً ويسعى لإعادة محاكمته؟ .. 

هل كان معاقباً ويبتغي تخفيف العقوبة؟ .. هل كان يريد الإبلاغ عن جريمة لا تخصه؟ .. لكن (كافكا) يعرف أن هذه الاستفهامات مهما كانت بديهية فهي بالنسبة له أقل أهمية أمام حتمية القانون نفسه لهذا فإنه لن يجيب عليها أبداً .. إن ما يعنيه هو وجود القانون وحقيقته وغرضه .. ما يعنيه هو احتياجك القهري إلى القانون .. الشهوة الغريزية ربما التي تجعلك تضيع حياتك كلها انتظاراً للحظة المثول أمامه، أي وقت معرفته .. لحظة أن يُلبي الأغراض الجوهرية التي لا يمكن تعيين سواه من أجلها .. لكن عن أي قانون نتحدث؟ .. هل هو القواعد التي تهدف إلى تنظيم سلوك الأفراد في المجتمع وتكون مصحوبة بجزاء توقّعه السلطة العامة على المخالف عند الاقتضاء كما تقول (ويكيبيديا)؟ .. هذا التعريف قد يكون هو الدافع الأزلي لخلق التساؤلات المنطقية لذا فليس هذا هو (القانون) الذي يقصده (كافكا) .. هو يتفحص القانون الأكثر اتساعاً ومراوغة وتوحشاً من إمكانية التعريف .. الذي لا تؤسسه يقينيات حاسمة، ولا تنظم حركته مشيئة أخلاقية مفهومة، ولا يسعى لتحقيق أهداف يمكن استيعابها .. هذا ما يجعلني أنظر إلى القصة ليس باعتبارها إجراءً روتينياً بين (رجل) و(قانون) بل كلحظة ذروة وجب حدوثها ولم تحصل .. وصول الحاجة إلى خلاص نهائي بدرجة مخيفة إلى أقصاها .. ليست مجرد مشكلة ينتظر الرجل أن يحلها له القانون .. هو استفهام أبدي لا شروط له، تتضاءل أمامه كافة الاستفهامات البديهية الأخرى ..  لغز ذاتي يأخذ شكل الحقيقة: أنت تعرف أن عليك الوصول إلى القانون .. هذه هي الحقيقة التي لم تنجم عن واقع خارجي بل عن ظلامك الداخلي: يضحي الرجل بكل (الأشياء التي كان قد زوّد نفسه بها) لرحلته هذه، وبكل شيء يملكه مهما علت قيمته رشوةً للحاجب .. تتجمع كل (خبرات سنوات حياته الطوال) في رأسه عند نقطة واحدة .. الأشياء التي زوّد نفسه بها، وخبرات سنوات حياته هي التي خلقت القانون .. خلقت تصوره للقانون ـ البوابة التي أراد الرجل الدخول إلى القانون منها تبين أنها معدة له وحده ـ وبالضرورة خلقت كيفية الخضوع ـ المفروغ منه ـ لأحكامه .. إذا كانت الأشياء والخبرات هي مكونات لظلامك الداخلي فما هي طبيعة القانون الذي ستخلقه إذن؟ .. تلك هي المسألة .. عليك أن ترضخ إلى نظام ملتبس كان يجب على تجاربك ـ كأنها حصيلة ناجحة ـ أن تُجبرك على تشييده دون أن يكون بوسعك تشريحه كمعرفة مؤكدة .. القانون ظن شخصي لا يتطابق مع ظن آخر ستموت قبل أن تتحقق من صحته أو تراه حتى متجسداً في صورة مغايرة.

لكن لماذا هو رجل ريفي؟ .. ألم يكن من الممكن أن يكون رجلاً فقط؟ .. لماذا أخذ الحاجب سمة السادة العظماء للدرجة التي جعلت الريفي يتوسل إلى البراغيث التي كانت تحط على فرو ياقته؟ .. ما الذي تحقق في القصة نتيجة استخدام (كافكا) للفكرة التقليدية عن انسحاق الهامش أمام سلطة المركز؟ .. ربما تحقق هدفان: الأول عدم إهمال هذه الفكرة، والحرص على حمايتها من  الضياع أثناء تفحص ما هو أكثر اتساعاً ومراوغة وتوحشاً من حدودها الشائعة حيث أنها ببساطة صحيحة تماماً رغم كل شيء .. الثاني هو إضفاء قدر من الواقعية على ما يمكن أن يُعد تشكيلاً فائق الغرائبية للنص، كأن (كافكا) بشكل أو بآخر لا يريد التنازل عن التأكيد على كون الأمر حقيقي جداً رغم طبيعته غير المعقولة.

كتب (ريكاردو بيجليا) في (فرضيات حول القصة القصيرة)/ ترجمة (محمد عبد النبي): (يروي كافكا القصة السرية بوضوح وبساطة، ولكنه يروي القصة المرئية خلسةً، إلى الدرجة التي يحوّلها معها إلى شيء مُبهم ومُظلم) .. هكذا تحولت قصة (الرجل الريفي) بالفعل إلى حالة من الغموض المحكم من حيث الاستفهامات المنطقية حول رغبته في المثول أمام القانون .. إن القصة السرية التي رواها (كافكا) بوضوح وبساطة ليست سوى كابوس دارت أحداثه داخل جسد الرجل الريفي ـ ربما استغرقت عمره كاملاً ـ الذي أُرغم تلقائياً بدافع من أسس قامعة خفية لا سبيل لمقاومة إغرائها ـ كالوهج الذي لا يقطعه خمود، المتدفق من داخل البوابة ـ على خلق ما يُسمى بالقانون مستخدماً أوهام وخيالات ستجعله كياناً غير معروف، يستعبد صاحبه دون أن يُرى أبداً .. ستتكفل الأمنيات المثالية التي تتجسد في صورة حَجَبة القانون ذوي القوة الباطشة بمنعك حتى النهاية من المرور إليه، وإدراك أنه شيء لا وجود مستقل له .. فلنلاحظ أن البوابة ـ كالعادة مشرعة ـ كأنها وعد تحميه الرغبات بخلود الاحتمال الذي يُبقي الرجاء في القانون، وهو ما يعني الرجاء في الحياة ذاتها .. تريدون أن تعرفوا شيئاً عن القصة المرئية التي رواها (كافكا) خلسة: آخر ما رآه الرجل الريفي قبل موته ـ الواقعي وليس الكابوسي ـ ذلك الحاجب وهو يُغلق بوابة القانون التي تبين أنها كانت مُعدة له وحده.

………………….

أمام القانون

قصة: فرانز كافكا

ترجمة: خليفه دسوقي

أمام بوابة القانون يقف حاجب. عند ذلك الحاجب جاء رجل من الريف يطلب المثول أمام القانون . لكن الحاجب قال له أنه لا يمكن أن يأذن له بالدخول في هذا الوقت. فكر الرجل في الأمر ثم استفسر إن كان سيأذن له لاحقاً.

من الجائز” أجاب الحاجب ” ولكن ليس الآن“.

ولما  كانت البوابة، كالعادة، مشّرعةً والحاجب يجلس على جانب من جانبي البوابة فإن الرّجل كان ينحني ويحدق من خلال البوابه نحو الداخل. ملاحظاً ذلك، قال الحاجب وهو يضحك : إذا كنت مشَوَّقاً هكذا فإن عليك محاولة الدخول بالرغم من اعتراضي ولكن تذكر أنني ذو قوة باطشة. واعلم أنني لست إلاّ أضأل الحجاب فمن ردهة لأخرى يوجد حاجب وراء آخر، والحاجب الثالث من الفظاعة بمكان لدرجة أنه لايمكنني أنا تحمل النظر إليه.

هذه مشاق لم يكن الريفي قد تَحَسًّب لها فهو يعتقد أن القانون، يقيناً، مكفول الوصول إليه من الجميع وفي كل الأوقات. ولكنه الآن، وبعد نظرة فاحصة على الحاجب، في سترته المصنوعة من الفرو وأنفه الكبييرة الحادة ولحيته التتريه النحيفة الطويلة، جعلته يُقِرّ أنه من المستحسن الإنتظار حتى يؤذن له بالدخول.

ناول الحاجب الرجل مقعداً وسمح له بالجلوس على أحد جانبي البوابه. وهناك يجلس الرجل لأيام وسنوات ويأتي بمحاولات كثيرة ليؤذن له  بالدخول مُضْجِراً الحاجب بإلحاحه.

  كان الحاجب كثيراً ما يدخل في المحادثه مع الرجل فيسأله عن بلدته وعن أشياء أخرى كثيرة ولكن الأسئلة كانت تطرح بدون اكتراث  تماماً كحال الساده العظماء حين يسألون، وكان الحديث ينتهي دائماً بإفادته بأن الوقت لم يحن بعد لدخوله.

ضحى الرجل بكل الأشياء التي كان قد زوّد نفسه بها  لرحلته هذه وبكل شيئ يملكه مهما علت قيمته رشوة للحاجب.  كان الحاجب يقبل كل شيئ يقدم له معِّلقاً دائما بقولهً : ” إنني أقبلها فقط حتي اكفك مؤنة حسبان أنك أغفلت أي شيئ”. وخلال هذه السنوات الطويلة كان اهتمام الرجل منصباً بصورة مستمرة تقريباً علىهذا الحاجب فنسي الآخرون وبدا له وكأن هذا الحاجب الأول هو العائق الذي يحول بينه وبين الوصول للقانون.

  كان يلعن حظه العاثر بجرأة وبصوت جهير في سنواته الأولى، ولكنه وبتقدم السنين أخذ يهمهم لنفسه فقط. ثم بعد ذلك أخذ بالتصرفات الصبيانية ومنذ تأملاته الأخيره علي مدى عام حول الحاجب فإنه قد تعرف حتى على البراغيث التي كانت تحط على فرو ياقة الحاجب بل وأخذ يتوسل إليها أن تعينه فتعمل علي تغيير رأي الحاجب.  وبعد طول وقت أخذ بصره في الإنطفاء وهو لا يدري إن كانت الدنيا قد أضحت أكثر إظلاماً أم أن عيناه تخدعانه فقط. ومع ذلك فإنه الآن  في ظلمته تلك يعي ذلك الوهج الذي لا يقطعه خمود، متدفقاً من داخل بوابة القانون.

الآن لا يوجد لديه و قت طويل يعيشه. وقبل أن يموت تتجمع كل خبرات سنوات حياته الطوال في رأسه عند نقطة واحدة – سؤال واحد لم يطرحه للحاجب.  يلَوّح له أن يقترب،  لأنه لم يعد يستطيع أن يشد ويرفع  قامة جسمه المتصلب. كان على الحاجب أن ينحني سافلاً نحوه لأن فارق الطول بينهما كان قد تغير كثيراً لغير صالح الرجل

ما الذي تريد أن تعرفه الآن؟” سأل الحاجب ” إنك نهِم“.

كل الناس يتطلعون للوصول للقانون”  قال الرجل  ”  فكيف حدث إذن أنه لم يكن هناك قط طوال هذه السنين من جاء و َتوَّسل الدخول إليه غيري؟”.  عرف الحاجب أن الرجل قد وصل نهايته، وحتى يلتقط السمع  المتضائل للرجل كلماته زمجر الحاجب في أذنه : ” لم يكن من الممكن استقبال أحد هنا لأن هذه البوابة إنما أعدت لك وحدك وسأغلقها الآن.

مقالات من نفس القسم

رؤية العمى
كلاسيكيات القصة القصيرة
ممدوح رزق

رؤية العمى