المُتَسَلِّقُ..اللبلابيُّ الشهير

عاطف عبد المجيد
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

عاطف محمد عبد المجيد                    

على الرغم من كوْنه نباتًا ضعيفًا يمكن لأي هَبَّة ريح أنْ تُمزّقه إرَبًا إرَبًا، إلا أنه لا ينمو ـ كنباتاتٍ أخرى، أفقيًا مُحْتميًا و” مُسْتقويًا ” بالأرض، بل يحدث العكس إذ ينمو رأسيًا متسلقًا جدارًا ما أو شجرة أو عصا طويلة جدًا، لا سيما وقد وُلِدَ وهو لا يعرف كيف يعتمد على نفسه بل اعتاد أن يستند على عاملٍ مساعدٍ خارجيٍّ، ينمو بواسطته وعلى أكتافه وظَهْره، أو قُلْ قَفَاه، يصعد إلى أعلى.

كذلك يجيء الشخص المتسلق الذي ليس لديه أية مؤهلات تسمح له أن ينتمي إلى عالم البني آدميين الطبيعيين، كما لا يملك بين جنباته موهبة بعينها ولا مَلَكة ما كبقية البشر ولا حتى الحد الأدنى منها، غير أنه على الرغم من فقره المُدْقع وخلوِّ رصيده من المواهب والمَلَكات إلا أنه فكَّر ودبَّر بعقليةٍ شيطانيةٍ جدًا في إيجاد البديل، وبدلًا من أن تأتي المساعدة من داخله فلا ضير من أن تأتِي من خارجه وعلى يد آخرين. إنه يلجأ إلى الاعتماد على الغير بغية تحقيق رغباته وأهدافه مستخدمًا، في طريقه إلى هذا، أساليب ملتوية متعددة كالنفاق والكذب والفتنة بين الآخرين والمداهنة وإلحاق الأذى بمن هم سواه إن اقتضى الأمر ذلك.

إنه كائن يعيش على المعونات الخارجية التي إما أنها تحطُّ عليه من السماء عبْر آخرين نتيجةً لعشرات القرابين التي قدَّمها من قبل ” على طريقة قَدِّم السبتَ يجيئكَ الأحدُ هرْولةً “، وإما أنه يسعى للِّحاق بها من خلال وسائل وسُبل يبتكرها وحده مُسْتندًا إلى مبدأ مِنْ أين تُؤْكلُ الكَتِفُ!

يبدو أن هذا المتسلق يمتلك خلطةً فريدة من نوعها من الصفات التي لم يُهيأْ لسواه أن تكون له.ولكي يُحقق هذا اللبلابي الشهير ما يصبو إليه فإنه يبحث دائمًا عن العامل المساعد / الجدار السُّلَّم الذي سيصعد على درجاته إلى أعلى.ثم بعد ذلك يلتصق به مستخدمًا أجود أنواع الغِراء حتى لا يتمكن أحد، أيًا من كان، من نزعه منه أو فصله عنه، يلتصق المتسلق بجداره جيئةً وذهابًا ولا يدعه طرفة عين حتى يتحقق له ما يريد مستخدمًا في هذه العملية كل ما قد يتاح له من أدوات تمكّنه من الوصول والرسوِّ إلى ميناء غايته من دون أن ينظر إلى شرعيةِ ما يقوم بفعله أو عدمها.       إنه يشبه البئر الذي حُفِر للحصول على المياه غير أنه لم يَجُدْ على حافريه سوى بأحجار عطشى.

أو ربما هو كشجرة سقطت عنها أوراقها في الخريف ثم أقبل الربيع فلم تعرف كيف تستعيد خضرة أوراقها مرة أخرى.

لا يبدو هذا المتسلق في نظر الآخرين سوى لِصٍّ، بوجهٍ لا يستطيع أن يواجه الآخرين وبعينين زائغتين لا تستقران على شيء، يحاول أن يسرق مِمنْ سواه ما ليس له.إضافة إلى هذا وغيره يمتلك المتسلق/ اللبلابي الشهير كمًّا كبيرًا من الحسد والحقد الذي لا يقارن على الآخرين خاصة وهو ينظر إليهم نظرة الفقير غير السويّ إلى الثري، فهم لديهم ما ليس لديه، ويفعلون بأنفسهم ما ليس يَقْوَى على فعل جزءٍ منه، ويحققون ما يبغون دون مساندة آخرين ودون قفز على أكتاف أحد فيما يبقى هو عاجزًا مشلولَ الأربع ولا يَقْدِرُ على فعل أي شيء إلا إذا تبرع غيره، المخدوع فيه  أو الذي انطوت عليه ألاعيبه، بمساعدته، إنه ككفيفٍ، والكفيف لا يد له فيما جرى له، لا يستطيع أن يَعْبر الشارع المزدحم إلا إذا قاده شخص آخر.

غير أن ما يثير هو حالة الانتفاخ ” أو النفخة الكدابة ” / التكبر الأعمى التي يحياها هذا المتسلق وكأنه يملك كل مواهب ومَلَكات الكون ولا يملك سواه واحدة منها. يمشي المتسلق ناظرًا إلى سواه من أعلى..صحيح من حقه أن يفعل هذا خاصة وهو يركب فوق كتفي سواه..أما حين لا يجد من يركب على كتفيه فإنه يقع على رأسه فتنكسر أو ربما يركب فوق ظهر خيبته وفشله وانكساره الذي لا يوازى.

يقضي المتسلق أوقاته لا في التخطيط لمشروعاته التي يود أن ترى الوجود على يده ولكن في التفتيش عن حائط يرتكز عليه يُبدي له محبة زائفة مُزيَّفة وأُخوَّةً لا مثيل لها ومَعَزّة لم يرَ الوجود نظيرها.

ثم حين يصل إلى قمة ارتفاعه ويتأكد من أنه قد حقق غايته بوسيلته الخاصة به والتي يستخدمها حصريًا، يُلقي بحائطه بعيدًا وربما باصقًا عليه مُحوِّلًا عبارات المديح التي كان يُلقي بها عليه إلى عبارات ذمٍّ وسُباب.إن هذا ديدنه ودينه، فمَن تربطه به مصلحة ما يكون في عينه ويتربع في كل حجرات قلبه ومن لا تربطه به مصلحة فهو ليس سوى شخص مصاب بداء الجَرب يوصف بكل ما في الدنيا من سوء، هذا طبعًا من وجهة نظر المتسلق.

وهكذا يظل ذاك اللبلابي الشهير يتسلق أكتافًا ويعتلى أخرى ـ مُخْرجًا ألسنته في قفا الآخرين أحيانًا، حتى يصل إلى مقعدٍ ما إن يضع مقعدته فوقه إلا ويَهُبُّ واقفًا كالملسوع لأنه في الحقيقة ليس له، ومهما قضى زمنًا جالسًا عليه في حين غفلة من الآخرين سوف يغادره ذات يوم وبطريقة تُخْزي إلى غير رجعةٍ لأنه ببساطة ليس على مقاسه.    

  هذا وبمجرد أن يتنحَّى عن المتسلق عائلُه الخارجي يقعُ أرْضًا، مثلما يقعُ القاهريُّ الذي يحاولُ ركوبَ حمارٍ في الريفِ للمَرَّةِ الأُولَى.

مقالات من نفس القسم